الفصل 546: الرجل المضطرب

عند سماع الصوت، حدّق إيثار بنظره نحو مصدره. ظل صامتًا تمامًا، إذ لم ير شيئًا بعد، فهذه الحجرة وحدها تمتد لأكثر من ثلاثمئة متر عرضًا، مما يعني أن مصدر الضجيج كان على الأرجح قادمًا من الطرف البعيد للغرفة الشاسعة المضاءة بشكل خافت.

ترددت أصوات احتكاك وقرقعة المعادن في أرجاء الحجرة الواحدة تلو الأخرى بأنماط غير منتظمة ومتنافرة. لم يحتج إيثار إلى تفكير طويل ليستنتج أن مصدر الاضطراب هو شخص يفتح الزنازين بشكل منهجي.

في غضون بضع دقائق، وصل الشكل إلى جانب إيثار، ففتح أولاً زنزانة رجل في الجهة المقابلة له، واستخرج طعامًا وماءً من خاتم فضائي وألقاهما بلا مبالاة تجاه الأسير، دون أي اكتراث إن تناثرت المؤن على الأرض القذرة أم بقيت سليمة.

ثم انصرف الشكل دون تردد، واقترب من زنزانة إيثار، ففتحها قبل أن يدخلها بهدوئ المتعمد. استقرت عينا إيثار البنفسجيتان على الفرد الواقف أمامه. "قاتل؟" تأمل إيثار في نفسه، متذكرًا بوضوح القاتل بيو وزملاءه الذين كانوا يرتدون أردية داكنة وأقنعة عديمة الملامح، لكنه نبذ الفكرة فورًا، فوالده الدوق أزيرون قد أباد نقابة القتلة مع قائدها في تطهير حاسم لا رحمة فيه.

ومع أن إيثار لم يكن ساذجًا بما يكفي ليفترض أن نقابة قتلة جديدة لن تنشأ في النهاية لتحل محل النقابة الساقطة، ورغم أن أكثر من شهر كامل قد مضى، وهو وقت كافٍ لتنظيم سري آخر ليؤسس نفسه، إلا أنه أدرك أيضًا أن القتلة لا يميلون إلى الاختطاف.

فمهنتهم تدور حول الإعدام تحديدًا، لا أكثر ولا أقل. علاوة على ذلك، مجرد ارتداء الرداء والقناع لا يجعل الشخص قاتلاً تلقائيًا؛ فهذه الزي قد تخفي بسهولة هوية بلطجي عادي، أو تابع سادي يعمل تحت أوامر أكثر ظلامًا.

ظل الشكل الواقف أمام إيثار صامتًا للحظة، وكأنه يقيسه، ثم تحرك فجأة بسرعة عمياء إذ انطلقت ركلة وحشية نحو رأس إيثار. استعد إيثار غريزيًا لتفادي الضربة، لكنه كبح نفسه في اللحظة الأخيرة. في اللحظة التالية، اصطدمت الركلة بصدغه مع انفجار مدوٍ، فالتوى رأسه بعنف إلى الجانب بينما تموجت قوة الصدمة خارجًا، محدثةً قعقعة السلاسل التي تسيدطه بالجدار في وضعية الجلوس على السطح الحجري.

لم يتوقف الشكل ولو لجزء من الثانية؛ فتقدم مجددًا، ووجه لكمة وحشية إلى معدة إيثار، متبعًا إياها بركلة قاسية إلى فكه. دوّى صوت كل ضربة في زنزانة إيثار الضيقة وتدحرجت عبر الحجرة الشاسعة في موجات ثقيلة. لم ينطق إيثار بكلمة واحدة؛ ظل ساكنًا وتحمل الوطأة دون أن تتغير ملامح وجهه.

من ثقل وضبط كل ضربة، استطاع إيثار أن يميز أن الشكل الذي أمامه كان يمسك نفسه عمدًا لتجنب تحطيم السلاسل، أو تشقق الجدران، أو ثني القضبان الفولاذية المدعمة التي تشكل الزنزانة.

ظل إيثار صامتًا، وإدراكه الشامل منحه قدرة تشبه الرؤية بالأشعة السينية، مما سمح له برؤية ما وراء الجدران الحجرية الكثيفة، وحتى ما وراء القناع المعتم الذي يغطي وجه الشخص. تحت ذلك التمويه، كان ابتسامة عريضة تمتد على ملامح الرجل، تعبير عن بهجة ملتوية، إذ كان الرجل يبذل جهدًا هائلاً لكتم ضحكاته المجنونة الشريرة التي كادت تنفلت من حلقه.

أمسك الرجل برأس إيثار ودفعه بعنف نحو الجدار خلفه. شعر إيثار بالقوة تموج عبر جمجمته كموجة صدمة، لكنه مجددًا لم يُبدِ أي رد فعل، وظل هادئًا بشكل مرعب بينما ارتدت الصدمة في جسده. في العادة، كان إيثار سيرد أو على الأقل يستجيب غريزيًا، لكن اعتداءً بهذا الحجم لا يعني شيئًا لمن يفترض أن يقف في رتبة وهج نجم ساطع، وهو مستوى وجودي يفوق بكثير إدراك معظم المسجونين في هذه الحجرة المقفرة.

[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]

ضغط الرجل بحذائه على وجه إيثار للمرة الأخيرة، وطحن نعله عمدًا على وجهه الوسيم وكأنه يعزز فكرة أن إيثار ليس سوى "مغامر" وضيع، كائن لا يستحق الازدراء. بعد توقف وجيز، سحب الرجل قدمه، وعلقت عيناه السوداوان على إيثار لحظة مطولة من التدقيق قبل أن ينصرف دون أن ينبس بكلمة، ولم يكلف نفسه حتى بتقديم طعام أو ماء لإيثار.

ظل إيثار صامتًا لعدة ثوانٍ بعد ذلك. لم يشتعل الغضب في داخله؛ لم يثب الغضب، ولا الكراهية، ولا الجريح في كبريائه بشكل جامح؛ بل بقي جالسًا، ما زال مكبلاً في مكانه وكأنه لم يتلقَّ للتو تلك الضربة.

تتبعت عيناه البنفسجيتان شخصية الرجل المنسحب للحظات قبل أن يحول بصره عنها عمدًا. لولا المهمة، والأهم من ذلك، المجهول الغامض الذي يتخلل أسس المبنى الذي حُبس فيه، لقتل الرجل فورًا ودون تردد، محوّلاً إياه إلى مجرد جثة باهتة على الأرض الحجرية الباردة.

لكنه لو تصرف باندفاع، لو استسلم للغريزة ورد، لانتشرت رائحة الدم المعدنية حتمًا خارج حدود الزنزانة، ولمن يراقب الأسرى أن ينتبه، مما يجعل كل التقدم الذي أحرزه بشق الأنفس حتى الآن عديم المعنى تمامًا، ويعرض الهدف الأوسع الذي لم يكتشفه بعد للخطر.

"ليت الأمر"، فكّر إيثار في نفسه، وأفكاره تتدفق ببرودة مرعبة؛ ليت الوقت لم يكن عائقًا كهذا، لكان أمسك بهذا الشخص المضطسيد بالذات وأخضعه لعذاب مطول قبل أن يمنحه رحمة الموت، لكن إيثار لم يمتلك هذا الرفاهية ضمن حدود هذه المهمة، فكان الانضباط هو المنتصر على الانتقام.

في مكان أبعد من الحجرة، اندلع تسلسل آخر من الضرب. كان النمط ثابتًا ومنهجيًا بشكل مقلق: يبدأ لدقائق، وينتهي بقفل باب الزنزانة، يليه فتح زنزانة أخرى واستمرار الدورة الوحشية. لم يتكلم إيثار؛ بل أصغى بانتباه وعدّ في صمت عقله، متسعًا وعيه مع كل ضربة مدوية.

"أولئك الذين يضربهم هم بلا شك المغامرون الذين قبلوا المهمة قبل أن يُقبض عليهم"، استنتج إيثار في نفسه بعد استنتاج دقيق، فالرجل المضطسيد لم يعتدِ على أي من القرويين المختطفين، ولو فعل لهلك أولئك القرويون فورًا، فمعظمهم من غير المستيقظين، وحتى المستيقظين منهم كانوا في مراتب حياة متدنية بشكل مثير للشفقة، مما يعني أن ضربًا بهذا الحجم إما أن يقتلهم فورًا أو يتركهم في حالة غيبوبة.

"إذن عشرون في المجمل"، حسب إيثار في نفسه وهو ينهي عد المغامرين الذين تعرضوا للإيذاء الوحشي. ورغم أنه لم يستطع رؤيتهم فعليًا لبعد المسافة البالغة ثلاثمئة متر التي تفصل زنازينهم، إلا أنه استطاع تحديد عددهم بدقة من تردد وتكرار الضربات الثقيلة التي دوت عشرين مرة بالضبط في أرجاء الحجرة الشاسعة، كل تسلسل كان متميزًا ولا لبس فيه وسط الصمت الذي تلاه.

2026/08/09 · 0 مشاهدة · 946 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026