الفصل 174: متعة

مع تصادم كارثي، تصادم العظم واللحم مرة أخرى، والهواء نفسه يصرخ احتجاجاً على وطأة الاصطدام. تشققت الأرض تحتهما تحت وطأة صراعهما السخيف، لكن لم يتراجع أي منهما، ولم يسمح أي منهما للتردد بأن يلوث زخمهما.

اندفعا إلى الأمام، حركاتهما تمزق نسيج الواقع نفسه بينما ينطلقان عبر ساحة المعركة، كل اصطدام يتردد كالرعد في الغابة، رفضاً لا ينكسر للانحناء أمام تفوق الآخر.

تساقطت الضربات من كل اتجاه يمكن تخيله، فقط لتقابل بضربات مضادة بنفس الشراسة، كل ضربة تتردد كقرع الحرب، مرتدّة في الهواء بغضب وحش مطلق العنان.

كان إيقاعهما وحشياً لكنه دقيق بشكل مريب، أطراف تلمع بسرعة الأفاعي في الليل، كل ضربة تشحذ بالغريزة القاتلة للحيوانات المفترسة المصممة للصيد فقط.

تشوشت أشكالهم، حاكت أقواساً من قوة جامحة، كل حركة ترسم ساحة المعركة بفن المحاربين المشكلين في الفوضى والمعمدين بالدم.

لم يكونا يقاتلان فحسب؛ بل جسدا الدمار المتجسد، الخراب المعطى شكلاً. وكأن القيود التي كانت تكبلهما قد مزقت، مانحة إياهما الإذن الكامل لكشف أقوى ما لديهما.

وعندما فعلا، كان ذلك دون تردد، دون رحمة، ودون حدود.

بدوي مدو، انشقت حفرة بينما ارتطم كعب قدم بلا رحمة بأرض الغابة، قاذفاً بالتراب والصخور الحادة نحو السماء تحت وطأة الضربة الهائلة. انفجرت موجة صدمة عنيفة إلى الخارج، متفجرة على الأشجار البعيدة وممزقة الغابة في فوضى.

حيثما تحركت هذه الكائنات، تخلف الدمار في أعقابها. ارتجفت الأرض بهزات كزلازل خافتة، وتهاوت الأشجار وكأن منجل الطبيعة العظيم نفسه قد مر عبرها، لكن العملاقين لم يكرثا فكراً للدمار الذي أوقعاه.

تجاوزت سرعتهم الإدراك البشري، فلا عين ولا جهاز كان يأمل في تتبع حركتهم. تخلفت الريح خلفهما بيأس، ممزقة بسرعتهما، بينما تحطم الصوت نفسه تحت وطأة تصادمهما.

حتى الهواء بدا على وشك الاستسلام، يكافح لاحتواء العنف الذي يمزقه.

انفجرت البقايا إلى الوجود كأشباح متعاقبة، أطياف وامضة ولدت من سرعة أكبر مما يستطيع العالم احتماله. تصاعد إيقاع معركتهم باستمرار، كل نبضة قلب تتجاوز التي قبلها، حتى طغت شدة تبادلهم على ما كان موجوداً قبل لحظات فقط.

حطمت موجة صدمة مدوية الصمت بينما ظهر الشكلان على قمة الجبل، تصادمهما انفصل للحظة مذهولة. بدا الواقع نفسه يمسك بتلك الوقفة العابرة، مسجلاً وجودهم على عجل، وكأنه يكافح لمواكبة كائنات تتحرك خارج قبضته.

وقف أحدهما بطول ستة أقدام وست بوصات، رغم أنه لم يتجاوز الثامنة عشرة من العمر. شعره، تاج ملكي من البنفسجي العميق، كان يتدفق بنفس البريق الذي في عينيه البنفسجيتين.

كان إيثار وارغريف.

مقابله، عند ستة أقدام وبوصة واحدة، وقفت شخصية لا تقل إبهاراً. شعر أبيض يتدفق كشلال حريري على ظهرها، وعيناها السوداوان كالسبج تباين غامض، مؤرق وسلمي في عمقهما.

كانت راين سيلفرشيد.

رغم أنهما بالكاد بلغا الثامنة عشرة، كان كلاهما يعلو ليس في القامة فحسب، بل في الحضور، حاملين أنفسهما بثقل العمالقة المكسوين بهيئة بشرية.

امتد حولهما الخراب. ما كان يوماً ملاذاً أخضر للحياة والانسجام الهادئ، أصبح الآن مشوهاً، أرضاً مجروحة من تسيدة ممزقة، وحجارة محطمة، وأشجار مقتلعة. لكن وسط هذه المذبحة، لم تصب أي ضربة هدفها.

لم يتراجع أي منهما، لم ينحني أي منهما. ارتفعت صدورهما دون إجهاد، ولا نفس ضائع، ولا أثر للتعب خانهم، وكأن القدرة على التحمل كانت مفهوماً غريباً لا يستحق اعترافهم. وقفا منيعين لا يتزعزعان كالجبل تحت أقدامهما.

تالت أعينهم مرة أخرى، الصمت يتحدث بصوت أعلى من أي كلمات. لم تكن هناك حاجة لإشارة أو أمر. كلاهما عرف.

حان وقت التحرك مجدداً.

في لحظة، تصادما في قلب الجبل، الاصطدام ينفجر في انفجار مدو يتردد عبر القمم. حيث كانا يقفان، تلاشت الصور المتعاقبة وذابت، أشباح باهتة خلفتها حركات سريعة لدرجة أنها بدت تسخر من الواقع نفسه.

اندفعت الهجمات إلى الوجود دون قيد.

ضربت راين دون تردد، دون رحمة. ورغم أن نيتها لم تكن القتل بل الشلل والتفكيك، إلا أن ضرباتها حملت فتكاً على حدود الجنون. كل ضربة كانت نصل دقة، وكل حركة تنفيذ هدف لا ينقطع.

يسار. يمين. فوق. خلف. تحت. أمام.

انسياب جسدها في موجات سلسة، كل حركة فعالة فوق المنطق، كل ضربة مسلمة بدقة آلية. كلما انفتحت فجوة، انزلقت هجماتها فيها دون تأخير، إيقاعها لم ينكسر، وزخمها لم يهتز.

تحركت بحتمية الفجر الممتزج بالضوء، رقصة من الحتمية والدقة. مشاهدتها كانت تفهماً أنها وُلدت للقتال. امرأة شكلها الانضباط القتالي، مقدر لها الوقوف على قمة القتال اليدوي.

تتالت ضرباتها كالماء المتدفق، تنتقل من واحدة إلى التالية برشاقة لا رحمة فيها وجمال، كل حركة متصلة، وكل حركة تنزلق إلى الأخرى بسهولة كالحرير بين الأصابع.

لكن لكل موهبتها، وتدريبها اللامتناهي، وكفاءتها الخالية من العيوب وسهولتها المميتة، وجدت راين لها نداً. كل ضربة، وكل حركة محسوبة، كانت تُعكس أمام عينيها، ليس بإجهاد أو يأس، بل بسيداطة جأش هادئة وابتسامة خفيفة لا تتزعزع.

تحرك إيثار برشاقة بدت شبه مجهودة، قدماه تنزلقان على حجر الجبل وكأن الفكر نفسه أصبح فعلاً.

كل هجوم من راين كان يُصد بسهولة مذهلة، توقيته خالٍ من العيوب، ودقته مدهشة. لم يكن صراع البقاء، بل فن الإتقان يتكشف في أنقى صوره.

ابتسامة هادئة ترسخت على شفتيه وهو يتدفق ضد مد هجومها. هذا ما كان يبحث عنه منذ بدء الامتحان، ليس النصر، ولا البقاء، بل تحدٍ. شيء يشعل روحه، يجعل قلبه يخفق بإيقاع المعركة المألوف.

وكانت راين قد أوفت. أمطرته بعاصفة ضرباتها دون توقف، لكن إيثار رحب بها جميعاً، مبتلعاً شراستها كرجل مخمور، سكران بنشوة القتال، جائعاً بشراهة للمزيد.

احترقت عيناه بالتركيز وهو يتحرك، قوة مقابل قوة، سرعة مقابل سرعة، كفاءة تقابلها كفاءة. وكأنه قد تخلى عن بشريته وتحول إلى شيء آخر تماماً، مرآة مثالية لخصمه. لم يعكس حركاتها فحسب، بل حضورها ذاته، وجوهرها، وإرادتها على الهيمنة.

تعمق انحناء ابتسامته، مهدداً بالتحول إلى ابتسامة عريضة جامحة، بينما دوى قلبه بنشوة مطلقة.

بالنسبة لإيثار وارغريف، لم يكن هذا مجرد صراع.

كان هذا... متعة.

2026/08/09 · 0 مشاهدة · 875 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026