الفصل 317: تنافس القوة الغاشمة [فصل إضافي]
وبينما كان البارون ريفيل وقائد الفرسان يغلقان المسافة بينهما وبين خصميهما، انطلق القوبلين والمينوتور فوراً إلى الحركة. واندفع المينوتور نحو اليمين، بينما انطلق القوبلين يساراً، مانحين كل منهما مساحة كافية للمعركة التي كانت على وشك الاشتعال.
لم يتكلم البارون ريفيل ولا قائد الفرسان، ولم يتبادلا النظرات. لم تكن هناك حاجة لكلمات، ولا إيماءة، ولا إشارة، ولا حتى همس. لقد فهم كل منهما الآخر تماماً، بسيداط عقود من الأخوة ومعارك لا تعد ولا تحصى واحترام متبادل صُقل في ساحات ملطخة بالدماء. كان تنسيقهما سلساً، لم يولد من الممارسة بل من الغريزة التي صقلتها النجاة المشتركة.
ومن دون تردد، اندفع قائد الفرسان نحو اليمين، وهيكله المدرع يتلاشى بسرعة مستحيلة. كان هدفه المينوتور، وحشاً ضخماً من العضلات والغضب. وكان الاثنان متطابقين تماماً: كلاهما هائل، وكلاهما يحمل أسلحة ثقيلة مدمرة، وكلاهما يفيض بقوة جبلية.
أما البارون، فانعطف يساراً، متسابقاً نحو القوبلين، الذي كان شكله النحيف يتناقض مع بناء المينوتور الضخم. وحيث التقت القوة الغاشمة بالقوة، كانت معركة ريفيل ستكون معركة دقة ومكر.
وبدوتين هزّتا الأرض، أرسلتا رجات تتسابق عبر ساحة المعركة، رفع قائد الفرسان والمينوتور أسلحتهما عالياً، وعضلاتهما تشتد، وعروقهما تنتفخ بتوتر خام. وتوترت أذرعهما، المصوغة بمعارك عديدة، تحت وطأة ثقل أسلحتهما الهائلة. ثم، بزئير متزامن، تمايلا، كل ضربة قادرة على تمزيق الجبال.
في تلك اللحظة، التقى سيف عريض ضخم وفأس مزدوج هائل عند نقطة واحدة في الفضاء. وبدا الهواء نفسه يتوقف، والزمن يتجمد، وكأن كرايمورا، العالم، كانت تكافح لتسجيل ضخامة الضربة. ثم، بصدى مدوٍ شق السماء، انفجرت موجة صدم. ونحت انفجار القوة أخدوداً في الأرض، شاقاً ساحة المعركة بينما تصاعد الغبار والصخور في عاصفة. وصرخ الريح احتجاجاً، وارتجفت ساحة المعركة من عنف اصطدامهما.
ومع ذلك، ورغم القوة الكارثية، لم يتزعزع أي من المقاتلين. وبقيت الأقدام والحوافر ثابتة في الأرض المحطمة، وظهراهما مستقيمان، وأعينهما حادة، وهالاتهما متوهجة. وارتفعت نية القتل إلى الأعلى، متجهة نحو السماء، متصادمة بشكل غير مرئي فوقهما كسحب عاصفة على وشك الانفجار.
وبخخير منخفض مدو، سحب كل من الرجل والوحش أسلحتهما في وميض فضي. وارتفع السيف العريض مجدداً، وحاكاه الفأس، متلألئاً بتحد. ومن دون تردد، تصادما مجدداً، هذه المرة بقوة أكبر، وكأن كليهما يرفض قبول المساواة. كان الاصطدام هائلاً.
ومزقت هبات عنيفة من الريح ساحة المعركة، ناحته خنادق في الأرض وراسمة الصخور بندبات مبارزتهما. وتناثرت الشرر والحطام في كل اتجاه مع استمرار تنافسهما على القوة والسيطرة. كانت ضرباتهما ثقيلة، كل واحدة منها مخاطرة محسوبة بالحياة والطرف، ومع ذلك لم يتراجع أي منهما. لم تكن مجرد معركة بعد، بل اختبار للكبرياء.
ورغم حجمهما الهائل، كانت حركاتهما أي شيء غير بطيئة. والتوى جذعاهما بسرعة مذهلة، وأذرعهما تتلاشى في الهواء بينما كان الفولاذ يصطدم بالفولاذ في دمار إيقاعي. كل تأرجح كان يحمل ثقل النية، وكل صد كان يحمل صوت الغضب. لكن مهما اشتدت المعركة، لم تبتعد أعينهما عن بعضها البعض. وتصادمت إراداتهما كما تصادمت سيوفهما، وتصادم كبرياؤهما مع كل ضربة. كان كلاهما يسعى ليس فقط للنصر، بل للاعتراف، اعتراف المحارب بأن الآخر كان يستحق جهد الهزيمة.
وسرعان ما بدأ المد يتحول. كان المينوتور يشعر بذلك، فقداناً خفياً متسللاً للأرض. وحفرت حوافره خنادق في التسيدة، والأرض تئن تحت ثقله بينما كان يُدفع إلى الخلف ببطء، بشكل غير محسوس تقريباً. وقد صادف فأسُه مقاومة أقوى مما توقع، وللمرة الأولى، شعر بوميض من الشك.
لم يضيع قائد الفرسان الميزة. واحترقت عيناه بالعزيمة، وسيفه العريض يتلألأ بخط فضي وهو يضغط للأمام. وتصادم سلاحه بفأس المينوتور بإيقاع معدني، وتناثرت الشرر كنجوم محتضرة.
ورغم أن المينوتور كان بطبيعته ودمه متفوقاً جسدياً على البشر، فإن قائد الفرسان لم يكن رجلاً عادياً. فقد كانت قوته فخره منذ أيام شبابه، الأساس الذي قامت عليه أسطورته. والآن، لن يسمح لوحش بأن يغلبه في المجال الذي أتقنه.
كان المينوتور، بطول يقارب ثمانية أقدام، شخصية وحشية من العضلات والغضب. غير أن قائد الفرسان كان يضاهيه طولاً، وحضوره المدرع لا يقل مهبة. وكل حركة من حركاته كانت تتردد بالقوة والثقة، وكأن ساحة المعركة نفسها تنثني لإرادته.
وبصدام أخير مدوٍ، دفع قائد الفرسان خصمه إلى الخلف. وانزلق المينوتور عدة أمتار، وحوافره تحفر أخاديد عميقة في التسيدة وهو يكافح لاستعادة توازنه. وتطاير الغبار والحطام من حوله، والهواء كثيف برائحة الحديد والعرق.
ورفع الوحش رأسه ببطء، ومنخراه يتسعان، وعيناه تتوهجان بالحيرة والغضب. للحظة، ساد الصمت بينهما، اعتراف هادئ يتجاوز الكلمات. المينوتور، الذي كان واثقاً من تفوقه، واجه الآن الحقيقة المذهلة للهزيمة في تنافس القوة الغاشمة.
ومع ذلك، لم يضرب قائد الفرسان. كان بإمكانه إنهاؤها هناك، لكن الشرف قيد نصله. لم تكن هذه مذبحة، بل مبارزة بين محاربين. ورغم وقوفهما على طرفين متقابلين، كان هناك قانون غير مكتوب. لم يكن ليضرب خصماً في لحظة ضعف. لم تكن تلك طريقة الفارس.
وقف شامخاً ببساطة، يشاهد المينوتور وهو يستقيم، مانحاً إياه كرامة التعافي. لم تكن رحمة، بل احتراماً. وكانت ثقة القائد مطلقة، لم يكن بحاجة إلى نصر رخيص.
ومع ذلك، في أعماق ذهنه، كان يعلم أنه لو واجه البارون ريفيل المينوتور بدلاً منه، لما تردد البارون. فريفيل لم يكن فارساً مقيداً بالشرف بل محارباً مقيداً بالنتائج. كان سينتهز الفرصة دون تفكير ثان، منهياً القتال في لحظة.
[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]
اشتعلت هالة المينوتور فجأة، وتضاعفت نيته القتالية ضراوة. وغاصت الأرض تحت قدميه، وتشعبت الشقوق في شبكة عنيفة. وتحطمت الصخور تحت ضغط قوته المتجددة. وتشوه الهواء، وثقل بطاقة غير مرئية.
لم يتحرك قائد الفرسان. وواجه التحدي بهيئة هادئة، وهالته تتصاعد لمقابلته. وتصادمت القوتان، غير مرئيتين لكنهما ساحقتان. والتقت إراداتهما في المنتصف، منفجرتين في دفعات من الضغط تموجت عبر المحيط كانفجارات.
ثم، دون سابق إنذار، تحرك المينوتور. وخطا خطوة واحدة، واختفى. وتحطمت الأرض حيث كان واقفاً، والهواء يموج في أعقابه. وفي أقل من نبضة قلب، ظهر مجدداً أمام قائد الفرسان، وفأسه يهوي كشهاب.
لكن قائد الفرسان كان مستعداً. وتحرك جسده بالغريزة، ودروعه الثقيلة لم تبطئه. بضبابية فضية، انزاح، وشكله يتلاشى للحظة، شبه شبح. وصرخ الفولاذ وهو يلتقي بالفولاذ مجدداً، وانفجرت التضاريس نفسها في جنون.
وانفجار القوة مزق الوادي. وتشظت الأشجار، وتفتت الصخور، وعوى الريح كوحش هائج. وتدحرجت سحب الغبار إلى الخارج في أمواج، مبتلعة الشكلين بينما استمرا في رقصتهما الوحشية، كل ضربة تتردد كدقات جرس سماوي.
وفي وسط تلك الفوضى، تحرك صيلمان كجسد واحد، رجل ووحش، مرتبطان بالكبرياء والقوة ورغبة لا تطفأ لإثبات التفوق. بدا العالم نفسه يحبس أنفاسه، يشاهد بينما يتصادم عملاقان تحت ظل الدمار.
ملاحظة المؤلف: أنتم لم تعودوا تقدمون أحجار القوة والتذاكر الذهبية والهدايا. هل جودة القصة تتراجع؟ أم هناك خطأ ما؟ ضعوا شكاويكم لي، وأنا أيضاً بحاجة لدعمكم بأي شكل. شكراً لقراءتكم.