لم يهنّئه أحد.
لا كلمة، لا نظرة، لا حتى همسة تُذكر.
كأن خروجه من النهر لم يحدث…
أو كأنه لم يخرج منه إنسان.
سيفيرين جلس بصمت قرب سور الساحة، يراقب التمارين دون أن يشارك،
كأنّه ظلّ لا أحد يلاحظه… أو يتجرأ على لمسه.
لكن في اليوم الرابع بعد طقوس النهر،
كُسرت العزلة.
"هاه، انظروا من جلبوه للتمرين… الجرو الصغير نجا فعلًا؟"
صوت خشن، غارق في سخرية مقصودة.
وقف كريوس من كلاب كانغال ، متبجّحًا كعادته،
ذو الخمس سنوات، واسع الصدر، يمشي وكأن الساحة وُجدت له.
إلى جانبه زالك ، من مجموعة كاليان
نحيل الجسد، بعينين ماكرتين،
يضحك كلما سخر أحد… ويضحك أكثر عندما يسقط أحد.
وراءهما، ثقيل الخطى، عريض الكتفين…
ليورن ، فتى بلا اسم أوسط،
بلا نسب واضح، وبلا عقل حاد.
يمشي كأنه صخرة متحركة،
يضرب الحجارة بعصا خشبية كأنه لا يفهم شيئًا مما يُقال.
اقترب الثلاثة من سيفيرين.
"سمعت أنه أغمي عليه في النهر،" قال زالك، "كأن النهر لم يحتمله!
ومع هذا… عاد! من العار أن نُحسب في نفس الدفعة معه!"
كريوس مدّ يده، نفض الغبار من كتف سيفيرين بعنف.
"ربما الماء غسل منه كل فائدة.
أو ربما… غسل منه الدم أصلًا."
لم يتكلم سيفيرين.
لم ينظر إليهم حتى.
كان يجلس، ساكنًا،
يربط قطعة قماش خشنة حول ساعده،
وكأن أصواتهم تأتي من بعد زمن.
"دعني أطرحه أرضًا، يا كريوس،" زمجر ليورن.
"دعني أكسر فكه!"
مدّ زالك رجله فجأة…
تعثر سيفيرين، سقط على ركبة واحدة.
لكنّه نهض دون تردد، دون نظرة واحدة للخلف.
تقدّم كريوس.
رفع يده…
صفعة على مؤخرة رأسه.
صفعةٌ عادية، لا تُسقط أحدًا،
لكنها كُسرت في الصمت.
كل شيء تجمّد للحظة.
سيفيرين بقي واقفًا.
لا ردّة فعل، لا صراخ، لا شكوى.
لكن وجهه لم يكن كما كان.
لم تكن هناك دموع.
لم يكن هناك غضب.
كانت هناك… ابتسامة.
باهتة.
هادئة.
بلا ملامح.
> "هل… يبتسم؟" تمتم زالك.
كريوس حدّق فيه لحظة.
شعر بشيء لا يُفسَّر…
كأن عيني سيفيرين لا تنظران إليه، بل خلاله.
كأن هناك شيئًا خلف النظر…
أعمق من العقل.
أقدم من الكلمات.
رفع كريوس يده مجددًا… لكنه لم يضرب.
"انساه،" قال فجأة. "إنه مجرد مجنون… دعنا نذهب."
تراجعوا، واحدًا تلو الآخر.
جلس سيفيرين مجددًا في مكانه.
لامس وجنته برفق،
لم يكن يشعر بالألم… بل بشيء آخر.
نبض.
كأن الدم يتحرك بشكل مختلف.
أسرع.
أعمق.
كأنّه… يستعد لشيء قادم.
وفي قلبه، حيث لا يراه أحد…
كان هناك صوتٌ صغير ينبض مع كل خفقة.
"احفظ الوجوه… لا تنسَ الأسماء."
ثم جاء الهدوء.
الهدوء الذي لا يُشبه السلام، بل يُشبه
ما قبل العاصفة.
أغمض عينيه،
فاشتعلت الذكريات.
صرير المقصلة.
ابتسامة هيونكل المحتقرة.
همسات الحضور في ساحة الإعدام.
طعم الحديد في فمه…
وصدى الصوت الأخير في رأسه:
"كلب خائن…"
شدّ قبضته.
أظافره غرقت في راحته الصغيرة.
شفتاه لم تتحركا،
لكن داخله صرخ.
"سأعود… سأمزق كل من ابتسم يوم موتي."
"لن أكون كلبًا مرة أخرى."