الفصل 180: رقصة العمود الفقري
تجدد النخاع
وبينما انزلقت الكلمة من لسان راين، بدأ تحول. نبضت الأسترا من عروقها بإيقاع صغير ولطيف، سلس، مهدئ، محتضن، كإيقاع ناعم لدقات قلب تتناغم مع روحها ذاتها.
ثم تحرك تغير من أعماق جسد راين، وتحديداً، من محراب النخاع الخفي بداخلها.
داخل النخاع، تسللت الأسترا بقوة خفية لكن لا تقاوم، مشعلة عملية فريدة. بدأت خلايا الدم الحمراء وخلايا الدم البيضاء تتضاعف بسرعة لا يمكن تصورها، متوسعة وراء الحدود الطبيعية. في لحظة، اندفعت هذه الموجة المدية من الحياة إلى الخارج، نابضة خارج نخاعها ومتدفقة بقوة عبر كل وريد ووعاء في جسدها.
تحركت كجيش من الضوء، ملتصقة بكل إصابة بكفاءة ودقة على حدود الإلهي. التئمت الجروح في لحظات، ليس بعلاج مجرد، بل وكأن الزمن نفسه كان يُعاد إلى الوراء أمام عيون تراقب.
تطابق اللحم بسلاسة. تم استعادة الأسيدطة الممزقة. أعيد اتصال العضلات الممزقة. التئمت الأوعية الدموية المقطوعة وكأنها بيد خفية من الخلق.
وفي غضون ثوان، شفي جسد راين سيلفرشيد تماماً. أصبحت الآن تفيض بالقوة، والقدرة على التحمل، وعزيمة صلبة تتدفق من كيانها ذاته.
كان تجدد النخاع من أشد المهارات رعباً التي تتناقلها عائلة سيلفرشيد عبر دمائها، وُلدت من قدرتها الأسطورية على التلاعب بالعظام. مكنت مستخدمها من مداواة كل إصابة، مهما كانت شديدة، واستعادة جسدهم إلى حالة الذروة.
تجددت القدرة على التحمل. امتلأت الأسترا مجدداً. عادت القوة، وكأن النضوب لم يكن موجوداً من الأساس.
لكنها لم تكن مهارة يمكنهم استخدامها بتهور.
كانت هذه المهارة مرتبطة بعمق بنخاع عظامهم، الفرن المقدس للحياة ذاتها. بدون هذا الجوهر، كان تجدد النخاع مجرد اسم أجوف.
في رتبة حياتها الحالية، رتبة الحياة نجم متوهج، كانت تستطيع استخدام هذه القدرة مرة واحدة فقط. استخدام واحد، لا أكثر، لشهر كامل.
ولهذا السبب، حتى لو خسرت أمام إيثار سابقاً، كانت واثقة من أنها تستطيع شق طريقها للعودة إلى المراكز العشرة الأولى لاحقاً.
مع هذه المهارة في يدها، كانت تستطيع دائماً النهوض مجدداً. لكن بعد استخدامها الآن، لو أصيبت مرة أخرى، لانتهى أمرها. المرة القادمة التي تستطيع فيها استخدام تجدد النخاع ستكون بعد شهر كامل من اليوم.
لم ترفع عيناها السوداوان كالسبج عن إيثار، الذي كان واقفاً بهدوء أمامها. في أعماقها احترق ليس اليأس، بل يقين متوهج، نظرة من هو مستعد لتجاوز كل الصعاب.
أما إيثار، فاكتفى بالمراقبة بهواء هادئ. لكن تحت سيداطة جأشه كان هناك أضعف وميض من الدهشة. أن راين تستطيع التعافي من جروح فادحة كهذه، وبهذه السرعة المرعبة، فاجأته للحظة قصيرة.
كان قد افترض أن دمها يمنحها هبة شفاء سلبية، ربما فقط للإصابات الهيكلية. كان يعتقد أن جسدها يستطيع ترميم العظام المكسورة دون جهد، دون تكلفة، ودون استنزاف حتى ذرة من الأسترا.
لكنه أخطأ في التخمين.
حقيقة أنها تستطيع الوقوف مجدداً بعد الإصابة التي أوقعها، إصابة كان متأكداً من أنها ستبقيها أرضاً، قالت الكثير. لقد تحفظ، نعم، لأن الامتحان يمنع القتل، لكنه لا يزال ضرب بقوة كافية لإعاقتها.
لكن ها هي ذي، تنهض غير مكسورة.
الإجابات التي سعى إليها إيثار لم تكن بحاجة إلى كلمات. كانت تتوهج من داخل عيني راين، مشرقة لا تنحني كشمس الصباح.
'يبدو أن بعض النبلاء ليسوا مجرد كلام'، تأمل إيثار في صمت.
لقد قرأ عن الكثيرين من نوعها، نبلاء مدللون كانوا سيغمى عليهم، أو يصرخون، أو يلعنون بسخط على مثل هذه الإصابات. كانوا ليحملوا اسم عائلتهم كدرع، ويهددون بغطرسة، ويغرقون في العار.
لكن راين سيلفرشيد كانت مختلفة.
نهضت ليس بالاستحقاق، بل بيديها، بإرادتها، بقوتها. وأولئك، كانوا الأشخاص الجديرين بالاحترام، أولئك القادرين على الصمود أمام أي شيء، حتى عندما يواجهون احتمالات مستحيلة.
لكن للأسف، كانت شفقة قاسية. لأن احتمالات راين كانت الآن تقف ضد وحش، إيثار وارغريف، الشمس العاشر لعائلة وارغريف الدوقية.
بعزيمة باردة قادرة على تجميد النار، انفرجت شفتا راين، وانزلقت كلماتها التالية إلى العالم.
رقصة العمود الفقري
نبضت احتياطيات الأسترا المستعادة حديثاً، متدفقة من عروق الأسترا في موجات مدوية تدفقت في الهواء نفسه. ارتجف الجو، وبدأت العظام في الظهور. انفجرت إلى الوجود ليس كشظايا خشنة، بل كامتدادات حية لإرادتها.
لم تكن هذه عظاماً عادية. تمددت، ممتدة أمتاراً مع كل نبضة قلب. تلوّت، تنثني وتلتوي حتى اتخذت شكل السياط. لكنها لم تكن قد انتهت بعد.
صار سوط واحد اثنين. واثنان أربعة. وأربعة مئة. توقف نموها فقط عندما امتلأ المكان بها، ومن كل سطح ممدد، نبتت نتوءات خشنة، أشواك من العظم كأسنان حيوان مفترس هائل.
بحركة من معصم راين، بدأت المذبحة.
اندفعت مئات السياط العظمية الخشنة، تصرخ وهي تمزق الهواء، كل منها كوحش جائع يغرس أنيابه في فريسته. ضربت بسرعة البرق، ودقة الأفاعي التي لا ترحم، وجوع الحيوانات المفترسة التي لا تعرف قيداً.
رأى إيثار ذلك، ولم يتردد. نبضت الأسترا عبر عروقه، متدفقة إلى فيرلاس، سيفه المبارز، محاطة إياه ببريق ذهبي مشع.
تشققت الأرض تحت قدميه وتصدعت، شقوق عنكبوتية تتسابق عبر الأرض بينما ثنى ركبتيه قليلاً جداً. استعد للتحرك، والهواء يرتجف بثقل ما هو آت.
في اللحظة التي وصلت إليه السياط العظمية، تحول إيثار. أصبح شبح النصل، شبحاً قاتلاً ينسج عبر رقصة الدمار العنيفة. انغمس في الفوضى وكأنه لا يُلمس، حضوره مراوغ ومرعب.
تألق فيرلاس بأناقة مميتة. كل تأرجح، وكل طعنة كانت تُسلم بدقة لدرجة أن عشرات السياط تحطمت إلى شظايا مع كل حركة. لم يتباطأ زخمه أبداً؛ تشوشت يداه، طرف المبارز ينفجر عبر عاصفة المذبحة كإبرة عبر الحرير.
مزقت السياط العظمية الغابة كجيش من الوحوش المفترسة. تشظت الأشجار وكأنها ورق أمام هجوم وحيد القرن. انهارت جذوع هائلة، لحاؤها ممزق إلى شظايا، وأجسادها مختزلة إلى قشور مكسورة. تشوهت أرضية الغابة نفسها، محفورة وممزقة وكأن السماء فوقها حملت كرهاً للأرض تحتها.
لكن لكل قوتها الوحشية، لم يلمس سوط واحد إيثار ولو بخدش. رقص سيفه المبارز في عاصفة لا تنتهي، جسده يتحرك برشاقة وحتمية إله سيف مُنح جسداً.
وببهجة شبه جنونية، تألقت عيناه وهو يمزق الهيجان، كل ضربة مدفوعة بمرح طاغٍ، عاصفة من التركيز والنشوة، كرجل وجد الغرض والسلام في فوضى النصل.
[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]