الفصل 183: راين سيلفرشيد

كانت الشمس معلقة عالياً، وأشعتها المشرقة تنهمر بلا هوادة على العالم المجروح تحتها. في قلب غابة كانت نابضة بالحياة، تسللت تلك الأشعة عبر الدخان والرماد، مضيئة مشهداً من الدمار الكامل. الغابة، التي كانت يوماً تزخر بخضرة هادئة، أصبحت الآن مرسومة بالخراب والدمار.

تصاعدت أبخرة خانقة وخانقة في الهواء، متلاطمة كأرواح مضطسيدة غير راغبة في مغادرة ساحة المعركة. ضباب الغبار طاف في الفضاء، كثيفاً وخانقاً، محولاً الرؤية إلى ضباب من الظلال المتغيرة.

دُمرت الأشجار؛ بعضها اقتلع من جذوره نظيفاً، وآخر انكسر بعنف إلى نصفين، بينما تحطم عدد لا يحصى إلى شظايا واشتعلت فيه النيران، بقاياها المتفحمة ما زالت تتطاير باللهب.

الأرض نفسها لم تسلم من الدمار. أخاديد وحفر مزقت الأرض، منتشرة عبر المشهد وكأن إلهاً متهوراً أخذ فرشاة إلى لوحة، كل ضربة تاركة ندبة من الفوضى على التضاريس.

الفنانون المسؤولون عن هذه الكارثة لم يكونوا محاربين متمرسين ولا كوارث قديمة، بل كائنين صغيرين، قوتهم هائلة بما يكفي لتحويل الطبيعة إلى خراب.

نحتت علامات السيوف أخاديد عميقة في الأرض، دليل على قوى عنيفة لدرجة أنها قد تُخطئ لكوارث طبيعية. زلازل ذات نسب غير طبيعية أعادت تشكيل التضاريس، تاركة خنادق تمتد عبر ما كان يوماً غابة هادئة.

حجارة الأرض نفسها حملت حروقاً مسودة، وكأن قوة ذات حرارة لا يمكن تخيلها قد التهمتها وابتلعتها بالكامل. وقفت التلال متصدعة، أشكالها محطمة إلى أنصاف خشنة، حاملة شهادة صامتة على الغضب الذي أطلق.

حملت الريح معها صمتاً مخيفاً لدرجة أنه بدا وكأنه رثاء. همست، ناعمة وحزينة، وكأن الغابة نفسها تبكي حزناً على جمالها المسلوب. اختزلت الخضرة الهادئة للحياة إلى رماد، داستها تحت أقدام عملاقين صغيرين.

لا يمكن لأي شخص عادي أن يصدق أن أطفالاً، مجرد أطفال، قد تسببوا في مثل هذا الدمار. لأي مراقب عاقل، كان من الممكن تصنيف التضاريس فقط كمنطقة كارثة، أعقاب قوى كارثية.

لكن، في مركز هذه الأرض المحطمة، كان الجانيان موجودين بهداوة مدهشة، حضورهما شبه عابر وسط الفوضى.

أحدهما رجل، والآخر امرأة.

داخل حفرة كبيرة، كانت راين سيلفرشيد ممددة على ظهرها. كان الدم يتدفق باستمرار من الجذوع حيث كانت يداها ذات يوم، أنهار قرمزية تنقع في الأرض المدمرة. الكائن الذي وقف أمامها قد قطعهما دون تردد.

في هذه اللحظة، انجرف بصرها الأسود نحو السماء. لم تنظر إلى خصمها، ولا إلى ساحة المعركة، بل إلى الشمس، إلى اتساع الأزرق، والغيوم البيضاء المنجرفة، غيوم عكست خصلات شعرها الشاحبة.

أعجبت بها وكأنها تراها لأول مرة، وكأنها في لحظة الهزيمة هذه اكتسبت وضوحاً لم تعرفه من قبل.

رغم أن جسدها كان يصرخ بألم، إلا أنها بشكل متناقض، لم تشعر بأي شيء. بدلاً من ذلك، اغتسل عقلها بالسكون، وضوح غريب وعميق. وكأن ضباباً، كان يغيم أفكارها لفترة طويلة، قد رفع فجأة. شعرت بالهدوء. شعرت بالسلام.

شعرت... بالتنوير.

أصبح جلدها شاحباً أكثر مع كل ثانية، منهوك الدم، لكنها لم تتحرك. بقيت ممددة بلا حراك، فقط عيناها الرمشتان كانتا تخونان الحياة، وكأن المعركة الوحشية، حيث أعطت كل ما لديها وما زالت تقصر، لم تعد تحمل معنى.

تساقطت أفكارها إلى الوراء، دون إذن، إلى سنوات طفولتها.

تذكرت بوضوح المديح الذي أمطرت به منذ سن مبكرة. حتى وهي طفلة، كانت استثنائية، تستوعب المفاهيم والتقنيات بسهولة تركت الآخرين في ذهول.

نما جسدها أقوى وأسرع مع نضوجها لتصبح امرأة شابة جميلة، تقدمها لا يمكن إنكاره. ثم جاءت صحوتها، ومن هناك تصاعد كل شيء. اشتدت حواسها، وتوسع عقلها، وانفجرت موهبتها إلى ما لا يقاس.

تضاعف المديح، ومعه تضاعف ثقل التوقعات.

تدربت بلا كلل. يوماً بعد يوم. لم تفوت جلسة تدريب واحدة قط. أصبحت كل لحظة يقظة خطوة نحو المستوى المطلوب منها.

لم يكن هناك مجال للمرح، أو للتسلية، أو لمتع الراحة البسيطة. إذا لم تكن تتدسيد على القتال اليدوي حتى الإرهاق، كانت تصقل عروق الأسترا، ساعية لرفع رتبة حياتها. إذا لم تكن تفعل ذلك، كانت تدسيد دمها.

منذ الطفولة، ضغط عليها جدولها كقفص حديدي.

كانت فترات راحتها الوحيدة هي الأكل والنوم والاستحمام.

الصداقة؟ كانت غريبة عنها. مقابلة الآخرين للثرثرة الفارغة أو الرفقة كانت رفاهية لم تتذوقها قط.

رغم أنها لم تكشف عنها أبداً، إلا أنها في أعماقها كانت تحمل حسداً خفياً لأخيها التوأم.

كان يعيش بحرية، غير مقيد بالأعباء. كان ينغمس في الملذات دون قيد، مضاجعاً النساء، وغارقاً في الخمر، مسافراً أينما ومتى شاء.

كان يستطيع تبديد أيامه بتهور، عالماً أن الآخرين سيأتون دائماً لإنقاذه.

كانت هناك لحظات شعرت فيها بالإغراء لفعل الشيء نفسه، للاستيلاء حتى على شريحة من تلك الحرية. لكن في كل مرة كانت تذكر نفسها أنها تضحية يجب أن تتحملها. للوصول إلى القمة، كان عليها التخلي عن ما احتضنه أخوها. لم تستطع تحمل تكاليف الوقوع في التبعية أو الضعف.

لهذا السبب لم تحضر الحفلة الملكية أبداً. بالنسبة لها، كانت بلا معنى، تجمع تافه يضيع وقتاً ثميناً كان يمكن أن يقضيه في التدريب. إلى جانب ذلك، كان أخوها التوأم، ريان، قد ذهب بشغف في مكانها، مفتوناً بحضور الأميرة الملكية.

ومع ذلك، خلال كل ذلك، لم تكن غير محبوبة. ظل عطف أبيها وأمها ثابتاً، مرساة لها ضد اليأس.

لكن على عكس إيثار، الذي خلق توازناً مثالياً بين التدريب والراحة، لم تعرف راين سيلفرشيد مثل هذا التوازن قط. بالنسبة لها، كانت الحياة إما صراع الكدح أو لحظة الراحة اللاواعية العابرة.

وبينما كانت أفكارها تتلاطم، انتقلت عيناها السوداوان من السماء إلى النظرة البنفسجية التي راقبتها بلامبالاة منفصلة. تالت أعينهم، كل منهما يحدق في الآخر وكأن عوالم تكشفت في عمق ذلك الصمت.

لا كلمات، ولا حركات، فقط اعتراف غير منطوق.

أخيراً، قطعت راين الاتصال البصري، وانتقل نظرها نحو لوحة النتائج العائمة عالياً فوق ساحة المعركة.

"لقد خسرت"، همست. صوتها كان ناعماً، غنياً، شبه حريري. حتى إصاباتها الجسيمة لم تستطع أن تقلل من السحر الطبيعي الذي نسج في نبرتها.

عند إعلانها، خفضت نقاطها إلى النصف فوراً. هوى اسمها من المراكز العشرة الأولى، منحدراً إلى مرتبة لم تكلف نفسها عناء النظر إليها.

ببطء، نهضت على قدميها. تهادى جسدها تحت الجهد، ورغم أن كلتا يديها قد ذهبتا، رفضت البقاء على الأرض كعانس عاجز تنتظر الإنقاذ.

عرفت قواعد الامتحان جيداً. إذا تدخل مدرب لإنقاذها الآن، فستواجه الاستبعاد وتفقد عشرين بالمئة أخرى من نقاطها، هذا بعد خسارتها خمسين بالفعل.

وقف إيثار في صمت، يراقب. رغم أن وجهه لم يخن أي أثر من المشاعر، إلا أنه كان مفتوناً. تساءل ما ستكون خطوتها التالية.

هل ستفعل مهارة تجدد النخاع مرة أخرى؟ لكن حقيقة أنها لم تفعل حتى الآن أخبرته بكل ما يحتاج إلى معرفته: لا تستطيع.

ومع ذلك، نهضت راين. بفكرة فقط، انفجرت العظام إلى الوجود. خيطت في جلدها، ناسجة نفسها لسد جروحها، ممسكة بلحمها الممزق في مكانه. من كتفيها، تشكلت عظام دائرية، تسد الجذوع النازفة وتوقف تدفق الدم تماماً.

بفكرة أخرى، فعّلت مهارة عملاقها العظمي.

عاد العملاق العظمي الهائل للظهور، شكله الشاهق يلقي بظله على ساحة المعركة المدمرة. جلست بهدوء على قمته، وانطلق البناء العظمي إلى الأمام، والأرض تهتز تحت خطواته المدوية.

لم يحتج إيثار إلى تفسير. فهم فوراً: رغم أن راين خسرت، لم تنغمس في الهزيمة. لم تشفق على نفسها، ولا غرقت في اليأس.

بدلاً من ذلك، صمدت. نهضت، وتكيفت، وبدأت فوراً في شق طريقها للعودة، مصممة على استعادة مكانها بين العشرة الأوائل.

لقد هزمها بسهولة، نعم، لكن ليس كل شخص آخر يستطيع ذلك.

لأول مرة، تحرك قناع إيثار الجامد. ارتسمت ابتسامة صغيرة صادقة على شفتيه. كان معجباً. معجباً حقاً بالمرأة التي تدعى راين سيلفرشيد.

[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]

2026/08/09 · 1 مشاهدة · 1142 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026