الفصل 687: نصائح عائلية متبادلة
---
"آه... رغم رغبتي في التغيب عن المحاضرة، أظن أنه ينبغي لي مرافقتكما"، تنهد فينش وهو يتحدث، إذ كان يمتلك بالفعل ما يكفي من النقاط لتخطي الدروس، ولو عُوقب بغرامة مالية لما اهتم بالأمر كثيرًا، غير أن جزءًا منه كان لا يزال يجد في الحضور مشقةً وسأمًا.
"حقًا؟ ولماذا ذلك؟ اشتقتَ إليّ بهذه السرعة؟" سأل ويليامز موجهًا بصره نحو فينش، فهو يعلم أن صديقه ليس ممن يُبدون حماسًا خاصًا تجاه المحاضرات، مما جعل قراره هذا يثير شيئًا من الاستغراب.
"حسنًا... لقد طلب مني والدي أن أكثف من تدريبي هذا العام، مشيرًا إلى أن أمرًا ما سيحدث خلال أشهر قليلة"، بدأ فينش يشرح قائلاً: "لم يعتد والدي دفعي نحو التدريب أو ما شابه، لكن بعد تأكيده على الأمر حين التقينا آخر مرة، تيقنتُ أن حدثًا جللًا قادم، وإن كنتُ أجهل ماهيته".
تحدث بنبرةٍ مفكرةٍ وهو يستحضر الجدية التي طبعت كلمات والده، فصمت ويليامز برهةً قبل أن يجيب: "لقد سمعتُ الشيء ذاته من والديّ أيضًا، فرغم تدريبي الشاق منذ الصغر، طلب مني أبي مضاعفة الجهد وتحقيق أقصى تقدم ممكن في الأشهر المقبلة".
[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]
"وحين سألته عن السبب، أخبرني أنني سأعلم قريبًا، لكنه لم يفصح عمّن سيخبرني"، توقف قليلًا ليجمع أفكاره ثم أردف: "لهذا السبب لم أرغب في استعارة النقاط منك أو من إيثار، رغم قدرتي على فعل ذلك والتغيب بسرور"، موضحًا أن دوافعه كانت نابعةً من تلك النصيحة المُلحّة.
أومأ فينش برأسه موافقًا، فقد تلقى هو وويليامز التوجيهات ذاتها تقريبًا، وبُقيا في ظلامٍ بشأن الغاية منها، بينما خَيّم عليهما شعورٌ مشتركٌ بالحيرة والترقب.
التفتا ببصريهما نحو إيثار، محدقين فيه بانتظار أن يبوح بمثل ما سمعاه، وأن يكون الدوق قد أوصاه بالشيء نفسه، لكنهما لم يجدا سوى صمته ونظراته الهادئة، إذ لم يصله أي توجيه من أزيرون أو حتى مالريك، وهو تباينٌ لم يمر دون أن يلحظاه.
'لماذا لم يخبروني بشيء؟' تساءل إيثار في سرّه، فلم يكن أزيرون أو مالريك يفتقران للوقت لإخباره، بل لقد حظي بوقتٍ خاصٍّ مع والده أزيرون قبل العودة إلى أكاديمية النجم، وكانت تلك الفرصة سانحةً تمامًا للحديث.
كذلك كان قد التقى مالريك مرتين، إحداهما عند تبادل المعلومات والأخرى حين زوّده بأخبارٍ جديدة، ومع ذلك لم ينبس بأي كلمةٍ حول هذا الشأن، فهز إيثار رأسه متنهدًا، وتلاشت الفكرة سريعًا من ذهنه بعد أن لبثت فيه لحظات.
بالنسبة لأزيرون ومالريك، لم يكن هناك ما يُقال لإيثار أصلاً، فهو بالفعل يبذل جهدًا يتجاوز الحدود المعقولة، فكى يمكن نصح شخصٍ يملك مثل هذه الموهبة والعمل الدؤوب بأن يزيد من جهده؟ وهل يبقى مجالٌ لمزيدٍ من التوجيه؟
لذا لم يقدما له أي نصيحة، إذ لم يوجد ما يُنصح به، وكان صمتهما اعترافًا ضمنيًا بوتيرة تطوره المتسارعة التي تفوق كل توقع.
بعد صمتٍ وجيز، تحدث إيثار أخيرًا: "يبدو أنكما تحظيان بعائلاتٍ حانية وآباء مهتمين"، قالها بتنهيده، وتابع بنبرةٍ هادئةٍ تخللتها مسحةٌ من التقبل الجاف: "أما والدي فلم يخبرني بشيءٍ من هذا القبيل، لذا ليس لدي ما أنقله لكما".
صمت فينش وويليامز لحظة، ثم قال ويليامز: "أظن أنهم أدركوا أنك ترهق نفسك بالفعل في العمل، فقرروا عدم إثقال كاهلك بالمزيد"، ورغم عدم علمه، فقد أصاب كبد الحقيقة دون أن يدري.
"حسنًا... ربما يكون هذا صحيحًا، فمن يدري؟ أنتم آل وارغريف دائمًا ما تكونون مختلفين عن البقية"، أضاف فينش وهو يهز كتفيه باستخفاف.
هز إيثار رأسه مقررًا ألا يأخذ الأمر بمحملٍ شخصي، وقال في نفسه: "إذا طُلب منكما بذل المزيد من الجهد، فمن المؤكد أن الآباء الآخرين يطلبون الشيء ذاته من أبنائهم".
'لكن ما الذي قد يحدث خلال أشهر قليلة يا ترى؟' أخذت أفكاره تدور بلا توقف، واستحضرت ذاكرته تلقائيًا كل حبكات روايات الأكاديميات التي قرأها قبل انتقاله الروحي إلى هذا العالم.
'عادةً ما تقتصر أحداث أقواس الأكاديمية على غزوات القوى المعادية مثل سينفايرا أو الإيموفيراي، أو مسابقات بين الأكاديميات والإمبراطورية'، فكر إيثار وهو يتأمل الاحتمالات واحدًا تلو الآخر.
'على أي حال، مهما يحدث فليحدث، لن أنهي فترة راحتي بسببه'، عقد العزم بحزم، رافضًا أن تملي عليه التكهنات المبهمة تصرفاته.
حتى لو كانت المنافسة على مستوى الأكاديمية أو الإمبراطورية، كان إيثار واثقًا من قلة عدد القادرين على مجاراته، ولم يكن مغرورًا لدرجة الظن بأنه الأكثر موهبةً في العالم، فهو لم يرَ بعد قدرات المواهب في الإمبراطوريات الأخرى ولم يقس نفسه بهم.
'ولكن ماذا لو حصلت كل إمبراطورية على متحول روحي أو متناسخ؟' خطر هذا الفكر بباله فتأمل تداعياته لحظات، ثم هز رأسه طاردًا الفكرة، فحتى لو ثبتت صحة ظنونه، لم يكن بيده حيلةٌ الآن، ولا جدوى من إشغال الذهن بما لا طائل منه.
"يبدو أن لديك بعض التخمينات"، قال ويليامز وهو يراقب إيثار الذي كان غارقًا في أفكاره طوال الثواني الماضية، بنظرةٍ متفحصة.
"ليس بالضبط، لكنني أرجح أن المديرة أو نائب المدير سيكونان مصدر الأخبار، أو ربما الإمبراطور نفسه"، رد إيثار وهو صادقٌ في جهله، فعلى الجميع الانتظار لترى كيف تتكشف الأمور.
"لن أكذب، أنا أتطلع لذلك بفارغ الصبر"، صرح فينش، ورغم عدم معرفته بمدى قوته المستقبلية نظرًا لأن التقدم في رتب الحياة ليس سريعًا، إلا أن فضوله تغلب على حيرته وجعله يترقب القادم بشغف.
"هي هي هي... أتساءل إن كانت الأكاديمية تنظم فعاليةً ما، كأن يقاتل طلاب السنة الأولى طلاب الثانية، ثم يقاتل طلاب الثانية طلاب الثالثة"، خمّن ويليامز وهو يسرح بخياله متحمسًا للفكرة.
"إذن، ضدَّ من سيقاتل طلاب السنة الثالثة؟" سأل إيثار رافعًا حاجبه بتعجبٍ من البنية غير المكتملة للتخمين.
"لا أدري يا رجل، أنا فقط أطرح الأفكار، ربما ضد المدربين، من يعلم؟" أجاب ويليامز وهز كتفيه، فهو لا يستطيع رؤية المستقبل على أي حال، وتخمينه كأي تخمينٍ آخر.
اكتفى إيثار بالابتسام والصمت، تاركًا الحديث يتدفق بانسيابيةٍ دون مقاطعة.
"متى تبدأ المحاضرة الأولى اليوم؟" سأل فينش، محولاً دفة النقاش إلى موضوعٍ آني.
"الثالثة عصرًا، لماذا تسأل؟" رد ويليامز ناظرًا إليه بفضولٍ خفيف.
"لا شيء، ربما ينبغي لي النوم قليلاً قبل المحاضرة"، أجاب وهو يقلب الفكرة في ذهنه.
غرق ويليامز في أفكاره لحظات ثم قال بنبرةٍ أكثر جديةً مما سبق: "مهلاً إيثار، أحتاج إلى خدمة".
التفت إليه إيثار، وبعد صمتٍ وجيز رد بصوتٍ مستوٍ وصريح: "إن كنت تنوي استعارة كميةٍ هائلة من النقاط، فأنا آسفٌ لخيب أملك".
هز ويليامز رأسه نافياً: "لا، ليس هذا المقصود، أعلم أن الجميع يتدرب ويحتاج نقاطه، ولن يطلب أحدٌ استعارة أكثر من مئة نقطة في هذا الوقت إلا إذا كان أحمق"، وكانت كلماته صادقة، فلا أحد سيتنازل عن نقاطه في ظل المسؤوليات واحتياجات التدريب والمصاريف التي تثقل كواهل الجميع.