الفصل 289: التراجع

وصل إيثار إلى مبنى سكنه، متحركاً برشاقة سنور رشيق، يقفز بسهولة ويهبط بهدوء على ممشى الطابق المصقول. لم يكن متجهاً إلى غرفته، بل كانت وجهته غرفة ويليام. التفت يميناً وسار في الممر حتى وقف أمام باب منقوش عليه الرقم "4"، وهو علامة تدل على رتبة ويليام الصفية.

طرق إيثار مرتين، ثم تراجع إلى الوراء، ويداه مشبوكتان خلف ظهره وهو ينتظر. مضت بضع ثوان قبل أن يفتح الباب، ليظهر فتى ممتلئ الوجه، سمين البنية، فينش، الذي جعله بدانه المعهود مميزاً لا يُخطئ.

قال فينش باحترام، وهو يحني رأسه في إيماءة مهذبة: "آه... مساء الخير يا شمس العاشر."

سأل إيثار، معترفاً بالتحية بإيماءة قصيرة من رأسه، ونبرته هادئة وحازمة كالعادة: "هل ويليام متواجد؟"

أجاب فينش بسرعة، مبتعداً جانباً ليفسح المجال لإيثار لدخول: "نعم يا شمس العاشر. إنه على الشرفة."

دخل إيثار دون تردد عبر المدخل، تجولت عيناه الثاقبتان في أرجاء الغرفة قبل أن يتجه مباشرة نحو الشرفة حيث أشار فينش إلى وجود ويليام.

عندما وطئت قدماه الشرفة المفتوحة، وقع نظره على ويليام، الذي كان جالساً مسترخياً وبيده كأس مملوء نصفه بعصير، بينما كانت إبريق يفيض بنفس السائل البرتقالي موضوع على الطاولة إلى جانبه. كان ضوء الظهيرة يتراقص على سطح الزجاج، معكساً على ملامح ويليام الهادئة.

سأل إيثار بنبرة تخالطها السخرية فور أن التقت عيناه بعيني ويليام: "أليس من المفترض أن تكون في التدريب أو شيء من هذا القبيل؟"

أدار ويليام رأسه قليلاً، وانتقل نظره الهادئ من السماء إلى إيثار الذي كان قد جلس مقابل له. ثم قال وهو يدير العصير بتكاسل: "ما الفائدة من التدريب، إن لم أستطع أن أمضي بعض الوقت للاستمتاع بالحياة بين الحين والآخر؟"

أجاب إيثار بضحكة خافتة: "كلام حكيم." إذ كان يعيش بفلسفة مماثلة، توازن بين العمل الجاد ولحظات السكون. ففي النهاية، الحفاظ على التوازن بين الانضباط والراحة هو فن حقيقي في الحياة.

بعد لحظات، انضم إليهم فينش، مسحباً كرسياً وجالساً وكأنه شاهد على ما سيُطرح من نقاش.

بدأ ويليام بنبرة فضولية غير مبالية: "إذاً، ما الذي أتى بك؟ لم تزرني قط لمجرد الزيارة. وأحياناً أتساءل إن كنا أصدقاء حقاً."

لم يرد إيثار على الملاحظة المازحة. وبدلاً من ذلك، مضى مباشرة إلى صلب الموضوع، متبعاً منهجه المباشر المعتاد. قال بتوزن: "ذهبت لأخذ مهمة، لكن حسب ما قال الميسّر، فإنها تتطلب فريقاً من ثلاثة، ومن ثم جاءت زيارتي." توقف للحظة ثم تابع شارحاً كل ما أخبره به ميسّر المهمات بشأن متطلبات الأكاديمية القائمة على الفرق وقواعد مهمات الأكاديمية.

سأل ويليام، مدركاً فوراً أن إيثار يحاول تجنيد من يثق بهم داخل أكاديمية النجم: "إذاً، تريدني أنا وفينش في الفريق؟"

لكن إيثار هز رأسه ببساطة، ونظره هادئ وثابت: "لا، أنا هنا لتجنيدك أنت فقط."

ابتسم فينش، الذي كان يراقب بهدوء، ولم يقل شيئاً.

ظلت نبرة إيثار متزنة كالعادة، إذ ألقى نظرة عابرة على فينش ثم عاد لينظر إلى ويليام: "ورغم أنني أعرف فينش من خلالك، وأعتبره زميلاً لأنكما قريبان، إلا أنني لا أستطيع أخذه في المهمة. إنه ليس قوياً بما يكفي. سنضطر للإبطاء من أجله ليلحق بنا، وهذا سيؤثر على الكفاءة. لن يكون الأمر مجدياً." قالها بصراحة، دون أي نية لتجميل كلماته.

اتجهت نظرة ويليام نحو فينش، ربما لقياس رد فعله. لكن تعابير فينش لم تتزعزع. ابتسم مرة أخرى، وهذه المرة ابتسامة خفيفة، وأومأ برأسه قليلاً، وكأنه يوافق بصمت على أن كلمات إيثار لم تكن إهانات بل حقيقة بسيطة.

فينش يعرف نفسه جيداً. كان مدركاً تماماً لحدوده والفارق الشاسع في القوة والموهبة بينه وبين العملاقين أمامه. مقارنة بهذين الجبارين، ويليام وإيثار، لم يكن سوى طالب عادي. وفي قلبه، كان يعتقد حتى أن تحالف ويليام مع شمس العاشر كان أنكى خطوة ممكنة.

سأل ويليام بنبرة هادئة لكن فضولية: "إذاً، من هو الشخص الثالث الذي تخطط لتجنيده؟"

أجاب إيثار: "أنوي التوجه إلى راين سيلفرشيد بعد ذلك. وكما تعلم، لقد قاتلتها أثناء امتحان القبول، لذا لدي معرفة مباشرة بقوتها. وأعتقد أيضاً أنها تحسنت بشكل ملحوظ خلال الشهر الماضي."

أومأ ويليام ببطء، متفاهماً مع منطق إيثار وعملية اختياره.

[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]

ثم بعد صمت قصير، استند ويليام إلى الخلف وقال شيئاً غير متوقع: "أنا آسف، لكن سأضطر للاعتذار." كانت نبرته لطيفة لكن حازمة، وارتفعت شفتاه بابتسامة معتذرة خفيفة.

تجعد حاجب إيثار قليلاً، إذ لم يتوقع ذلك الرد. سأل: "هل لديك فريق بالفعل؟ أنا متأكد تماماً أنك لم تذهب إلى قاعة العمليات اللوجستية والمهام بعد."

ضحك ويليام ضحكة خفيفة وهز رأسه: "ورغم أنني أقدر صداقتنا يا إيثار، إلا أنني لا أستطيع ببساطة التخلي عن فينش لأذهب في مهمة معك. فينش صديقي منذ سنوات، قبل الأكاديمية بوقت طويل. لن يكون ذلك صحيحاً." اشتدت نبرته، وأصبحت أكثر جدية: "علاوة على ذلك، مما نعرفه عن نظام المهمات في الأكاديمية، قد يحاول بعض الطلاب استغلال الضعفاء أو حتى تعريضهم للخطر من أجل مكاسب شخصية. نعم، فينش أضعف، هذا صحيح، لكنني لست ذلك النوع من النبلاء أو الأشخاص الذين يبنون تحالفات مؤقتة فقط من أجل المنفعة."

سكت كل من إيثار وفينش عند كلماته، إذ لم يتوقعا مثل هذا الصدق من ويليام. لم تكن نبرته مغرورة ولا متفاخرة، بل كانت مجرد صدق.

ثم في نفس اللحظة تقريباً، ابتسم كل من إيثار وفينش.

ابتسم فينش لأنه تأثر حقاً. فبالرغم من الفارق الصارخ في القوة ووجود شمس العاشر المرموق أمامهما، اختار ويليام الوفاء على الطموح. في عالم تحكمه القوة، حيث الصداقة غالباً ما تكون مجرد ترتيب مصلحي، كان مثل هذا الاختيار نادراً، بل شبه مستحيل.

وابتسم إيثار لسبب مختلف. فهو أيضاً يقدّر الصداقة بعمق. صحيح أنه يعلم أنه يوماً ما، مع صعوده في الرتب والقوة، سيشكل تحالفات مؤقتة لأسباب استراتيجية بحتة. لكن مع ويليام وفينش، كان الأمر مختلفاً. لم تكن علاقتهم مبنية على المكسب، بل كانت حقيقية.

لم يكن حتى قد فكر في احتمال أن يرفض ويليام دعوته من أجل فينش. وهذا الإدراك جعله يتواضع.

فكر في نفسه وهو يزفر بهدوء: 'يبدو أنني أصبحت متغطرساً دون أن أشعر.'

قال أخيراً، ونبرته أكثر ليونة من قبل: "أنا أفهم، وأحترم قرارك يا ويليام."

لحظة وجيزة، عبر وجه إيثار تعبير نادر، وميض من الاحترام تلاشى بالسرعة التي ظهر بها.

2026/08/09 · 0 مشاهدة · 947 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026