عندما فتحت عيناي لأول مرة بعد الموت…
لم أجد المقصلة، ولا الحبل، ولا ساحة الإعدام…
وجدت فقط سقفًا خشبيًا باهت اللون، وصوت امرأة تبكي في زاوية مظلمة.
كنت ملفوفًا في قماش أبيض.
صغيرًا… هشًا… لا أستطيع حتى البكاء بصوت عالٍ.
"إنه لا يحمل لون العينين…"
"ابنٌ آخر؟ من تكون أمه هذه المرة؟"
كانوا يتهامسون… كأنني لا أسمع.
لكنني كنت أسمع كل شيء.
كنت أعي كل شيء.
رغم أني لم أكن أملك حتى القدرة على رفع رأسي…
كنت أنا… سيفيرين ديوك كايرام
أو بالأحرى… شبحه.
عدت إلى البداية.
مرت السنوات… أو ما يشبهها.
كان الزمن بطيئًا، ثقيلاً، كأنني أُسحب داخله جَرًّا.
كبرت
ببطء.
لكن النار التي في صدري لم تخمد لحظة.
في عامي الثالث، حين كنت بالكاد أطول من سيف ،
جاءت ساعة التجربة.
أُوقِفنا نحن ستة في ساحة المهد…
أنا، و خمسة آخرون من أبناء هيونكل..أي اخوتي
لكنني كنت الأصغر..
الأضعف مظهرًا.
وأقلهم قيمة.
"هل هذا طفل أيضًا؟ لا يزال بالكاد يتكلم."
"لكن القاعدة واضحة… إذا بلغ الثالثة فهذا يعني انه ضمن المشاركين في طقوس صحوة الدم ."
قالوا كلماتهم، وأنا أنظر إلى المهد كمن ينظر في فم وحش قديم.
مهد السيوف…
أرض من الغبار والصدأ، متناثرة فيها الأسلحة القديمة كأنها مقابر لا أحد يهتم بها.. كل سلاح كأنه دليل على من جابوا هذا الطريق لأجيال...
السيوف مكسّرة… الرماح منسية…
وكل حجر فيها يحمل إما حكاية من نجحوا او صدى صراخ من فشلوا او حتى ماتوا قبلي.
في آخر الساحة، بوابة من الحجر، مغطاة بطحلب أحمر اللون كأنه لحم متعفن…
ومن خلفها…
ينبع صوت… خافت، رطب، كأنه نَفَسٌ يتصاعد من صدر الأرض.
نهر الفجر الأحمر.
"سيفيرين ديوك كايرام،" قال الحارس بصوت لا يحمل مشاعر.
"دون وساطة، دون ميراث، دون أي شي سوى نفسك …
إن أردتَ أن تُحسب بيننا، فدع النهر يقرر."
مشيت.
صغير الخطى…
قدماي تغوصان في التراب…
وجسدي يتمايل مع كل خطوة كأنه لا ينتمي لي.
لكنني لم أتوقف.
ولم أرمش.
مرت بيني وبين الأسلحة نظرات لا تُرى…
كأنها تحدق بي من داخل الحديد…
"طفل؟ أم طُعم؟"
تعثرت، كدت أقع، لكني تمالكت نفسي.
أنا لم أعد طفلاً عادياً.
أنا العائد من الجحيم.
عند النهر…
خلعت رداءي.
الماء… أحمر، دافئ، وله رائحة غريبة…كأنه امتداد لدماء كايرام
كأن الزمن ذاب فيه، وتحول إلى سائل.
و ليس فقط لونه الغير بل حتى ماءه نفسه فهذا النهر يتفاعل مع من يدخله من منحه قدرات عديدة مثل تقوية الجسد.. عظام فولاذية.. جسد حديدي.. قدرة تحمل أعلى... و حتى زيادة في القدرات السحرية
لكن حسنا ذلك يعتمد على الشخص نفسه فكما يعتبر هذا النهر نعمة هو كذلك وحش نهم
إن لم يتملك الشخص قدرة لاستيعاب تلك القوة سيدمر و يموت فيه
دخلته خطوة بخطوة…
كل خلية في جسدي تصرخ…
كأنها تتفجر من الداخل.
غصت فيه تماما ، حاولت قدر الإمكان البقاء لأطول فترة ممكنة، حتى اني فتحت فمي و شربت منه.
ثم… انطفأ كل شيء.
استيقظت على الحافة، مبللًا…
لا أعلم كم بقيت فيه…
كل ما أعلمه أنني خرجت.
رفعت رأسي، ورأيت انعكاسي في سطح الماء.
عينيّ… لم تعودا بنيّتين.
كانتا حمراوين…
كأن الدم قرر أن يسكن فيهما إلى الأبد.