الفصل 487: ابتسامة
مضى يوم على انتهاء إيثار من تدريب عنصر الضوء، وكان في تلك اللحظة منهمكاً في صقل كفاءته للمهارات والتطبيقات التي طورها بشق الأنفس تحت العناصر المختلفة. جلس بهدوء على شرفة غرفته، محدقاً في السحب المنجرفة فوقه، يراقبها تتحرك بتكاسل عبر السماء اللامتناهية، وكأيام كثيرة قبل هذه، تغيب عن المحاضرات مجدداً ولم يكلف نفسه عناء حضور أي منها، مفضلاً العزلة وتطوير الذات على محاضرات لم تعد تقدم له أي جديد.
خلال ذلك الوقت، أدرك أن المدربين بدأوا يثقون به أكثر من الطالب العادي، إذ كانوا يخصمون منه نقطة واحدة فقط عن كل محاضرة يتغيب عنها، وهو عقاب تافه مقارنة بما يعانيه الآخرون. 'يبدو أنني تركت انطباعاً كافياً'، فكر إيثار في نفسه بسخرية هادئة. بالطبع، سيظل يحضر بعض المحاضرات بين الحين والآخر، ولكن فقط ليظهر حضوره ويتجنب إظهار أي شكل من أشكال عدم الاحترام تجاه المدربين أنفسهم، لأنه بغض النظر عن قوته، فإنه لا يزال يقر بدورهم وخبرتهم.
'تنهيدة... أليس لدى أكاديمية النجم أي شيء يمكن للمرء على الأقل استكشافه أو الاستمتاع به؟ أم أن كل مرفق ومبنى هنا مصمم لغرض التدريب وحده؟' سأل نفسه رغم علمه المسبق بأن الإجابة على هذا السؤال هي نعم ساحقة لا تقبل الجدل.
لم يكن لدى أكاديمية النجم أي هيكل غير مخصص للتدريب ودفع الطلاب إلى أقصى حدودهم، فهذه أكاديمية تبني عمالقة الإمبراطورية المستقبليين، لا ملعباً للشباب الخاملين، فلا مكان هنا للتسكع أو الانغماس في ترفيه لا طائل منه. المثل القائل "كل عمل ولا لعب يجعل من جاك فتى بليداً" لا ينطبق ببساطة داخل هذه الجدران، لأن الفتيان البليدين لا يعيشون هنا طويلاً بما يكفي للشكوى.
ورغم أنه كان من المفترض أن يمارس كفاءته في هذه اللحظة بالذات، محسناً تحكمه وزائداً دقة كل تشكيل ضوئي خلقه، إلا أن إيثار قرر أن يأخذ بضع ساعات راحة ويسترخي مرة واحدة. ففي النهاية، كان تدريبه الحالي يتضمن إيذاء نفسه باستمرار، وتمزيق العضلات، وحرق الأعصاب، واستنزاف احتياطياته إلى أقصى حد قبل الشفاء مجدداً، ومن الواضح أنه استحق فترة الراحة القصيرة هذه.
'ربما يجب أن أنتقل إلى العقار لأرى كيف حال لايرا؟' فكر في نفسه بينما تأمل الفكرة لثانية وجيزة، متخيلاً أنها منشغلة بروتينها الخاص من التحسين المتواصل، لكنه تخلى عن الفكرة في اللحظة التالية إذ لا حاجة حقيقية لذلك، فعليه التركيز على طريقه وتدريبه، ولايرا على الأرجح تتدسيد بنفس الشدة على أي حال، ومقاطعتها لن يكون إلا غير ضروري.
فجأة، جاء صوت خافت من الجانب الآخر، خفي لكنه واضح بما يكفي لحواسه الحادة لتلتقطه، فأدار إيثار رأسه قليلاً إلى الجانب، فرأى راين التي كانت قد خرجت للتو إلى شرفتها الخاصة. أومأ إيثار برأسه قليلاً في اتجاهها، فردت عليه بالإيماءة ذاتها اعترافاً، ثم جلست دون أن تنبس بكلمة واحدة، حركاتها هادئة، محكومة، وصامتة تقريباً كمحاربة متمرسة تحافظ على طاقتها.
"لقد مضى وقت طويل، آنسة راين"، تكلم إيثار بتعبير هادئ ونبرة أهدأ، لأنه لو كان شخصاً لا يعرفه أو ليس على معرفة ولو طفيفة به، لكان تجاهله تماماً، لكنه كان على بعض الألفة مع راين، بل وفكر ذات مرة في تشكيل فريق معها لمهام مستقبلية، لكنه تأخر في التحرك إذ سبقته إليها الأميرة الإمبراطورية.
حولت راين عينيها الفضويتين نحو اتجاه إيثار وتحدثت: "يبدو ذلك، وأرجوك، فقط راين تكفي"، قالت ووجهها خالٍ من التعبير كالعادة، وصوتها جامد لكن غير عدائي، فقط غير مبال.
أومأ إيثار بخفة وتابع: "هل عدتِ للتو من مهمة؟" سأل، فضولياً حقاً، إذ كان على يقين تام بأن راين مثل ويليام، شخص مهووس بالتدريب نادراً ما يضيع الوقت. لكن حتى بدون أن يدرك إيثار ذلك بنفسه، كان هو أيضاً يستمتع بحب التدريب بقدر راين وويليام، بل ربما أكثر، رغم أنه لن يصف نفسه بالإدمان جهاراً.
ولكن مرة أخرى، من لا يدمن التدريب إذا كانت موهبته هائلة؟ من لا يستمتع بذلك الشعور الإدماني المسكر الذي يأتي من النمو أقوى فأقوى مع كل يوم يمضي، من تخطي حدود الأمس وكسر ما بدا مستحيلاً؟
هزت راين رأسها بلطف وتحدثت: "لا، لقد عدت للتو من مبنى مرافق التدريب، لكنني سأذهب في مهمة قريباً لأن نقاطي نفدت"، أوضحت بتنهد هادئ وكأنها تعبت من منطق أكاديمية النجم القاسي. فهم يقاتلون وينزفون لأيام فقط لكسب تلك النقاط الثمينة، لتتبخر بعد بضع جلسات تدريب مكثفة وكأنها لم توجد قط.
لقد فهم إيثار تماماً المنطق والآلية وراء أسلوب التشغيل هذا. فلو جعلت أكاديمية النجم مبنى مرافق التدريب مجانياً، لصار العديد من الطلاب متكبرين ومهملين تدريجياً، ولما أدركوا قيمة ما أُعطي لهم. لكن من خلال نظامهم الحالي، كل نقطة تبدو ككنز، شيء يُكسب بالعرق والدم، شيء له وزن ومعنى حقيقيان.
"ماذا عنك، أيها الشمس العاشر؟" سألت راين سيلفرشيد، وعيناها مثبتتان على إيثار وهي تجلس بأقصى درجات الهدوء، وقوامها مستقيم ووقور.
'لو كانت هذه رواية، لكانت تملك كل الصفات اللازمة لتكون البطلة، الجمال، الطول، الموهبة، القوة، والنفوذ'، تمثل إيثار في نفسه وهو يعجب بجمال راين الطبيعي. لكن مجرد تفكيره بذلك لا يعني انفصاله عن الواقع، فظل عقله صافياً وراسخاً وهو يرد على راين بنفس الهدوء والسهولة التي ردت بها عليه سابقاً.
"حسناً، بالنسبة لي، لن أخوض أي مهام لفترة لأنني أنهيت المهام الجماعية الإجبارية الثلاث بالفعل وجمعت نقاطاً كافية، لذا في المرة القادمة التي ترينني فيها في قاعة العمليات اللوجستية والمهام، فقط اعلمي أنني أفلس على الأرجح"، تنهد بخفة وهو يتحدث، نصف مازح ونصف جاد.
جعلته كلماته تبتسم راين سيلفرشيد بابتسامة صغيرة، وهي ابتسامة لم يرها إيثار عليها تقريباً من قبل، إذ كانت دائماً تحمل ذلك القناع الخالي من المشاعر على وجهها كأشقائه تماماً.
'إنها أجمل حين تبتسم'، تمثل إيثار في صمت بينما توقفت عيناه عليها لحظة أطول من المعتاد. ورغم أنه فكر بذلك، إلا أنه يعلم جيداً أنه لا يشعر بأي مشاعر تجاه راين، وبالطبع إن ظهرت مثل هذه المشاعر في قلبه، لكان سيعرفها لها دون تردد، فهو ليس من الرجال الذين يفتقرون إلى الشجاعة لمخاطبة النساء.
لكن الآن، بما أنه لا يشعر بمشاعر رومانسية تجاهها، يمكنه على الأقل أن يعجب بابتسامتها وجمالها مثلما يعجب المرء بلوحة أو غروب شمس هادئ دون أن يعلق بهما أي معنى أعمق.
"هل يمكنني القدوم إلى هناك؟" سأل إيثار، فقد سئم حقاً من رفع صوته قليلاً لمجرد التحدث معها عبر المسافة، فهو في المرتبة الأولى وهي في المرتبة الثامنة، مما يعني أنهما على بُعد سبع غرف تقريباً، والتحدث عبر الشرفات بدا غير مريح دون داع.
"بالتأكيد"، لم تتردد راين في الرد، ولم يتغير نبرتها قيد أنملة، لأنه لم يكن هناك فرق حقيقي لديها سواء جلس إيثار بجانبها أو بعيداً عنها. فهي لا تعجب إلا بقوته وموهبته، لا أكثر ولا أقل، وحضوره لم يزعجها ولا أثارها.
[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]