الفصل 489: تنين بلا أجنحة
"ابدأ"، وما إن خرجت تلك الكلمات من شفتي المدرب، حتى اختفى إيثار من مكانه وكأن الواقع نفسه قد ابتلعه بأكمله. بقي الحضور مذهولين تماماً إذ لم يروا أين اختفى، ولا حتى خطاً ضبابياً أو أثراً يتركه خلفه ليتتبعوا مساره، وحتى فايلريك لاكس فانثيلمور، الأمير نفسه وأحد أكثر طلاب أكاديمية النجم موهبة، لم يستطع العثور على إيثار رغم حدة إدراكه.
"هاه؟ أين ذهب؟" سأل أحدهم وهو يتلفت حول المسرح في حيرة، وصوته يرتجف قليلاً وكأنه شاهد للتو شيئاً مستحيلاً.
"هل هرب الشمس العاشر؟" أضاف آخر إذ لم يستطع فهم حركة الشمس العاشر وسبب اختفائه، ونبرته مليئة بعدم التصديق المكشوف بشكل سيئ.
"أغمض فمك، هل نسيت الفرق في درجات الامتحان أم أنك غبي فقط؟" زجر طالب آخر الطالب السابق الذي تكلم للتو، والانزعاج بادٍ في صوته إذ رفض احتمال مثل هذا الجهل.
لم يذعر فايلريك، بل بقي هادئاً ورزيناً، رافعاً حواسه إلى أقصى ذروتها وهو يقف في مكانه، منتظراً بصبر أن يتحرك إيثار، مراقباً المحيط بدقة المحارب المتمرس، وفجأة، ارتد صوت من بين حشود المتفرجين كجرس تحذير يدوي عبر ساحة المعركة.
"فوق"، مزقت الكلمة المدرج كصرخة حرب، حادة وعاجلة، وتفاعل الجميع فوراً، فتوجهت الرؤوس والأعين ذات الألوان المختلفة إلى الأعلى في تناغم تام.
وهناك، طاف إيثار وارغريف بهدوء فوق الحلبة، وشعره الأرجواني وثيابه ترقص على إيقاع الريح، والقماش يرفرف بأناقة كراية تعلن السيادة، وكأنه يقول بصمت لكل من تحته أن قوانين الفيزياء ليست إلا قيوداً للضعفاء، وأنهم هم الضعفاء.
"ه... هل يمكنه... الطيران؟" تمتم طالب بصدمة وهو يحدق في إيثار الذي يطل عليهم جميعاً، وصوته يتكسر من شدة عدم التصديق.
لم يستطع الجميع إلا أن يشاهدوا بانبهار، فمن لا يريد الطيران، ومن لا يحلم بالتحليق بحرية في السماء ككائن أسطوري غير مقيد بالجاذبية، وحتى لو كان هذا عالماً خيالياً حيث يمكن ثني قوانين الواقع وتشويهها، فإن الطيران لا يزال حلم الكثيرين ورمزاً للحرية المطلقة التي يتوق إليها عدد لا يحصى من المحاربين لكنهم لا يستطيعون بلوغها.
"كيف يفعل ذلك؟" تمتم شخص آخر بشكل بلاغي إذ لم يكن يتوقع أي إجابة، ونظره مثبت إلى الأعلى وكأنه يخشى أن يرمش.
ضاقت عينا الأمير للحظة، لكنه بقي غير منزعج وثابت، إذ كان يستطيع إطلاق موجات صدمة وهجمات مدوية تصل بسهولة إلى إيثار في ذلك الارتفاع دون صعوبة، وبينما كان على وشك التحرك، اخترق صوت إيثار الهواء كرعد هادئ لكنه مدوٍ، اهتز عبر الحلبة بأكملها.
"أنا آسف، أيها الأمير فايلريك لاكس فانثيلمور، ليس لدي وقت للقتال ومبارزتك، لذا سأنهي هذا"، ترددت كلماته بأهدأ نبرة يمكن لأي كان أن يجمعها، هادئة وخالية من المشاعر لدرجة أنها كانت مخيفة تقريباً، ولم يكن فيها غرور أو تكبر، بل يقين لا مبالٍ جعلها أكثر رعباً.
لكن قبل أن يتكلم أحد أو يتحرك، نبضت طاقة الأسترا في الهواء بينما تلاعب إيثار بالأسترا المحيطة بوجه خالٍ من التعبير، وفي تلك اللحظة، هدرت السماء فوقهم وصرخت وكأن نذير الدمار نفسه ينزل.
أظلمت السحب البيضاء التي كانت تنجرف بجمال قبل لحظات بشكل مشؤوم وهي تتجمع كجيوش متحشدة، وبدأت السماء الزرقاء الهادئة تتراجع وتتحول إلى الظلام بينما بدأ البرق البنفسجي يشتد ويتلألأ بعنف في السماء.
تصادمت الصواعق بسرعة وقوة مرعبتين، كل اصطدام يطلق رعداً يصطدم بوحشية بآذان من يشاهدون، وبدت الحرارة ترتفع في اللحظة التالية بينما شعر الجميع بقشعريرة تجري في ظهورهم حتى مع تشكل العرق على جلودهم، وهذا التناقض الغريب جعل غرائزهم تصرخ بخطر.
أخذت الصواعق التي كانت تتطاحن شكلها أخيراً، متحدة وملتوية وكأنها حية، وتشكل وحش ضخم على هيئة تنين بلا أجنحة، وجنون من طاقة البرق الخالصة يموج عبر جسده الهائل وهو يتشكل، ثم في اللحظة التالية بدا وكأنه حي إذ انفتحت عيناه، وتحدقت التلاميذ الأرجوانية من الأعلى، ناظرة إلى الأسفل على البشر الذين لا يختلفون عن النمل تحت حضوره الساحق.
لم يستطع الجميع إلا المشاهدة بينما قبض عليهم إحساس الموت بالكامل وبلا رحمة، وبعض الطلاب الأضعف، غير القادرين على تحمل الارتفاع الحاد في الحرارة والضغط، أغمي عليهم في مكانهم، وانهارت أجسادهم كدمى قطعت أوتارها.
في هذه اللحظة، بدا إيثار أقل شبهاً بطالب وأكثر شبهاً بحاكم البرق والدمار الذي نزل إلى العالم ليصدر حكماً إلهياً، وعيناه الأرجوانيتان تتلألآن بشكل أكثر إشراقاً وهو يطفو في الهواء دون كلمة، صامتاً لكنه مسيطر بشكل ساحق.
"أيها الأمير فايلريك لاكس فانثيلمور، بما أنك من العائلة الإمبراطورية، أود أن أمنحك فرصة الاستسلام"، جاء صوت إيثار من الأعلى، هادئاً وثابتاً، لكن حتى وهو يتكلم، هدرت السماء وتلاطمت بجنون وكأن السماوات نفسها تؤيد وتدعم هذا الاقتراح الذي يقدمه.
لم يجرؤ أحد على التكلم، لكن في عقولهم كان من الطبيعي أن يقبل الأمير فايلريك هذا العرض، لأن المشهد أمام أعينهم لم يكن سوى جنون خالص ودمار محقق.
كانت أفكار إيثار وخطته بسيطة، فعائلة لاكس فانثيلمور تستطيع امتصاص الطاقة، لكن من الواضح أن هناك حداً لذلك مهما كانت موهبتهم، وخطة إيثار كانت أن يغمر الأمير بطاقة كبيرة لدرجة أن جسده سينفجر كبالون مفرط النفخ. وإن مات... حسنًا، يمكن للإمبراطور أن يعتبره ثمن محاولته التلاعب بذاكرته قبل عام، دين صامت يُحصّل أخيراً.
لم يتكلم فايلريك، بل دخل فوراً في وضعية قتالية بانضباط لا تشوبه شائبة، ودون كلمة، انفجرت طاقة الأسترا بأكملها من جسده كجحيم هائج، والطاقات المختلفة التي امتصها وخزنها تتدفق بعنف عبر جسده وتتجه نحو قبضته بينما تحرك ليوجه لكمة نحو إيثار.
كانت خطته أيضاً بسيطة، فسيصب كل أوقية من الطاقة التي امتصها، مستخدماً إياها لتخفيف هجوم الشمس العاشر، ثم يمتص ما تبقى من قوة الشمس العاشر ويواصل المعركة من هناك، محولاً الدفاع إلى وقود.
"جنازتك"، تردد صوت إيثار بحكم الموت الهادئ، ومع تلك الكلمات، رفع يده نحو السماء ببطء وسلطة متعمدة، وإصبع واحد يشير إلى الأعلى وكأنه يأمر السماوات قبل أن يخفضها ويشير إلى الأسفل.
مع تلك الحركة، زأر التنين بلا أجنحة بجنون وانطلق للأمام وكأنه يتحرك ليدمر البعد المنفصل بأكمله، والبرق يمزق المكان ويحرق الهواء.
في الوقت نفسه، وجّه فايلريك لكمة إلى الأعلى، مطلقاً سيلاً من موجات الصدمة الهائجة التي صرخت نحو السماء لتواجه الهجوم القادم، وحركة الطاقات العنيفة تهدد بتحطيم كل ما يقع بينهما.
[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]