الفصل 34: قبل الفجر
وبينما كانت العسيدة تتقدم بثبات، كسر حارس راكب الصمت أخيراً.
"شمس العاشرة، سامحني على التطفل، لكن ليس من الآمن الجلوس على سطح العسيدة"، قال بنبرة محترمة.
آشير، وعيناه مغمضتان في تفكير هادئ، فتحهما ببطء. التفت إلى الحارس وأومأ برأسه قليلاً. برشاقة لا عناء فيها، انزلق عائداً إلى العسيدة، حركاته سلسة وغير مستعجلة.
"كيف كانت لحظة هدوئك يا سيدي الشاب؟" استفسرت لايرا من مقعدها المقابل له، وصوتها هادئ.
"منعشة"، رد آشير باختصار.
لم يكن لديه الكثير ليضيفه، رغم أنه استمتع حقاً بلطف الريح والنظرة العابرة للعالم الشاسع المار.
غربت الشمس تحت الأفق، وبدأ عباءة الليل في هبوطها البطيء، ملقية العالم في ظلال. لم يتوقفوا للراحة ولو مرة واحدة خلال الرحلة، لكن مع حلول الظلام، لم يكن أمامهم خيار سوى التوقف.
نزل آشير من العسيدة، وضوء القمر الفضي يلتقط في خصلات شعره البنفسجي، مانحاً إياها وهجاً أثيرياً.
في اللحظة التي لامست فيها حذاؤه الأرض، وضعت لايرا نفسها خلفه خطوة واحدة إلى اليمين، بينما قلدها حارس على اليسار.
لم يعلق آشير على اليقظة الإضافية. لقد حل الليل، ولم تعد الحذر مجاملة، بل ضرورة.
انجرف بصر آشير إلى الخيول، ولمسة من الفضول في عينيه. كانت تجري منذ الصباح دون توقف، وحتى الآن، أظهرت فقط أضعف علامات الإرهاق، مجرد لهاث خفيف بينما كانت ترقد برشاقة على العشب.
من حوله، تحرك الحراس بكفاءة مدربة، حركاتهم سلسة ودقيقة، وكأنهم أدوا هذا الروتين مئة مرة تحت مئة قمر مختلف. تحت ضوء الفضة الهادئ، بدأت الخيام في الظهور.
بهزة خفيفة من رأسه، استدار آشير وابتعد ودخل خيمته. تبعته لايرا بصمت، حضورها ظلاً دائماً. اتخذ حارسان موقعيهما عند المدخل، وأشكالهما واقفة بثبات على خلفية الليل.
بموجة رشيقة من يدها، استدعت لايرا سريراً كبيراً تجسد في الهواء قبل أن ينزل برفق على الحصيرة التي كان قد وضعها حارس في وقت سابق.
"أحضرتِ هذا معك؟" سأل آشير، ودهشة حقيقية تلمع في صوته. لم يكن يتوقع مثل هذه الراحة هنا في البرية.
"راحتك هي أولويتي يا سيدي الشاب"، ردت لايرا بابتسامة هادئة.
وموجة أخرى من يدها، وظهرت طاولة مصقولة، مصحوبة بمجموعة من الأطباق المرتبة بأناقة، دافئة، عطرة.
رمش آشير. "متى كان لديكِ وقت لتحضير كل هذا؟ بالكاد حزمنا أي شيء بعد أن أعلن البطريرك مغادرتنا. لا يمكن للطهاة أن يكونوا قد طهوا هذا في مثل هذا الإشعار القصير."
جلس على حافة السرير، مقرباً الطاولة إليه، فضوله لا يزال قائماً حتى مع دفع رائحة الطعام له للانقضاض عليه.
"في يوم صحوتك يا سيدي الشاب"، ردت لايرا بهدوء. "بما أنك قضيت اليوم كله في عزلة، انتهزت الفرصة لزيارة المطابخ. أعد الطهاة مجموعة واسعة من الأطباق من الصباح حتى الليل."
تناول آشير لقمة، وتعبيره تأملي. "لماذا كل هذا الجهد؟"
"لأن صحوتك كانت نقطة تحول"، قالت بمنطقية. "كان مجرد مسألة وقت قبل أن نغادر العقار. كنت بحاجة إلى أن أكون مستعدة، لليالٍ في الغابة، أو نزل قد لا يلبي طعامها معاييرك."
ضحك آشير بهدوء، وابتسامة ترتسم على شفتيه. "يجب أن أعترف لكِ يا لايرا. أنتِ حقاً جيدة جداً."
"هذا واجبي يا سيدي الشاب"، ردت، مرددة ابتسامته بفخر هادئ.
آشير، وهو يلاحظ لايرا واقفة بصمت كتمثال بينما كان يأكل، شعر برغبة هادئة لدعوتها للانضمام إليه. كان يعرف ما سيكون جوابها، كانت سترفض.
لكنه مع ذلك سأل. الأفضل أن يعرض ويُرفض من ألا يقول شيئاً على الإطلاق.
"ليس عليكِ أن تقفي هناك كتمثال. انضمي إليّ، على الأقل الليلة"، قال، وعيناه مركزتان على الأطباق الموضوعة أمامه.
أدارت لايرا رأسها نحوه، ودهشة تلمع في عينيها. كان الاقتراح شبه لا يُتصور، فالخدم لا يتناولون الطعام مع سادتهم. ومع ذلك، أجابت بسيداطة جأش.
"أقدر العرض يا سيدي الشاب. لكن بالنظر إلى رتبتي الحياتية، يمكنني البقاء عدة أسابيع دون طعام."
لم يضغط آشير في الأمر. اكتفى بإيماءة صغيرة، كان ردها تماماً ما توقعه. رغم القسيد الذي كان بينهما، كانت هناك خطوط غير مرئية مرسومة بينهما، حدود لن تتجاوزها لايرا أبداً، مهما كانت الظروف.
'إذاً الأمر ليس مبالغاً فيه كما تزعم تلك الروايات. شخصيات ذات زراعة عالية تمضي سنوات دون طعام، أو تتخلى عنه تماماً، وتكتفي بالطاقة وحدها'، فكر آشير في صمت. بدا أن الواقع، على ما يبدو، أكثر واقعية بكثير.
استقرت الخيمة في سكون هادئ، لم يقطعه إلا صوت الأواني الخفيف بينما كان آشير ينهي وجبته. توهج ضوء ذهبي لطيف داخل الخيمة، ملقياً ظلالاً دافئة على جدران القماش.
مسح آشير شفتيه بمنديل. دون تأخير، أعطت لايرا موجة صغيرة بيدها، واختفت الأطباق بصمت في خاتم الفضاء الخاص بها.
"تصبح على خير يا لايرا"، تمتم آشير، مستلقياً على السرير، واللحاف لا يزال منسدلاً عليه بدقة.
"تصبح على خير يا سيدي الشاب"، ردت بهدوء.
بحركة خفيفة، أطفأت الضوء، واحتضن الظلام الخيمة كستارة مخملية.
لكنها لم تخرج لتقف حراسة عند مدخل الخيمة. لا، بقيت في الداخل، منتقلة بهدوء إلى موقع مختلف. بدا حضورها يذوب بسلاسة في الظلام، وكأنها جزء منه.
لم تخاطر لايرا بترك جانب آشير، ليس هنا، ليس في غابة ابتلعها الليل. هذا هو النوع من الأماكن حيث يتنفس الصمت خطراً، حيث يمكن لمجموعة من المهارات، أو القدرات، أو انتماء عنصري أن يحول قاتلاً إلى شبح.
وبذلك، لم يبق سوى حفيف الأوراق، همسات في الظلام، تتمايل على إيقاع أغنية الريح الهادئة. في الخارج، وقف الحراس صامتين، حواسهم مشحوذة إلى حد الحدة، مستعدين للرد على حتى أضعف الاضطرابات.
كانوا جميعاً يعرفون حقيقة واحدة، إن عادت شمس العاشرة مع حتى خصلة شعر واحدة في غير مكانها، فستقوم عائلة وارغريف بتمزيق الإمبراطورية لمعرفة السبب.
قد يرتدي آل وارغريف تعابير باردة ويتحدثون بعداء خفي تجاه بعضهم البعض، لكن تلك البرودة كانت محفوظة لأنفسهم. إن تجرأ أي شخص خارج دمائهم على إظهار نفس اللامبالاة، أو الأسوأ، العداء، تجاه وارغريف، كان ذلك لا يعتبر أقل من حكم بالإعدام.
نعم، قد تشين شموس وأقمار آل وارغريف حروباً صامتة فيما بينهم، متنافسين على مقعد البطريرك، لكن تلك المعارك تنتهي عند بوابات العائلة. وراء تلك الجدران، يقفون كجسد واحد، لا يتزعزعون ولا يرحمون.
لكن آشير لم يكن يعرف هذا. لم يكن يعلم أنه إن ضرب قاتل الليلة، حتى لو قُتل قبل وصوله إليه، وأسكته حارس واحد، فإن آل وارغريف سيظلون يطاردون منظمة القاتل ويسوونها بالتراب قبل الفجر.
ملاحظة المؤلف:
لاحظ أن القليل فقط من بين الشموس والأقمار يظهرون سلوكاً باردة تجاه بعضهم البعض بينما يتنافسون على منصب البطريرك. الحكماء والحكماء الأكبر، الذين ليس لديهم ما يكسبونه من الصراع، يظلون منعزلين إلى حد كبير، ولا يكاد يكون هناك أي نزاع بينهم. ومع ذلك، حتى في عزلتهم، يرتدون باستمرار تعابير إما غير مبالية أو باردة.
[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]