الفصل 239: الانحلال
---
في مكان آخر، كان يمكن رؤية فتى يمزق كل ما يجرؤ على الوقوف في طريقه. كانت عيناه باردة، حادة كالسيوف؛ ووجهه لا مبالي، وكأن روحه قد جُردت من الدفء. لم يحمل في نظره شيئاً، لا شفقة، لا تردد، فقط غرض لا يلين.
فكر، وشكله طمس حركة وهو يندفع كصاروخ: 'يجب أن أصل إلى أخي.' عوى الريح من حوله، وشعره يجلد التيار بعنف بينما كان شكله يندفع بسرعة مستحيلة. لم يتوقف، لم يتردد، ولم حتى يتنفس كما يتنفس المرء عادة. أينما مر، طارت الرؤوس في الهواء، والدماء تتساقط كشرائط قرمزية، والأجساد تسقط بلا حياة على الأرض وكأن العالم نفسه لا يستطيع إعاقة تقدمه.
كان هذا ثالريك وارغريف، الشمس التاسع.
فكر في صمت، وعزيمته تتصلب كحد سيفه الطويل: 'لقد تحققت أمنية أمي أخيراً... وارغريف ولد بمبارز كسلاحه. لا يمكنني السماح له بالموت وأنا لا زلت أتنفس.'
اشتد عزمه فقط مع بلوغ سرعته ذروتها. لقد عرف أن أخاه الأصغر، إيثان، يحمل شرارة، موهبة عميقة لدرجة أنه قيل إنه يجسد الحلم المفقود منذ زمن لأمهم الراحلة. حلم وارغريف يستعمل المبارز، ليس كأداة، بل كنصل حاكم، رمز للسيادة المطلقة. لن يسمح ثالريك أبداً بإطفاء حياة إيثان قبل أن يتشكل ذلك الحلم.
بالنسبة له، لم يكن مسموحاً لإيثان أن يموت هنا، في ساحة معركة مهجورة ضد أعداء مجهولين. كان مسموحاً له فقط بالموت، إن حدث، بعد أن يقف على قمة العالم، عندما تنحني كل الإمبراطوريات، وعندما تعترف كل العروش بمبارزه وتنحني أمامه.
بجانب ثالريك، كان شكل يضاهي سرعته العمياء برشاقة مطلقة. ستيفاني رافنكروفت. شعرها الطويل يرقص كحرير أسود في الهواء وهي تحافظ على وتيرتها، حضورها ثابت، وهالتها حادة.
سألت، وصوتها هادئ وواضح رغم الفوضى المنفجرة من حولهم: "ما الذي يحدث، ثالريك؟ لماذا تركض في هذا الاتجاه بهذه العجلة؟" اهتزت الأرض بدمار مستمر، وصرخت الوحوش، وتصادم الفولاذ، لكنها تحركت وكأنها لم تُمس، ونبرتها هادئة كالعادة.
لكن ثالريك لم يرد. كان عقله مستهلكاً، غارقاً في أفكار أخيه الأصغر، عن إيثان ملقى محطماً دامياً، عن أحلام أمه المتحولة إلى رماد. لم يكن يعرف بالضبط كم أصبح إيثان قوياً. صحيح أن إيثان احتل المرتبة الأولى بين طلاب السنة الأولى، لكن في عيني ثالريك، كان ذلك الإنجاز يعني القليل في هذه اللحظة. في ساحات قتال كهذه، يمكن لعدو كبير عشوائي أن يمحو مثل هذه الموهبة في نبضة قلب، ماحياً إياه بضربة واحدة.
رأت ستيفاني صمته، فلم تضغط أكثر. هزت رأسها بخفة، ثم ركزت انتباهها إلى الأمام، وعيناها تضيقان.
لم يأتِ التحذير من الكلمات، بل من صرير الفولاذ وهو يشق الهواء. اندفع سيف إلى الأمام، شاقاً الريح وهو يسعى لقطع ثالريك حيث يقف.
لكن ثالريك تفاعل فوراً. دون حتى أن يلقي نظرة على المهاجم، صرخ سيفه الطويل، والفولاذ يلمع ليلتقي بالفولاذ.
كان التصادم كارثياً.
تردد دوي مدو، موجات من القوة تموج للخارج مع تناثر الشرر بين نصالهم. تشققت الأرض تحت أقدامهم كزجاج هش، وأنماط خيوط العنكبوت تنتشر في كل اتجاه. قفز الغبار نحو السماء. ارتجفت الأرض ذاتها من الصدام.
بدأ المهاجم، وشفتاه تنحنيان في بداية مونولوج شرير، لكنه لم يحصل أبداً على فرصة لإكماله: "مفاجـ..."
لم يكن ثالريك مهتماً بالكلمات. صد السيف جانباً بكفاءة لا رحمة فيها، وخصره يلتوي، وجسده يتحرك كمفترس. اندفع سيفه الطويل في خط من الضوء الفضي، حدة هجومه كافية لشق الجبال.
لكن الشرير لم يكن مبتدئاً. بسهولة ساخرة، تفاعل، صد الضربة بدوره، ثم هاجم في حركة واحدة سلسة، وكأنه يتسابق مع مجرد طفل.
اندفع السيف نحو عنق ثالريك.
مع ذلك، بقيت عيناه باردة. تعبيره لم يتغير، وجهه لا مبالي. تحرك برشاقة منفصلة، متخطياً الضربة بسهولة راقص، جسده يتدفق حول النصل وكأنه لم يهدده قط.
كان سيفه الطويل يطن في يده، حياً برنين رنان. انطلقت قطعة قطرية من الأسفل، صاعدة بزخم قاتل، بهدف تمزيق كتف الشرير.
لم تقدم ستيفاني أي مساعدة. لم يكن لديها وقت. عدو آخر كان قد اشتبك معها، واستدعت فوراً كل وحوشها، الأسترا تنبض بينما تنفتح بوابات. ظهرت مخلوقات بكل حجم وشكل إلى جانبها، مخلصة لإرادتها. معاً، انطلقت نحو خصمها، وشراستهم المجمعة لم تترك لها سبباً لإلقاء نظرة حتى نحو ثالريك.
في هذه الأثناء، رأى الشرير الذي يواجه ثالريك الضربة القادمة. صرخت غرائزه بالخطر. عرف أنه لا يستطيع صدها في الوقت المناسب. في يأس، نبضت الأسترا بعنف، متدفقة عبر عروقه ومنفجرة للخارج. في لحظة، تشكلت البلورات، درع من أوجه لامعة صمم لاعتراض السيف الطويل القاتل.
كان التصادم كارثياً.
تحطم نصل ثالريك على الجدار البلوري، والشرر والشظايا تتناثر كنجوم في عاصفة. بانفجار يصم الآذان، صرخ الهواء نفسه وكأنه يتوسل الرحمة. انهارت الأرض تحتها، ووادٍ يتفتق، حواف خشنة تشق ساحة المعركة. انفجر الغبار والحجر المكسور للخارج، مالئين الهواء بضباب خانق.
فكر ثالريك ببرود: 'إنني أضيع الوقت.' في الحقيقة، لم تمر أكثر من ثانيتين منذ بدء القتال، لكن بالنسبة له، كل نبضة قلب بدت كأبد. في تلك اللحظات العابرة، كان إيثان قد يموت عشر مرات متتالية.
اشتعل العزم بداخله. انفجرت الأسترا من جسده في موجات من الطاقة المدمرة. شقت عيناه السوداوان عاصفة الغبار كخناجر، مثقبتين الحجاب الذي حجب ساحة المعركة.
ثم تغير الهواء.
تسربت منه طاقة رمادية، منتشرة كمد غير مرئي. ذبلت الحجارة والحصى والغبار وحتى بقايا الزجاج المحطم وتآكلت عندما لمستهم الطاقة، متفتتة إلى مسحوق. أصبح الجو خانقاً، خانقاً، وكأن العالم نفسه يتراجع من حضوره.
كان هذا الانتماء العنصري لثالريك؛ الانحلال.
شعرت به ستيفاني فوراً. توتر جسدها، وصرخت غرائزها، وأدارت رأسها نحوه، وصوتها حاد.
لعنت، ونبرتها حادة بالغضب بينما تراجعت هي ووحوشها فوراً، مختفية في المسافة: "كم مرة أخبرتك أن تشير لي، بشيء على الأقل، قبل تفعيل انتمائك؟ هل تريد قتلي؟ أو الأسوأ، قتل من استدعيتهم؟"
لم يقدم ثالريك أي رد. ارتفع سيفه الطويل، طاقة رمادية تتدفق بسلاسة على طول حده وكأنها كانت هناك دائماً، وكأن السلاح والانحلال واحد.
انحنى في وضعية ووضح سيفه الطويل في الأرض أدناه، وصوته البارد كسر الصمت أخيراً.
"حقل الغبار."
كانت الكلمات مرعبة، خالية من الدفء، حاملة معها ثقل الحتمية.
بأمره، انفجار عنيف من الطاقة الرمادية انفجر من جسده وسلاحه. امتد الحقل في كل اتجاه، عاصفة من الانحلال تغطي أكثر من مائة متر في لحظة.
كل ما لمسه بدأ يتعفن.
تفككت الأسلحة. تفتت الحجارة. صدأ الحديد إلى رقائق. ذبلت الملابس إلى خرق. تفكك اللحم والدم، متحولين إلى غبار في ثوان. مع كل نبضة قلب، زادت سرعة التحلل، حتى توقف كل شيء وكل من وقعوا داخل الحقل عن الوجود ببساطة.
الشرير، في يأس، حاول صد فيضان الدمار. تألقت بلوراته ببراعة، مشكلة جداراً تلو جدار أمامه. لكنها تلاشت في اللحظة التي وُلِدت فيها، متحللة أسرع من الفكر.
ثم تبعتها يداه. انهار جسده، تفككت خلاياه، انهار الجلد والعضلات إلى مسحوق.
قبل أن يستطيع حتى استيعاب مصيره، انتهى وجوده. لم يعد سوى غبار متناثر في الريح.
نهض ثالريك ببطء، سيفه الطويل يطن بخفة بينما كان حقل الغبار يتراجع إليه. تحولت عيناه الباردتان نحو ستيفاني، التي حامت في الهواء، أجنحتها مفرودة، تراقبه بحذر.
لم يكلفها أكثر من نظرة عابرة.
ثم، دون سابق إنذار، تدفقت الأسترا في باطن قدميه، وانمزج جسده. انفجرت الأرض تحته، منفجرة للأعلى من القوة الهائلة لسرعته. في اللحظة التالية، كان ثالريك وارغريف قد اختفى، تاركاً وراءه دماراً فقط.
[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]