الفصل 536: شيخ القرية
وممسكًا بدرجية تصريح المهمة في يده، بدأ إيثار بالكلام: "اسمي إيثار، أنا من أكاديمية النجم، وقد قبلت مهمة التحقيق في اختفاء القرويين من قرى مختلفة،" قال بنبرة هادئة ورزينة وهو يعرض على الحارسين درجية تصريح المهمة، حريصًا على إظهار الشعار الرسمي والختم بوضوح لهم، لئلا يكون هناك أي سوء فهم آخر بشأن هويته أو غرضه.
________________________________________
الحارسان، اللذان كانا على وشك بدء القتال بكامل قوتهما، توقفا في اللحظة التي سمعا فيها كلمات إيثار. لقد كانا يعرفان عن المهمة؛ ففي النهاية، كان القرويون قد اختفوا، وقد أُبلغا من قبل شيخ القرية أن شخصًا من أكاديمية النجم قد يصل في أي يوم بخصوص التحقيق. كان ذكر المؤسسة المرموقة وحدها كافيًا لقطع طاقة الأسترا التي كانت قد بدأت تتجمع حول أجسادهما.
في اللحظة التالية، تلاشى حضورهما مع سحب طاقة الأسترا، إذ كانت معرفة أن إيثار من أكاديمية النجم كافية لإجبارهما على الاحترام والخوف في آن واحد.
"نعتذر عن مهاجمتك، نأمل أن تسامحنا،" اعتذرا فورًا رغم أن إيثار كان المخطئ لعدم التحدث في وقت سابق. لكن في عالم كرايمورا، لا يوجد صواب وخطأ حقيقيان، بل القبضة الكبيرة والقبضة الصغيرة، وفي هذه اللحظة، كانت قبضتهما هي الأصغر. القوة تملي الأخلاق، والسلطة تعيد تشكيل المساءلة، وكلا الحارسين أدرك هذه الحقيقة جيدًا.
"لا تقلقا بشأن ذلك، كان عليّ التحدث،" رد إيثار وهو يهز رأسه بخفة، ويمشي نحو الحارسين بخطوة غير متسرعة وثابتة، وهدوئه خالٍ من الغطرسة أو الانزعاج.
"من فضلك، اتبعني،" أشار أحد الحارسين لإيثار لدخول القرية وتكلم: "شيخ القرية كان يتطلع إلى وصولك." قال ذلك، ومشى الحارس إلى الأمام دون انتظار تأكيد آخر. لم يتردد إيثار؛ اتبع الحارس بخطوات مقاسة.
بقي الحارس الثاني في مهمته، عائدًا للوقوف بثبات عند المدخل بينما مضى إيثار والحارس الأول إلى القرية، وصدى خطواتهما الخافت يمتزج بضجيج الحياة القروية البعيد.
كانت عينا إيثار تنتقلان من اتجاه إلى آخر، ممتصتين بأكبر قدر ممكن من التفاصيل. بالكاد استطاع تصديق أن الناس كانوا يعيشون هنا، إذ بدت ظروف معيشتهم قاسية للغاية بالنسبة له. مر بعدة مبانٍ، كل منها يحمل شقوقًا على جدرانها وكأنها قد تنهار في أي لحظة، بعضها له أسقف مخلوعة جزئيًا أو كليًا. بدا كل شيء متداعيًا ومتآكلًا بفعل الطقس في عيني إيثار، وكأن الزمن نفسه قد مل من الحفاظ على المكان.
ارتدى الأطفال ملابس بدت بالية للغاية إلى حد أنها لم تختلف عن الخرق، والنسيج رقيق وباهت من سنوات من الاستخدام المتكرر. كان الطريق مليئًا بالحفر لدرجة أن إيثار لم يجرؤ على ركوب عسيدة في مثل هذا الطريق، فالرحلة ستكون على الأرجح لا تطاق وربما ضارة لكل من الراكب والمركبة.
ورغم الحالة القاسية والهشة للقرية، كان الجميع يتجولون بابتسامات على وجوههم، وبعض الأطفال يركضون دون أي هم في العالم، وضحكاتهم تعلو فوق أنين الخشب والحجر القديم الهادئ. تحولت نظرة إيثار في اتجاه آخر، وهناك رأى مزارعين يزرعون ويحرثون، يعملون بلا كلل من أجل حصادهم، والشمس تشرق عليهم بلا رحمة، وحرارتها اللاهبة تنزل على ظهورهم وكأنها تختبر قدرتهم على التحمل.
حتى هنا، كان المزارعون يمتلكون أجسامًا رياضية وبنيات جسدية قد يحسد عليها رياضيون من الطراز العالمي على الأرض، وهذا مجرد حالة سلبية للجميع دون حاجة لتدريب متخصص أو زراعة متعمدة. في كرايمورا، الهواء نفسه والأسترا الموجود فيه يغذيان الجسد بطرق خفية، مانحين حتى العامة حيوية أساسية قد تبدو استثنائية في عوالم أخرى.
لكن في النهاية، بدا الجميع راضين بحالتهم، أو ربما كان الأصح أن نقول إنهم كانوا ببساطة ممتنين لأنهم لا يتضورون جوعًا، متمسكين بأفراح صغيرة وسط المشقة المستمرة.
لم يتكلم الحارس طوال الرحلة؛ بقي صامتًا ومطيعًا وهو يقود إيثار إلى وجهتهما، وقفته مستقيمة وخطواته ثابتة. وسرعان ما توقفا أمام مبنى، ولوح خشبي معلق فوقه أسفل السقف، مكتوب عليه: "مقر شيخ القرية"، والحروف باهتة قليلاً لكنها لا تزال مقروءة.
بالنسبة لإيثار، كان هذا بلا شك أفضل مبنى في القرية بأكملها. ورغم أنه كان بعيدًا عن مسكن نبيل ثري، إلا أنه لم يحمل شقوقًا مرئية أو هياكل ملتوية، على الأقل وفقًا لما يمكنه ملاحظته على السطح، إذ لم يكن مهندسًا معماريًا أو خبيرًا قادرًا على تحديد نقاط الضعف الهيكلية الأعمق المخفية خلف المظاهر المصقولة.
"هذا هو مقر شيخ القرية، جميع من يُعيّن شيخًا للقرية مطالب بالانتقال إلى هذا المنزل،" شرح الحارس بعد لحظة وجيزة من التردد، وكأنه شعر بالحاجة لتوضيح أهمية المبنى.
"شكرًا لك على مساعدتك،" قال إيثار بإيماءة تقدير خفيفة، وعيناه ما زالتان تتمعنان في المبنى وهو يقيم واجهته.
أومأ الحارس في المقابل، ثم استدار ومشى دون تأخير أو تردد، ربما حريصًا على المواجهة السابقة وغير راغب في البقاء أكثر من اللازم. في عالم تحكمه القوة، لا يمكن للمرء أبدًا أن يكون متأكدًا تمامًا من سرعة انقلاب الأمور.
لم يتحرك إيثار ليطرق؛ بقي واقفًا في مكانه، إذ كان بإمكانه سماع خطوات تقتسيد مصحوبة بصرير خافت لألواح خشبية تحت أقدام من يمشي عليها. بصرير ممتد، فُتح الباب، وظهر رجل. بدا في الخمسينيات من عمره، وعيناه بيضاء شاحبة وكأنها خالية من الحدقتين، وكان يرتدى هاوري أسود بسيطًا لا يحمل نقوشًا أو زخارف باهظة.
"تفضل بالدخول، إيثار،" قال شيخ القرية وهو يحدق في إيثار، وعيناه مفتوحتان على مصراعيهما، وحضوره لطيف لكنه ترحيبي، يحمل جوًا من السهولة الهادئة.
عند سماع اسمه ينطق بهذه العفوية، ضيق إيثار عينيه قليلاً، إذ لم يكن قد أخبر الرجل باسمه مباشرة. لقد قدم نفسه مرة واحدة فقط، وكان ذلك للحارسين عند البوابة. 'هل سمعني من هناك؟' تساءل إيثار داخليًا، رغم أن الفكرة بدت غير محتملة، إذ بدت رتبة حياة شيخ القرية منخفضة جدًا بحيث لا تمنحه سمعًا متزايدًا إلى هذه الدرجة الاستثنائية.
بعد عدة لحظات من التأمل، بدا أن إيثار جمع تفسيرًا معقولاً واختار ألا يتوقف عنده أكثر. "شكرًا لك،" رد بهدوء وهو يدخل بسيداطة جأش وأناقة مكبوحة، وهدوئه لم يكن مفرط الحذر ولا مفرط الاسترخاء. أغلق شيخ القرية الباب خلفه وشرع في قيادة إيثار عبر عدة غرف متواضعة قبل أن يتوقفا في غرفة أخرى مفروشة ببساطة لكنها أنيقة.
"هل تحتاج أي شيء؟ ماء؟ عصير؟" سأل بأدب، معترفًا بإيثار كضيفه. لكن إيثار هز رأسه ردًا، مشيرًا إلى أنه لا يحتاج شيئًا. أومأ شيخ القرية بهدوء، ثم غادر للحظة قبل أن يعود بإبريق ماء لنفسه، وضعه بعناية على طاولة خشبية صغيرة.
"شكرًا لمجيئك،" بدأ، ونبرته ثابتة لكنها صادقة، "لقد نشرت المهمة، وكنت أتوقع أن تستغرق أكاديمية النجم نصف شهر على الأقل أو أكثر قبل أن يصل أحد ممثليها إلى هنا. لم أتوقع أن يكون وصولك بهذه السرعة." اختتم شيخ القرية كلامه بتعبير مفكر قبل أن يتناول رشفة مقيسة من الماء، وعيناه الشاحبتان لا تزالان مثبتتان على إيثار وكأنهما تحاولان تمييز أكثر مما هو ظاهر على السطح.