الفصل 490: الأسمى
لم يجرؤ الطلاب حتى على البقاء جالسين، بل نهضوا فوراً على أقدامهم ليفروا من هذا الجنون والدمار الذي أُطلق عليه اسم مبارزة. لم يكونوا بحاجة إلى أن يُقال لهم أي شيء، إذ كانوا يعرفون في أعماق عظامهم وعقولهم وأرواحهم وأجسادهم أن بقاءهم في مكانهم لن يكون أقل من معجزة، ولا عاقل يرغب في المراهنة بحياته على معجزة.
لكن ذلك كان عبثاً، فهل يمكن لأي منهم أن يكون أسرع من برق إيثار؟ هل يمكن لأي منهم أن يكون أسرع من موجة صدمة فايلريك؟ كان الجواب لا ثقيلاً لا يمكن إنكاره، يضغط على قلوبهم كجبل ويسحق حتى أدنى أمل في الهروب.
كان الطلاب الأذكى قد وصلوا إلى هذه الإجابة فوراً تقريباً، إذ كانت عقولهم تسابق أجسادهم، فبدلاً من الركض أعمى كحيوانات مذعورة، صبوا كل طاقة الأسترا لديهم في أي دفاع يستطيعون حشده وخلقه، مقيمين حواجز، أو معززين أجسادهم، أو متحصنين بأيادٍ مرتجفة بينما كان الخوف ينهش بلا رحمة في قلوبهم وعقولهم وأجسادهم.
لكن المدرب لم يقف مكتوف اليدين، فالمدربون موجودون لحالات كهذه تماماً، إذ هناك دائماً احتمال موت الطلاب خلال المبارزات الشديدة، والمدربون حاضرون دوماً أثناء التحديات لمنع حدوث مثل هذه المآسي، فواجبهم ليس مجرد الإشراف بل الحماية.
تحرك المدرب فوراً دون أدنى تردد، وبمجرد طقطقة أصابعه، تدفقت طاقة الأسترا من عروق أسترا كأنهار متدفقة، مشكلة حاجزاً ضخماً على شكل مكعب يحمي مدرجات المتفرجين ويحجب في الأساس كل من بداخله من الكارثة الوشيكة.
لم يحتج إلى فعل أكثر من خلق حاجز أسترا عادي، لأنه بالنسبة له، مهما كان الشمس العاشر أو الأمير وحوشاً في نظر الطلاب، إلا أنهم ما زالوا أطفالاً مقارنة بمستوى قوته وخبرته الذي لا يُدرك.
ومع ذلك، التقت زئير التنين الهابط بلا أجنحة بموجة الصدمة القادمة دون أي تردد أو تأخير، وتصادمت القوتان وجهاً لوجه كحكام متنافسين يتصارعون على السيادة، ومع ذلك، انحدر المدرج بأكمله إلى رعب شامل وفوضى نهاية العالم التي طغت على كل شيء.
اندفع البرق إلى الخارج بأصوات فرقعة عنيفة في جميع أنحاء ساحة المعركة، مصطدماً بلا هوادة بحاجز طاقة الأسترا للمدرب، وكذلك ارتطمت موجة الصدمة به بوحشية، والطاقتان تحتكان وتتآكلان على الدرع كقارات متصارعة.
صرخ الهواء نفسه طالباً الرحمة وكأنه حي، وتفجرت ساحة المعركة بالأسفل إلى خراب تام بسبب تصادم الهجومين، وتحطمت البلاطات الحجرية، وانحنى المعدن، وثار الغبار نحو السماء، وتزايد الضغط مع كل لحظة حتى أصبح التنفس نفسه صعباً.
لكن موجة الصدمة كانت عبثية، وكأنها بيضة تحاول اختراق جدار فولاذي، هشة ومضحكة في عدم أهميتها مقارنة به. بقوة قذيفة مدفع تضرب ورقة، مزق التنين البرقي بلا أجنحة خلالها وكأنها مجرد نسمة عابرة، لا يمكن إيقافه ولا يرحم.
اتسعت عينا الأمير فايلريك لاكس فانثيلمور بصدمة وعدم تصديق خالصين. لقد ظن أنه يستطيع على الأقل تقليل الهجوم القادم وامتصاص الباقي، لكن الآن، أمام عينيه، رأى أن ذلك لم يكن سوى خيال لا يمكن أن يتحقق، لأن هجومه الموجي لم يفعل شيئاً، حرفياً لا شيء، على كل مستوى ومقياس معروف وغير معروف للإنسان، وكأنه لم يكن موجوداً أصلاً.
لكن إدراكه كان عديم الفائدة، لم يستطع الرد، لم يستطع التحرك، بل لم يستطع حتى التفكير، كانت ردود أفعاله عقيمة، وحدسه عديم الجدوى، كل ذلك لا معنى له تحت سرعة البرق الخام والمطلقة التي تمحو مفهوم وقت الاستجابة.
لم يرَ سوى التنين الأرجواني النقي بلا أجنحة وهو يفتح فكّه الضخم والوحشي ويلتهمه في جنون تام، وغضب لا يرحم، ونهاية عالم ساحقة. تحركت قدرة دم فايلريك فوراً في محاولة يائسة لامتصاص الطاقة كما فعلت دوماً، لكن ذلك كان عديم الجدوى إذ امتلأ جسده إلى أقصى حد خلال ثانية واحدة، متجاوزاً حدوده بكثير.
ومع ذلك، مزقت الطاقة المتبقية التي لم يبدُ حتى أنها امتصت جسده برعب ودمار فقط، تمزقت العضلات واحترقت إلى رماد، وتحولت العظام إلى سواد تام، وتشققت جمجمته بينما مزق البرق دماغه، وانفجرت الأوردة بعنف، ولم يستطع حتى الصراخ إذ طغى صوت جنون البرق الهائج على كل شيء، علاوة على ذلك، كانت أحباله الصوتية قد احترقت بما يتجاوز الإصلاح لإنتاج أي صوت.
لم يشعر الأمير سوى بالألم، ألم خالص، ألم لم يشعر بمثله قط في حياته كلها، ألم يأتي من كل مكان ومن كل جزء من جسده دفعة واحدة، ألم مطلق لدرجة أنه محى كل فكرة أخرى. في اللحظة التالية، بدا وكأنه يرى نهاية نفق، وهناك كان ضوء أبيض باهت يمكن رؤيته يومض بلطف.
'أهكذا أموت؟' فكر في نفسه وهو يحدق بفراغ في الضوء البعيد داخل النفق، ووعيه يتلاشى ببطء كشعلة تحتضر.
لكن بينما كان وعيه على وشك أن يبتلعه الموت، ظهر المدرب أمام الأمير في لحظة، متحركاً أسرع مما يمكن لأحد أن يدرك، ورفع يده بلا مبالاة وصفع التنين بلا أجنحة، مبدداً إياه من الوجود بمجرد موجة من يده وكأنه ينفض دخاناً.
ارتفع الدخان وغطى كل شيء، منتشراً عبر ساحة المعركة ومغطياً كل شيء بضباب كثيف وغبار، لكن هبة رياح مفاجئة هبت عبر المدرج، مبددة الدخان والغبار، ومع ذلك، بدا جسد الأمير واضحاً.
كان مستلقياً ببساطة على الأرض، جسده محترقاً بالكامل، ولحمه مسوداً ومتشققاً، وهيئته لا تختلف عن غبار أسود يتفتت بالفعل، وشعره البني قد اختفى تماماً، فبدا كفحم أرجواني بشري مشتعل في تلك اللحظة.
لم يستطع الطلاب إلا المشاهدة بأعين مذهولة من الرعب والخوف، حناجرهم جافة وأجسادهم متيبسة. لم يصدقوا أعينهم، ولم يكونوا بحاجة إلى أن يُقال لهم أنه بدون تدخل المدرب، لكان الأمير قد مات دون شك.
'هل كان الشمس العاشر يخطط لقتل أمير الإمبراطورية؟' لم يستطع الجميع إلا أن يتبنوا مثل هذه الأفكار، لكن في الوقت نفسه، كانت هذه مبارزة، وتذكروا جميعاً بوضوح أن الشمس العاشر قال للأمير أن يستسلم بينما لا يزال يستطيع.
لم يستطع الجميع إلا أن يبلعوا ريقهم بصعوبة. باستثناء راين وويليام وفينش وداريسا، لم ير أي من الحاضرين الشمس العاشر يقاتل من قبل، لكن مع ذلك، لم تستطع عقولهم استيعاب هجوم بهذا الحجم.
هل كان من الممكن لشخص في نفس صفهم، هل كان من الممكن لشخص في عمرهم، أن يطلق مثل هذا الدمار دون حتى أن يحاول، دون حتى أن يقوم بأي حركات واضحة، كان ذلك خارج نطاقهم وعقولهم تماماً.
قبض الخوف على قلوبهم بقوة، لأنهم في هذه اللحظة وصلوا إلى فهم واحد لا يمكن إنكاره، فمن يتحدى الشمس العاشر في تحدٍ بأسلوب قتالي، إنما يطلب الموت فقط.
لم تستطع أعينهم ورؤوسهم إلا أن تتجه إلى الأعلى مرة أخرى، محدقة بخشوع ورعب مخيف في فتى ذكرهم بمدى ضعفهم جميعاً. فتى مقدر له أن يبقى في القمة، فتى مقدر له أن يبقى دون هزيمة، فتى مقدر له أن يبقى أسمى.
ملاحظة المؤلف: نحن على بعد ٣٠ تذكرة ذهبية فقط من علامة الألف. نحن تقريباً هناك أيها الناس. شكراً للقراءة.
ونعم، كل الهدايا موضع تقدير كبير. شكراً لكم.
[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]