بدأت حياة ماحي كطالب في أكاديمية السحر الملكية. تم تخصيص غرفة صغيرة له في مساكن الطلاب، وهي أبسط بكثير من غرفته في النزل، لكنها كانت كافية. كان يشارك المسكن مع طلاب آخرين، مما أجبره على أن يكون أكثر حذرًا في ممارساته السرية لسحر الظل وفي دراسة الكتاب المجلد بالجلد الأسود. أصبح خبيرًا في إيجاد لحظات العزلة، في ساعات الفجر الأولى أو في وقت متأخر من الليل، لمتابعة دراساته المظلمة.في العلن، كان يلعب دور "كالب"، الطالب المبتدئ الموهوب والمتحمس، الذي يكافح قليلاً للسيطرة على قوته النارية المكتشفة حديثًا. كان يحضر دروسه بانتظام، ويشارك في النقاشات بحذر، ويطرح أسئلة ذكية توحي بالفضول والتعطش للمعرفة، ولكن ليس بالشك أو التحدي. كان أداؤه في دروس السحر الناري مثيرًا للإعجاب، حيث أظهر تقدمًا سريعًا وقوة متزايدة، لكنه حرص دائمًا على إظهار بعض الصعوبة، بعض عدم الاستقرار، للحفاظ على قصة "الموهبة الخام غير المصقولة".كان يتجنب تكوين صداقات حقيقية، لكنه كان ودودًا بشكل سطحي مع الجميع. كان يراقب الطلاب الآخرين، يدرس شخصياتهم، دوافعهم، ونقاط ضعفهم. بدأ بتحديد أولئك الذين قد يكونون مفيدين له في المستقبل، سواء كمصادر للمعلومات، أو كأدوات للتلاعب، أو كضحايا محتملين لامتصاص قوتهم ومعرفتهم. كان من بينهم دارون، طالب طموح ولكنه يفتقر إلى الثقة، والذي بدا منبهرًا بقوة "كالب" وثقته الهادئة.لكن اهتمام ماحي الحقيقي كان منصبًا على مكتبة الأكاديمية. كانت المكتبة مكانًا هائلاً، متاهة من الرفوف العالية الممتدة من الأرض إلى السقف، والمكدسة بآلاف الكتب والمخطوطات واللفائف التي تغطي كل جانب يمكن تخيله من السحر والتاريخ والمعرفة. كانت الهالة السحرية في المكتبة كثيفة بشكل خاص، وكانت هناك أقسام محمية بحواجز رونية قوية، لا يمكن الوصول إليها إلا بإذن خاص من كبار الأساتذة.قضى ماحي ساعات طويلة في المكتبة، يلتهم الكتب بنهم لا يشبع. كان يقرأ عن تاريخ الممالك، عن الحروب السحرية القديمة، عن أنواع السحر المختلفة، عن المخلوقات الأسطورية، وعن نظريات الكون والوجود. كانت قدرته على التعلم السريع، التي صقلها في قرية حافة الرماد، تخدمه جيدًا هنا. كان يستوعب المعلومات بمعدل مذهل، ويربط بين المفاهيم المختلفة، ويبني فهمًا شاملاً للعالم الذي وجد نفسه فيه.كان يبحث بشكل خاص عن أي ذكر لمفهوم "الكمال" السحري أو الوجودي، عن أي إشارة إلى كائنات تشبهه، أو إلى ظاهرة الشمسين السوداوين التي شهدت ولادته. وجد بعض الإشارات المتفرقة في النصوص القديمة والغامضة، حكايات عن سحرة حاولوا تجاوز حدود الفناء، عن طقوس خطيرة تعد بقوة إلهية، وعن كائنات قادمة من "الفراغ" بين العوالم. لكن لم يكن هناك شيء محدد، لا شيء يقدم له إجابات واضحة.أدرك أن المعرفة الحقيقية، المعرفة التي يبحث عنها، من المحتمل أن تكون مخبأة في الأقسام المحظورة من المكتبة. تلك الأقسام التي تحتوي على كتب السحر المحرم، والنصوص التي تعتبر خطيرة جدًا بحيث لا يمكن للطلاب العاديين الوصول إليها.كان عليه أن يجد طريقة للدخول إلى تلك الأقسام. لم يكن يستطيع طلب الإذن؛ فقصته كطالب مبتدئ موهوب ولكن غير مستقر لن تبرر مثل هذا الطلب. كان عليه أن يتسلل.بدأ بمراقبة إجراءات الأمن في المكتبة. لاحظ أن الحواجز الرونية حول الأقسام المحظورة يتم تعطيلها لفترة وجيزة في وقت متأخر من الليل من قبل أمين المكتبة الرئيسي، وهو ساحر عجوز أحدب يدعى ماستر إلياس، للسماح له بإعادة الكتب أو إجراء الصيانة. كانت هذه هي فرصته.في إحدى الليالي، بعد أن تأكد من أن معظم الطلاب والأساتذة قد ذهبوا إلى النوم، تسلل ماحي إلى المكتبة، مستخدمًا قدرته على الاندماج بالظلال. اختبأ بين الرفوف العالية في قسم التاريخ القديم، بالقرب من مدخل أحد الأقسام المحظورة المخصصة للسحر البدائي وسحر الدم.انتظر بصبر لساعات، حتى سمع خطوات ماستر إلياس البطيئة وهو يقترب. رأى الساحر العجوز يتمتم بتعويذة، وتلاشى الحاجز الروني المتوهج للحظة. دخل ماستر إلياس إلى القسم المحظور، وبدأ في ترتيب بعض اللفائف على الرفوف.كانت هذه هي اللحظة. تحرك ماحي بسرعة وبصمت، مستغلاً الظلال الكثيفة في ذلك الجزء من المكتبة، وانزلق عبر المدخل قبل أن يعيد ماستر إلياس تفعيل الحاجز الروني.وجد نفسه في ممر ضيق ومغبر، освітлений فقط بضوء سحري خافت ينبعث من الجدران. كانت الرفوف هنا مصنوعة من حجر أسود غريب، وكانت الكتب والمخطوطات تبدو قديمة وخطيرة. شعر ماحي بقوة مظلمة تنبعث من بعض هذه النصوص، قوة تتجاوب مع كتابه الخاص المجلد بالجلد الأسود.لم يكن لديه الكثير من الوقت. كان يعلم أن ماستر إلياس سيغادر قريبًا ويعيد تفعيل الحاجز، مما سيحبسه في الداخل. كان عليه أن يجد شيئًا ذا قيمة بسرعة.بدأ يتفحص العناوين والرموز على أغلفة الكتب. كانت معظمها بلغات قديمة أو رموز غامضة، لكن بفضل المعرفة التي امتصها وقدرته على التعلم السريع، استطاع أن يفهم بعضها. رأى كتبًا عن استدعاء الشياطين، عن لعنات الدم، عن التلاعب بالأرواح، وعن أسرار الفراغ.ثم، على رف مخفي في زاوية مظلمة، وجد مجموعة من اللفائف القديمة المربوطة بشريط جلدي أسود. لم يكن عليها أي عنوان، لكنه شعر بجاذبية قوية نحوها. أخذ اللفائف وفك الشريط.كانت اللفائف مكتوبة بلغة قديمة جدًا، أقدم من أي لغة رآها من قبل. لكن الرموز بدت مألوفة بشكل غريب، كأنها جزء من ذاكرة فطرية في داخله. بدأ يقرأ، وببطء، بدأت الكلمات تتضح له.كانت اللفائف تتحدث عن "الخلق الأولي"، عن كائنات سبقت الآلهة المعروفة، وعن محاولات هذه الكائنات لتحقيق "الكمال المطلق" من خلال دمج السحر والمادة والروح. تحدثت عن تجارب فاشلة، عن كائنات مشوهة وقوية تم خلقها ونبذها، وعن طقوس يمكن أن تؤدي إلى "التجاوز"، إلى حالة وجودية تتجاوز الفهم البشري.لم تذكر اللفائف اسم "ماحي"، ولم تذكر "الشمسين السوداوين" بشكل مباشر، لكنها تحدثت عن "الولادة من الأرض الميتة" وعن "الوعي الفارغ الذي يسعى للامتلاء". شعر ماحي بقشعريرة تسري في جسده وهو يقرأ. هل كانت هذه اللفائف تتحدث عنه؟ هل كان هو نتاج إحدى تلك التجارب القديمة الفاشلة؟الأهم من ذلك، تحدثت اللفائف عن "مسار الكمال"، عن خطوات محددة يمكن اتخاذها لجمع القوة والمعرفة اللازمتين لتحقيق التجاوز. تحدثت عن امتصاص جوهر الكائنات الأخرى، عن السيطرة على العناصر الأساسية، عن فهم أسرار الحياة والموت، وعن تحدي القوى الكونية التي تحكم الوجود.كان هذا ما يبحث عنه. لم تكن مجرد إجابات عن أصله، بل كانت خريطة طريق لهدفه.سمع خطوات ماستر إلياس تقترب من المخرج. لم يكن لديه وقت لنسخ اللفائف أو حتى قراءتها بالكامل. اتخذ قرارًا سريعًا. باستخدام سحر الظل الذي تعلمه من كتابه، خلق نسخة وهمية ومؤقتة من اللفائف، نسخة تبدو متطابقة ولكنها ستتلاشى بعد بضع ساعات. وضع النسخة الوهمية مكان اللفائف الأصلية، وأخفى اللفائف الحقيقية تحت عباءته.ثم، بنفس السرعة والصمت الذي دخل به، انزلق عائداً إلى القسم الرئيسي من المكتبة قبل أن يغادر ماستر إلياس ويعيد تفعيل الحاجز الروني. اختبأ مرة أخرى بين الرفوف حتى غادر الساحر العجوز، ثم تسلل عائداً إلى مسكنه دون أن يلاحظه أحد.في غرفته، تحت ضوء مصباح خافت، فتح اللفائف القديمة مرة أخرى. كانت بين يديه الآن، أسرار الكمال التي كان يبحث عنها. شعر بموجة من القوة واليقين تغمره. لم يعد مجرد كائن يسعى للكمال بشكل غامض؛ لقد أصبح لديه الآن مسار واضح، هدف ملموس، ومعرفة قديمة لترشده.كانت هذه اللفائف أخطر وأثمن بكثير من الكتاب المجلد بالجلد الأسود. كان عليه أن يبقيها سرية تمامًا، وأن يدرسها بعناية فائقة. كانت هذه هي الخطوة التالية في رحلته، خطوة نحو فهم حقيقته وتحقيق مصيره.ابتسم ماحي في الظلام، وعيناه السوداوان تتوهجان ببريق المعرفة المحرمة والقوة المتنامية. لقد كشفت له مكتبة الأكاديمية عن أسرارها الأولى، وكان مستعدًا لكشف المزيد.

2025/05/03 · 44 مشاهدة · 1108 كلمة
Abdelmalik
نادي الروايات - 2026