الفصل 168: التوتر
حدقت داريسا في دهشة مطلقة وصدمة مشلولة، وهي تشاهد فتى لا يبدو أكبر منها سناً، يمحو العشرات من الإيموفيراي بهجوم مدمر واحد.
رأت نسيج المكان نفسه يلتوي بشكل غير طبيعي، والجاذبية تئن تحت وطأة سيطرته، قبل أن تنفجر رؤوس الإيموفيراي إلى الخارج في وابل بشع من القرمزي والظلال.
صرخ عقلها بأن ما شاهدته للتو لا يمكن أن يكون حقيقياً. شكت عينيها، شكت حواسها، شكت إدراكها للعالم بأسره. كل ما بداخلها ترنح وكأن الواقع نفسه اختار أن يخدعها.
ومع مرور الثواني، ظل نظرها المرتجف مثبتاً على المشهد أمامها، ساحة المعركة مكومة بجثث لا تعد من الإيموفيراي، لتذوب بعدها في غبار وتتلاشى في الفراغ، ممحاة وكأنها لم تكن موجودة من الأساس.
دق قلب داريسا في صدرها. لقد نُعتت بعبقرية قبل أن تستيقظ حتى، وأشيد بسرعتها في استيعاب نظريات الصوت المعقدة، وإتقان تطبيقاته، واستيعاب التقنيات المختلفة.
كانت فخر أبيها وأمله للمستقبل، ورغم تذكيراتها المستمرة التي أبقتها من التعالي كغيره من النبلاء الشباب، إلا أنها حملت نفسها بكرامة واعتزاز.
في الوقت الحاضر، وقفت في رتبة الحياة وهج نجم ساطع، على بعد رتبة فرعية واحدة من بلوغ قمة رتبة نجم ساطع. وهذا وحده كان قد ملأها بإحساس بالإنجاز والثقة. كانت فخورة بتقدمها، فخورة بقدرتها، فخورة بالتدريبات التي لا تعد والتي خاضتها.
تلك الرتبة مكنتها من مواجهة الإيموفيراي من الدرجة الثالثة واحداً تلو الآخر، وإسقاطهم باستمرار، وتحمل أعدادهم بعزيمة وموهبة مصقولة. قوتها حقيقية، وموهبتها لا يمكن إنكارها.
ومع ذلك، ورغم كل موهبتها وزراعتها، كان أبوها، داريان كامبر، يذكرها دائماً بالتواضع. لقد تأكد من أنها تدرك أنه مهما بلغت من علو، فإن الغرور يعميها، ويسحقها تحت ثقل الواقع.
لقد غرس فيها الفهم أنه مهما كانت إنجازاتهم، فهناك دائماً كائنات أعظم، وأكثر وحشية، وأكثر رعباً.
كثيراً ما حدثها داريان عن دمهم، فبالرغم من أن سلالتهم تمتلك إمكانات هائلة من الدمار، تضاهي دماء العائلات الدوقية، إلا أنهم لم يستطيعوا أبداً استخلاص الجلالة المدمرة الكاملة لتلك القوة. وحذرها من أولئك الذين يقفون فوقهم حتى.
خاصة عائلة وارغريف.
تحدث عنهم بخشوع وحذر معاً، أولئك الوحوش الذين وُلدوا بهبات طاغية: انتماء عنصري، سلاح مولود مع الروح، وحتى بنية تشكلها تراث دمهم الذي لا يمكن تخيله. كل وارغريف كان كارثة متجولة، تجسيداً للدمار، كائناً مقدراً له العظمة.
لكن حتى بين عائلة وارغريف، هناك حدود. فكل واحد منهم كان معروفاً بامتلاكه انتماءً عنصرياً واحداً فقط. أما الفتى الذي يقف أمامها، الذي ذبح جحافل الإيموفيراي وكأنهم حشرات، فقد كشف عن ليس واحداً بل ثلاثة انتماءات.
لقد رأتهم بعينيها: البرق، المكان، والضوء.
وفي أعماقها، همست غريزتها أنه ربما ما زال يخفي المزيد.
انفرجت شفتاها دون وعي، وارتعش قلبها بينما تسلق فكر في عقلها.
'لا بد أنه قد دخل بالفعل رتبة الحياة نجم متوهج.'
تكررت كلمات أبيها في رأسها بلا نهاية، متداخلة مع الحقيقة المطلقة أمامها. لم تستطع التوفيق بين الأمرين. الفتى أمامها كان واقفاً بهدوء وسط المذبحة، وكأن المعركة لم تكن أكثر من نسمة عابرة، بينما شعرت وكأن رؤيتها للعالم قد مزقت إسيداً.
'كيف يمكن أن يكون بهذه القوة؟' صرخ عقل داريسا وهي تكافح لاستيعاب الأمر. 'لقد استيقظ قبل عام فقط. سنة واحدة! كيف يمكن لأي أحد، أي أحد، أن يتقدم بهذا البعد، بهذه السرعة؟'
ثم، وكأنه سمع أفكارها، أدار الفتى رأسه ببطء في اتجاهها.
التقت عيناه البنفسجيتان بنظرتها الخضراء.
كان الكهف من حولهم مغطى بالظلام، لكن حواسهم المتطورة جعلته غير ذي معنى. كلاهما كان يرى الآخر بوضوح تام، وكأن ضوء النهار نفسه يضيء المسافة بينهما.
حالما التقت أعينهم، بدا أن الهواء تغير. تصاعد التوتر كتيار خفي، يملأ الكهف، ويخنق الصمت. للحظة، لم يتحركا. لم يتكلما. تحدقا فحسب.
وفي ذلك الصمت، انتقل بينهم تفاهم غير معلن.
قبل النزول إلى هذه الحفرة، لم يكن هناك أي اتفاق بينهم، لا لفظي ولا حتى ضمني. لم يعدوا بعضهم بهدنة أو تعاون. دخل كل منهم بهدف واحد: كسب النقاط قبل وصول الآخرين وسرقة الفرص منهم.
لكن الآن، مع إبادة كل إيموفيرا، لم يبق سواهما. ومع هذا الإدراك، تصاعد التوتر أكثر، واحتمال القتال يلوح فوق رؤوسهم بثقله.
عرفت داريسا ما يعنيه ذلك. إذا اختار أي منهما التحرك، فسيخرج أحدهما بنصف نقاط الآخر.
لكنها لم تكن واهمة.
لم تكن عمياء.
لم تكن حمقاء بما يكفي لتتخيل أنها تملك فرصة أمام الكائن الذي أمامها. من خلال مهارتها في تحديد المواقع بالصدى، تابعت كل تفاصيل مذبحة. وقف غير مجروح، غير مصاب، غير مهتز. ولا حتى أثر خافت من الإرهاق تعلق به. عيبه الوحيد كان الغبار الخفيف الذي علق بملابسه.
انكمش فخر داريسا أمام تلك الحقيقة. عرفت ذلك بيقين: ليس هناك حتى فرصة واحد بالمئة للنصر.
ربما اتهمها البعض بالتقليل من شأن نفسها، لكنها نشأت على إدراك الواقع، ومواجهة الحقيقة دون أوهام. والواقع هنا كان قاسياً، ولم يكن هناك أمل في الهروب أيضاً.
كيف يمكنها الفرار من شخص يمتلك ثلاثة انتماءات عنصرية، يمكن لكل منها تضخيم السرعة إلى مستويات لا يمكن تصورها؟
شدت يداها على مقبض سيفها. تصلبت عزيمتها. حتى لو لم يكن لديها أمل في النصر، فلن تسمح لنفسها بالسقوط دون مقاومة. ستضرب، ولو مرة واحدة. سترسل ضربة واحدة على الأقل. ستترك بصمتها.
بأنفاس حادة، تحركت. تعمق وقوفها، ونبضت عروق الأسترا فيها بوعد الإطلاق، ويبدو أن جسدها تحول. في تلك اللحظة، بدت كفالكيري، محاربة مستعدة للتصادم مع القدر نفسه.
لكن قبل أن تتحرك، انفجر ضحك فجأة، يتردد بشكل انفجاري داخل الكهف.
"هاهاهاهاهاهاهاها!"
كان الصوت طليقاً، مفاجئاً، شبه مبتهج تقريباً.
اتسعت عينا داريسا وهي تحدق به في حيرة. هذا... لم يكن ما توقعته. كانت عائلة وارغريف سيئة السمعة بوجوههم الصارمة الخالية من التعبير، وهدوئهم البارد. كانوا كائنات تحمل نفسها بلامبالاة صارمة.
لكن هنا وقف إيثار، جسده منحنٍ قليلاً وهو يمسك بطنه، ضحكه ينطلق بحرية، يتردد في الكهف.
ومع ذلك، لم تتراجع في وقوفها. أبقيت حذرها، وسيفها جاهز، وعيناها الخضراوان لا تفارقانه.
"سامحيني"، تكلم إيثار أخيراً، صوته يحمل مزيجاً غريباً من المرح والإخلاص وهو يمسح دمعة صغيرة تكونت في زاوية عينه من شدة الضحك. "أنت جادة للغاية يا داريسا. تبدين وكأنني على وشك التهامك حية أو شيء من هذا القبيل."
خفف حدة التوتر في الهواء، وإن لم يختفِ تماماً. أصبح الآن أخف، شبه مرح.
"لا تقلقي"، تابع إيثار، بنبرة أكثر عفوية، ووضعية مسترخية. "لن أهاجمك. حتى لو لم نتفق مسبقاً، فأنا لا أزال رجلاً نبيلاً." لوح بيده باستخفاف، وضمة خفيفة انزلقت من شفتيه.
رمشت داريسا، وتعمق تجهمها. ارتاحت حقاً، لكن مع ذلك جاءت لسعة غير متوقعة. شعرت بالأذى.
حد صوته، بارد وممزوج بخيبة أمل وهي تتحدث: "هل تحتقرني لأنني امرأة؟"
ضاقت عيناها الخضراوان، ونبرتها مثقلة بثقل كرامة مجروحة.
[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]