الفصل 175: ماء
تألقت عينا إيثار ببريق حاد وهو يتحرك. ورغم أنه خضع لتدريب في القتال اليدوي، إلا أنه لم يكن محور تركيزه الحقيقي؛ بل كان إتقانه مع فيرلاس، سيفه المبارز.
كان تغيير أسلوبه بالكامل في منتصف التدريب مستحيلاً. لكن، حتى مع الوقت المحدود الذي كرسه للقتال اليدوي، أصبح قوة هائلة تستحق التقدير.
ومع ذلك، في عالم التقنية الخالصة، لم يستطع مجاراة راين. لقد كانت تصقل حرفتها منذ سن الخامسة، والآن، في الثامنة عشرة، حملت أكثر من عقد من التنقيح اللامتناهي في كل ضربة.
ورغم ذلك، ورغم أن إيثار لم يستطع معادلتها في المهارة المصقولة، إلا أنه صمد بقوته وسرعته المجردتين.
بل أكثر من ذلك، كان يتعلم.
بدا عقله الاستثنائي وبنيتّه المطلقة يندمجان بسلاسة في حمى المعركة. تابعت عيناه كل دقيقة من حركات راين، ملتقطاً كل شكل، وكل حركة، وعاكساً إياها في الوقت الفعلي وكأن الغريزة نفسها تحولت إلى إتقان.
كلما اكتشفت راين خللاً في هجوم إيثار وتحركت لاستغلاله، كان يصد أو يتهرب بتكيفه الغريزي.
وفي كل مرة تنكشف مثل هذه الثغرة، كانت ذاكرته العضلية المثالية وكفاءة حركته المثلى تنسجان معاً بسلاسة، ممحيتين الضعف تماماً، وكأنه لم يكن موجوداً، ولا حتى في أعماق لاواعيه.
درسها بعناية في الوقت الفعلي: ضرباتها، حركاتها، إيقاع خطواتها، تدفق تصدياتها. بالنسبة له، كان وجود راين بأكمله يتكشف ككتاب مفتوح، كل فعل مكشوف لنظره الثاقب.
في تلك اللحظات، بدا إيثار كطالب وكفريسة في آن واحد، يتعلم من إتقانها بينما يتتبع كل حركاتها في الوقت نفسه.
لم يستدع إدراكه الشامل. لا، هذه المرة، أراد لموهبته الخام أن تتوهج وحدها، وقد فعلت.
في كل مرة كانت راين تعيد ضبط هجماتها، أو تغير أنماط هجومها أو تعيد تشكيل أسلوبها، كان إيثار يتردد للحظات فقط. ثم، بسرعة وقوة مطلقتين، كان يلحق بها، حتى يشتعل حدسه القتالي، مما يسمح له ليس فقط بمجاراة قوتها، بل بعكس مهارتها في الوقت الفعلي.
في تلك اللحظة، لأي ناظر، لبدا الأمر وكأن إيثار هو توأم راين وليس شقيقها ريان. كل ما كان ينقصه هو شلال الشعر الأبيض الطويل المنسدل على ظهره والعينان السوداوان كالسبج اللتان تميزانها.
مع هذين، لكان الصورة ذاتها لها، ذكراً ومنعكساً. هذه كانت سخافة قدرته على التعلم في الوقت الفعلي.
حدسه القتالي جعله إسفنجة، بينما أصبحت راين الدلو الفائض من الماء، وكان إيثار مصمماً على امتصاص كل قطرة يمكنها أن تقدمها.
ذلك الحدس القتالي تشابك بسلاسة مع الذاكرة العضلية المثالية وكفاءة الحركة المثلى: الأول يشريح ويستوعب أسلوب راين بدرجة لا يمكن فهمها، والثاني يجسده فوراً في شكل لا تشوبه شائبة، والثالث يجرد كل عيب، كل خطأ، كل نقص.
معاً، حولوا إيثار إلى شيء وحشي، قوة متطورة تولد من جديد مع كل ثانية من القتال.
تصادمت قبضاتهما مرة أخرى، كشهبين يتصادمان، ومزقت موجة الصدمة ساحة المعركة وكأن الأرض نفسها ارتدت رعباً من غضبهما.
أصبح كل تبادل أكثر وحشية، أكثر إلحاحاً، مع تصاعد الزخم بينهما، متراكماً مع كل ثانية حتى بدا الأمر أقل كقتال وأكثر كعاصفة تمزق الواقع.
انتشرت شقوق متعرجة على سطح الجبل، متسابقة إلى الخارج بسرعة مرعبة قبل أن ينهار الكتلة بأكملها تحت أقدامهما.
انهارت القمة التي كانت شامخة في لحظة، تحولت إلى ركام وصخور وشظايا حجرية سقطت كالمطر من السماء بينما كانت الجاذبية تجر كل شيء بعنف نحو أرضية الغابة أدناه.
ومع ذلك، لم يرتعش إيثار ولا راين ولم يتراجعا. لم يرمشا، ولم يذعروا.
معلقين في منتصف الهواء، واصلا تبادلهما الوحشي، ضاسيدين بسرعة وكفاءة سخيفة، وغياب الأرض الصلبة لم يقلل من فعالية أو فتك ضرباتهما.
ثم، مع اصطدام مدوي، ارتطم كلاهما بالأرض. زأرت الأرض احتجاجاً بينما صعدت القوة عبر أرجلهما وأجسادهما.
لكنهما تجاهلاها ببساطة، عيونهما متشابكة، وبدون تردد انطلقا مرة أخرى في ضباب من الصور المتعاقبة، أشباح سرعة خالصة تتضاسيد متحدية الحدود البشرية.
مع اصطدام مدوي، انفجر جدار من الماء إلى السماء بينما ارتطم إيثار وراين بسطح بحيرة شاسعة.
للمرة الأولى منذ بدء تبادلهما، تدفقت الأسترا إلى الوجود عند باطن أقدامهما، متدفقة من عروق الأسترا بسلاسة. لكنها لم تستخدم لتضخيم القوة أو السرعة.
لا، غرضها الوحيد كان التوازن، مانحة إياهما موطئ قدم على سطح البحيرة المرتجفة بينما كانت أشكالهما تشق عبرها في ضباب أعمى من الحركة.
تبع ذلك تصادم آخر مزعج للعظام بينما التقت كاحلهما في الهواء. حطمت القوة الماء تحتهما وكأنه زجاج هش، البحيرة تتشقق إلى الخارج تحت غضبهما.
من الأسفل، ارتفعت أسماك هامدة إلى الأعلى، قتلت في لحظة قبل أن تغلق أعينها حتى، ودمها يرتفع في خطوط داكنة لتلطخ المياه التي كانت نقية. البحيرة، التي كانت صافية هادئة، أصبحت لوحة من الأحمر والأخضر والألوان العكرة مع موت الحياة في أعقابهما.
لكن إيثار وراين لم يكرثا فكراً لمثل هذه المخلوقات الهشة. كانت أعينهما مثبتة فقط على بعضهما البعض، صراعهما أقل شبهاً بمبارزة وأكثر برابط سام، قوتان مدمرتان للغاية بحيث لا يمكنهما التعايش، لكنهما متشابكتان للغاية بحيث لا يمكن فصلهما.
وهكذا، تحول دمارهما من أراضٍ غابية إلى مياه غابية، وأصبحت البحيرة نفسها ساحة معركتهما، كل تصادم يطلق انفجاراً آخر من فتك لا ينتهي.
زأرت البحيرة تحت غضبهما المجنون، موجات حلزونية إلى الخارج مع كل تصادم، محطمة الأشجار على الشاطئ البعيد. لم يستسلم أي منهما، ولم يبطئ أي منهما؛ تشوشت ضرباتهما في أصداء الفوضى، كل تبادل يولد موجات صدمة تشق الماء والسماء على حد سواء.
محصورين في قتال لا ينتهي، أصبح إيثار وراين أقل شبهاً بالمقاتلين وأكثر كقوى من الطبيعة، عاصفتان متشابكتان، مقدر لهما الهيجان بلا نهاية، لا يجدان نصراً ولا استسلاماً.
[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]