الفصل 491: الفجوة
ابتلع طلاب السنة الأولى الذين كانوا يشاهدون ريقهم بصعوبة، وانهاروا على المقاعد خلفهم، وأنفاسهم غير منتظمة ومتقطعة وكأنهم نجوا لتوهم من أعظم نهاية عالم على الإطلاق، لا مجرد عرض قوة.
ورغم أن المدرب حمى الجميع والمدرج بتغطيته بحاجز مكعب الشكل مصنوع من الأسترا، يصد تماماً موجة الصدمة ودمار هجوم الشمس العاشر، إلا أن طلاب السنة الأولى شعروا وكأن أجسادهم وأرواحهم تحملت الهجوم مباشرة بغض النظر، وكأن الرعب تجاوز كل الدفاعات وضربهم من الداخل.
بلل العرق ظهورهم، متسرباً عبر ملابسهم بينما بقيت أعينهم مثبتة على الوحش الذي كان بشراً مثلهم، تناقض جعل الخوف أسوأ. بعض الطلاب الذين أغمي عليهم سابقاً بقوا فاقدي الوعي، وعقولهم غير قادرة على معالجة ما شهدوه، بينما ارتجف آخرون بلا سيطرة، وأصابعهم تغرز في مقاعدهم وكأنهم يخشون أن ينكسر العالم نفسه مجدداً.
جلست راين سيلفرشيد في حالة هادئة، أو على الأقل بدت هادئة ظاهرياً، لكن جسدها كان مبللاً بالعرق كأي شخص آخر، وأنفاسها أثقل قليلاً من المعتاد رغم تعبيرها الجامد. عندما سألها إيثار قبل هذه المعركة من ترغب في تحديها من بين الثلاثة الأوائل، كانت قد قالت الحقيقة حين أجابت بأنها لم تقرر بعد.
لكن شيئاً عميقاً في داخلها ما زال يريد تحدي إيثار، رغبة هادئة وعنيدة ترفض الاختفاء، رغم أنها تعلم أن مثل هذا التحدي لن يأتي إلا بعد أن تسد الفجوة الهائلة بينهما.
'هل الفجوة بيننا بهذا الحجم حقاً؟' فكرت في نفسها، وعيناها ما زالتا مثبتتين إلى الأعلى دون أن ترمش، 'أم أنه حقق تقدماً مذهلاً كهذا في شهرين فقط؟' دار عقلها في سخافة أفكارها، غير قادر على التوفيق بين ما عرفته وما شهدته لتوه.
مثل هذا التقدم في شهرين لم يكن سوى مستحيل، شيء يتحدى المنطق والعقل.
'أم كانت هذه قوته الحقيقية التي لم يُظهرها قط في معركته ضدي خلال امتحان القتال لدخول أكاديمية النجم، لأنه لم يرغب في قتلي؟' استمرت أفكارها في التقلب بلا راحة بينما كان بصرها يرفض أن يبتعد عن موقع إيثار وهو يطفو في الهواء كوجود لا يُمس.
لكن حتى مع ذلك الفكر، ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة تكاد تكون غير موجودة بمجرد فكرة التدريب والوصول يوماً إلى هذه القوة. 'أظن أنني سأتحدى الأمير أو الأميرة عندما يحين الوقت'، فكرت في نفسها بهدوء. لقد خاضت مهام مع الأميرة، فايلرا لاكس فانثيلمور، وتعرف بالضبط مدى قوتها. لم تكن راين تعتقد أنها ستخسر ضدها أو ضد الأمير، ليس بعد كل ما تحملته والنمو الذي حققته.
لكنها لن تتحداهما إلا بعد اكتمال تدريبها، فلا استعجال، ولا حاجة لرمي نفسها بتهور في معركة ليست مستعدة لها.
بقيت عينا الأميرة فايلرا لاكس فانثيلمور على أخيها، الأمير فايلريك لاكس فانثيلمور، إذ لم يكن مختلفاً عن قطعة فحم أرجوانية بشرية الشكل في تلك اللحظة، ودخان خفيف يتصاعد من جسده. توقف نظرها عليه لوقت طويل قبل أن تتنهد بخفة وتهز رأسها، لقد نصحته بعدم تحدي الشمس العاشر، لكنه لم يستمع، عنيد كعادته.
فبينما كان أخوها عبقرياً بكل الحق، موهوباً بموهبة تطغى على عدد لا يحصى من الأقران، إلا أنها استطاعت أن تستشعر الفجوة المذهلة بين الشمس العاشر وكل الآخرين. لقد أدركت ذلك منذ البداية عندما التقت بإيثار في حفلة عيد ميلادها الإمبراطوري، بأن الشمس العاشر مختلف عن كثيرين، إن لم يكن جميعهم، وجود يشعر بأنه منفصل جوهرياً عن المعايير العادية.
ورغم أنها أميرة، إلا أنها ليست متغطرسة أو عمياء. وهذا أحد الأشياء التي علمها إياها والدها، الإمبراطور، هي وأخوها التوأم منذ نعومة أظفارهما؛ تعلم كيف تفرق بين فريسة ومفترس، اعرف أي مفترس يتنكر في هيئة فريسة، اعرف متى يصبح المفترس فريسة، واعرف متى تحاصر ذلك المفترس الذي تحول إلى فريسة دون تردد.
كانت هذه إحدى التراتيل التي دفعها والدها فيهما مراراً وتكراراً، فالغرور لا يجلب سوى الدمار، والثقة جيدة، بل ضرورية، لكن هناك خطاً رفيعاً وقاتلاً بينهما لا يتجاهله إلا الحمقى.
'على الأقل ما زال على قيد الحياة'، فكرت في نفسها، رغم أن قلبها ألم خفيفاً برؤية أخيها في تلك الحالة البائسة. فهذا أخوها في النهاية، توأمها، شخص نما بجانبها منذ الولادة. لكنها لم تروّج لأي أفكار حمقاء عن الانتقام، فلا مكسب مطلقاً من تحدي الشمس العاشر في معركة، بل خسارة فقط، ربما كل شيء.
'إن تحدّيته، فلن يكون تحدياً بأسلوب قتالي'، تمثلت في نفسها وهي تهز رأسها ببطء. بهجوم واحد، كان الشمس العاشر قد أظهر الفجوة الواسعة والمهينة بينه وبين كل الآخرين، وهذا دون أن يحاول جاهداً. ماذا سيحدث لو حاول فعلاً؟ ماذا لو أطلق العنان لقوته بالكامل دون قيد؟
أي شخص يتحدى إيثار مباشرة في قتال، إنما يطلب تجسيدة ألم لا يُطاق.
لكن أكاديمية النجم تسمح للطلاب بتحدي أي طالب بأي شكل، ولا يجب أن يكون بالضرورة بأسلوب قتالي. هذا يعني أن أي شخص ما زال يستطيع تحدي إيثار على مرتبته، كل ما عليه فعله هو تجنب تحدي عبر القتال المباشر. لكن في النهاية، يجب أن يكون شيئاً معقولاً وعادلاً، وإلا لن يوافق المدرب على مثل هذا التحدي من الأساس.
على سبيل المثال، لا تستطيع راين سيلفرشيد تحدي إيثار في مسابقة لمعرفة من يتلاعب بالعظام أفضل من الآخر. هذا ببساطة سخيف، لأن الشمس العاشر لا يمتلك أي قدرة على التلاعب بالعظام بينما تمتلكها راين، ومثل هذا التحدي سيكون غير مجدٍ ومن طرف واحد.
وفي النهاية، حتى لو تمت الموافقة على أي شكل من التحدي، فإن الأمر يظل متروكاً للمتحدى لقبوله أو رفضه، أي أن إيثار يستطيع ببساطة الرفض دون عواقب.
في هذه اللحظة، لم تكن الأميرة فايلرا لاكس فانثيلمور تعرف أي نوع من التحدي ستستخدمه ضد إيثار، لكن ذلك لم يكن أولويتها الآن، فهذه أفكار لوقت آخر. ففي النهاية، تحدّيها المحتمل لا علاقة له بالانتقام أو الكبرياء المجروح أو أي شيء من هذا القبيل، بل سيكون شيئاً ذا معنى.
'سأزوره في قسم العلاج بعد هذا'، استنتجت بهدوء، وهي تعلم أن المدرب المشرف سيأخذ أخيها إلى هناك ليُعالَج ويُستعاد.
ملأت الهمسات المتنوعة أرجاء المدرج بينما تهامس الطلاب فيما بينهم، الصدمة والخوف والإعجاب وعدم التصديق اختلطت معاً في طنين غير واضح. كانت فايلرا ممتنة بهدوء لأن هذا حدث فقط داخل أكاديمية النجم في البعد المنفصل، فلو حدث في العالم الخارجي، لربما أثرت هزيمة أخيها التوأم على صورة العائلة الإمبراطورية وأثارت تعقيدات سياسية غير ضرورية.
لكن الآن، كان هذا لا يزال داخل أراضي أكاديمية النجم، مكان معزول عن مكائد العالم، ولا سياسات تُلعب هنا، بل قوة فقط، ونمو، وحقيقة قاسية لا ترحم.
[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]