الفصل 166: العمر
فتح ويليام عينيه على رحابة السماء الممتدة فوق ظلة الغابة، وجسده يهوي بسرعة إذ تجذبه الجاذبية نحو الأرض. وما إن أدرك محيطه حتى تسلل من شفتيه تنهيدة هادئة، أعقبها لعنة مكتومة وجهها إلى أكاديمية النجم على تنظيمها بداية متهورة كهذه.
لحظةً، شرّد فكره نحو المرشحين الآخرين الذين لا شك أنهم خضعوا للامتحان ذاته. لكنه طردهم من ذهنه كاد الأمر، مدركاً أن معاناتهم لا تمت بصلة إلى نتيجته في الامتحان.
ورغم هبوطه من السماء بسرعة مروعة، لم يخالج قلبه أثر من خوف أو قلق. بل استسلم للهبوط، متقبلاً إياه بعزيمة هادئة.
وبينما تسابقت أغصان الأشجار الشاهقة للقائه، تلاشى جسده في العدم. وفي طرفة عين، عاد للظهور على أرضية الغابة، وقد تبخر الزخم الخطير، وهبوطه رشيق متقن وكأنه لم يفعل أكثر من خطوة عابرة على أرض صلبة.
حالما مست قدما ويليام الأرض، ارتدت الأرض تحته، متناثرة التراب خلفه وهو يدفع نفسه إلى الأمام بسرعة لاهبة. اخترق جسده الهواء كخط من القوة، مخلفاً وراءه تموجات من الضغط.
وبينما قطع مسافة شاسعة في أنفاس معدودة، اشتدت حواسه، إذ تسلل شيء غريب إلى الفضاء من حوله.
'حجر؟' هكذا فكر، حائراً للحظة.
وجاء الرد في وميض مفاجئ. اتسعت عيناه وهو يشاهد الحجر يتوهج بضوء قرمزي، ثم ينفجر بانفجار عنيف موضعي. مزق الانفجار الأشجار والأرض على حد سواء، محفوراً جرحاً غائراً في الغابة على مدى بضعة أمتار.
لكن ويليام لم يعد هناك. على بعد أمتار قليلة، تجسد شكله فوق لحاء شجرة، إذ أنقذته قدرته على الانتقال في اللحظة الأخيرة من الجحيم. التفت رأسه إلى الأمام، محدقاً باتجاه مصدر الحجر المقذوف.
توتّرت عضلات ويليام كأوتار مشدودة، وبدفعة انفجارية واحدة، انطلق كرصاصة. تحطم اللحاء تحت قدميه من شدة القوة، وتناثرت الشظايا بينما تشوشت صورته بالحركة.
تركزت عيناه السوداوان على المرأة التي أمامه، باهتمام وحدة. وبينما تقلصت المسافة بينهما، دخل حجر آخر مجال رؤيته فجأة. وبشكل غريزي، تلاشى شكله من الوجود، ليعود بعد نفسٍ واحد إلى جانب المرأة. تألق سيفه الطويل في قوس مميت، موجهاً بدقة لا رحمة فيها نحو عنقها.
لكن المرأة لم تحاول حتى التصدي. بانتقالة رشيقة، انزلقت جانباً بسهولة خادعة، ويدها تندفع كأفعى ضاسيدة لتلمس معصمه.
صرخت حواس ويليام تحذيراً، غمرته هاجس مروع. اختفى مرة أخرى، ليعاود الظهور عالياً فوقها. هوى سيفه الطويل بضربة لا ترحم، حافته تنزل لتشق جسدها نصفين.
لكن المرأة اكتفت بابتسامة عريضة.
ظهر في يدها سيف منحنٍ، وبثقة لا تكلفها عناء، صرفت ضربته، محولة هجومه المميت وكأنه مجرد لعب أطفال.
ضغطت قدما ويليام على الغصن تحته، هابطاً برشاقة متمرسة، وعيناه السوداوان مثبتتان على المرأة التي قابلت نظراته بابتسامة مائلة، ملامحها مشوهة بجنون مزعج. تسابق عقله وهو يدرسها. الأكاديمية لن تضع أحداً بهذا الجنون في طريقه دون غرض.
كان بحاجة إلى إجابات.
'لا بد أن أتعامل معها حالاً'، هكذا عزم.
مع زئير فرقعة، انفجرت حوله أقواس من برق بنفسجي، تلتف كالأفاعي قبل أن تتكثف في أسلحة متغيرة الأشكال. وبأمره، اندفعت إلى الأمام بسرعة محرقة، ممزقة الهواء في عاصفة من الدمار.
لم تفعل المرأة سوى الضحك، ضحكة جامحة صاخبة يرن فيها الهيستيريا. "هيا يا فتى، تستطيع أن تفعل أفضل من هذا!"
بدلاً من التراجع، انغمست في الهجمة وجهاً لوجه. تدفقت الأسترا في جسدها، تغذي كل حركاتها. تشوش شكلها، حركاتها حادة لكنها سلسة، تتخلل الهجمة برشاقة. لم تلمسها أي صاعقة.
خلفها، دفعت الغابة الثمن، إذ تفجرت الأشجار إلى شظايا بينما نحتها البرق، مقطعاً جذوعها بسهولة كالسكين في الزبدة.
طوت المرأة المسافة في لحظة، سيفها المنحني يشق الهواء نحو صدر ويليام في ضباب مميت. لكن ويليام لم يرغب في إضاعة الوقت في قتال مطول مع خصم واحد.
انثنى المكان بإرادته، وتلاشى شكله. لكنه لم يختفِ فقط، بل ترك خلفه كرة صغيرة من الضوء حيث كان جسده. اخترقها السيف المنحني بعد نبضة قلب، محدثاً انفجاراً مفاجئاً من وهج ذهبي مبهر.
انفجر التوهج من مسافة قريبة، محرقاً عينيها ومذهلاً إياها في مكانها.
تلك النافذة القصيرة من الارتباك كانت كل ما يحتاجه ويليام. بانفجار سرعة، عاد للظهور خلفها، وسيفه الطويل بالفعل في حركة. شفرته تخللت معصميها بدقة جراحية، باسطةً كلتا يديه وكأنها غير أكثر مقاومة من رق.
انفجر رذاذ من الدم القرمزي في الهواء، وتناثرت القطرات على اللحاء والأوراق. انبعث صرخة عارية مؤلمة من حلقها مع انفجار الألم في أعصابها، غامراً عقلها بموجة حارقة بيضاء.
لكن قبل أن يكتمل الصوت على شفتيها، اندفعت يد ويليام إلى الأمام، ممسكةً بفمها بإحكام، مخنقة الصرخة في مهدها. قيد قبضته الباردة صوتها، تاركاً فقط صدى ألمها المكتوم في هواء الغابة الساكن.
"سنمضي في شيء بسيط"، قطع صوت ويليام الصمت، بارداً لا رحمة فيه، أقسى من قسوة العصر الجليدي. "أجيبي، وسأمنحك موتاً سريعاً. قاومي... وسأجعلك تتألمين."
تملك الرعب المرأة. إيماءاتها المحمومة فضحت الخوف الذي يغرق عينيها.
لم يطل الأمر. في غضون لحظات، اقتلع ويليام منها المعرفة التي سعى إليها. دون تردد، اجتاح سيفه الطويل في قوس واحد سلس، فاصلاً رأسها عن جسدها. عادت الغابة صامتة مرة أخرى، والجثة الهامدة تنهار دون مراسم.
'من كان ليعتقد أن الشمس العاشر يمتلك قدرات كهذه...' تأمل ويليام بابتسامة خفيفة، دون أن يكلف جسده أكثر من نظرة عابرة.
كانت موهبة ويليام من ناحيتي التألق والخطر. إذ امتلك القدرة المدهشة على محاكاة قدرات الآخرين، لكن بشرط رئيسي واحد، لا بد أن يكون الهدف في نفس عمره.
كان إيثار، الذي يبلغ الثامنة عشر أيضاً مثل ويليام، هدفاً مثالياً.
وهكذا، فإن القدرات التي يمتلكها إيثار يمكن محاكاتها في جسد ويليام.
لكن هذه القدرة كانت مقيدة بحدود. كل قدرة مسروقة تدوم لأربع وعشرين ساعة فقط قبل أن تتلاشى إلى العدم، دون أن تترك أثراً. والأسوأ من ذلك، أنه لا يستطيع محاكاة نفس الشخص مرتين متتاليتين.
كما أن الإتقان كان منقوصاً. في أحسن الأحوال، لا يمتلك ويليام سوى نصف كفاءة صاحبها الأصلي، مجرد ظل من إمكاناتهم الحقيقية.
ومع ذلك، فإن التنوع لا يضاهى. فهو لا يحتاج إلى لمسة، ولا طقوس، ولا شرط متكلف. نظرة واحدة، ومضة إرادة، وقدرات الآخر تصبح تحت أمره.
والآن، وبينما تتدفق القوة في عروقه، شعر ويليام بتردد انتماءات إيثار تثور في عروقه: الضوء، البرق، الجاذبية، والمكان.
لكن انتماء واحد استعصى عليه. انتماء النجوم ظل بعيد المنال، رغم أن ويليام لم يدرك ذلك بعد.
[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]