الفصل 689: قابلية التنبؤ
---
مع تقلص المسافة بينهما، انطلق سيف ويليامز الطويل نحو حنجرة إيثار مصدراً صفيراً حاداً، وشاقاً الهواء في طريقه. لم يستعجل إيثار، بل بقي هادئاً يراقب الهجوم القادم، وفي آخر لحظة ممكنة، تراجع خطوة واحدة إلى الخلف متفادياً الضربة دون أي حركة زائدة.
وعندما رأى ويليامز أن هجومه الأول قد أخطأ هدفه، وصله فوراً بهجوم ثانٍ، مغيراً مسار سيفه أثناء الحركة ليضرب مرة أخرى، وهذه المرة نحو صدر إيثار، بدقة تنم عن نية وانضباط صُقلا عبر تدريب لا ينتهي.
ومجدداً، كرر إيثار حركة التفادي ذاتها دون أن تتغير ملامحه، فما كان من ويليامز إلا أن زاد من سرعة وقوة هجومه. عزفت الرياح لحنها مع تحركه مجدداً، ووجه خمس طعنات في لمح البصر، لكن مهما فعل، كان الأمر عديم الجدوى.
ففي اللحظة التي كانت فيها ضرباته على وشك الإصابة، كان إيثار يتفاداها دائماً في آخر لحظة ممكنة، وكأن الزمن نفسه ينحني لاستيعابه، خاضعاً لوجوده بطريقة تتحدى الإدراك الحسي العادي.
تخلى ويليامز عن استهداف الجزء العلوي من الجسد، لينحرف سيفه الآن نحو كاحل إيثار كأنه يهدف إلى إبطاء الفتى وشل حركته تماماً. اتجهت عينا إيثار نحو الأسفل بسرعة، ومع اقتراب نصل ويليامز من كاحله، رفع قدمه ببساطة فمرت الضربة صارخة تحته.
لكن ويليامز تابع فوراً بضربة قطرية تصاعدية هدفت إلى تمزيق جذع إيثار، وكانت الحركة انسيابية وخالية من أي تردد.
"هجماتك قابلة للتنبؤ بشكل مفرط يا ويليامز"، تحدث إيثار أخيراً وهو ينحرف جانباً كأنه النسيم ذاته. لم يبدو وكأنه يتحرك بقدر ما بدا وكأن الريح هي التي حملته في ذلك الاتجاه، وكأنه موجود في تناغم مع الحركة وليس مقيداً بها.
[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]
عند سماع كلمات إيثار، تجمد ويليامز للحظة قبل أن يستأنف هجومه، لكنه أخطأ مجدداً، ولم يشق نصله سوى الهواء الفارغ.
"مجرد تحدثي إليك لا يعني أنه يجب عليك الرد برد فعل؛ لو كنا في ساحة معركة، فإن هذه اللحظة الوجيزة من التجمد كافية لقتلك يا ويليامز"، أضاف إيثار وهو يتفادى هجومين متتاليين وكأنه يرى المستقبل.
وبقيت رزانته ثابتة تماماً رغم الاعتداء المستمر، 'بما أن هجماتي قابلة للتنبؤ بسهولة، سأدمج الخدع ضمنها'، فكر ويليامز في سره وعقله يعمل بسرعة بحثاً عن طريقة لسد الفجوة الهائلة بينهما.
تحرك مجدداً، ومزق سيفه الأسود الطريق نحو قلب إيثار كأنه يهدف إلى شطره نصفين، لكن في اللحظة الأخيرة التي اعتاد إيثار فيها على التفادي، غيّر مسار هجومه. وجه ضربته هذه المرة نحو خصر إيثار بحركة وقوة مميتتين، محاولاً المناورة ضد النمط الذي قُرئ بسهولة بالغة.
ورغم أنه ضبط توقيت اللحظة التي يتفادى فيها إيثار بدقة متناهية، إلا أن ذلك كان بلا جدوى؛ فإذا كان قد ضبط توقيته، فما على إيثار سوى تقليص ذلك التوقيت بزيادة سرعته الخاصة. وهكذا تحركت صورة إيثار مجدداً، وانزاح جسده إلى الخلف متفادياً الضربة بسهولة تامة.
وعلى عكس ويليامز، لم يتحول جسده إلى صور ضبابية أو أشباح؛ بل كان ببساطة موجوداً في تلك اللحظة، وكأن المكان نفسه اعترف بوجوده وعدّل نفسه وفقاً لذلك.
"هوو! أنت تتعلم، دمج الخدعة مع توقيت تفاديي، هذا جيد، لكن يبدو أن الخدع شيء لم تتدسيد عليه أبداً أو لم تكترث له حتى الآن"، علق إيثار كأستاذ يرى ثغرات طلابه جميعاً.
لم تكن نبرته ساخرة ولا مشجعة، بل كانت مجرد تقرير لواقع حال، "علاوة على ذلك، عندما قلت إن هجماتك قابلة للتنبؤ للغاية، فمن الواضح أن خطوتك التالية ستكون استخدام الخدع لتصبح أقل قابلية للتنبؤ".
"وهذا الأمر، في نهاية المطاف، جعلك أكثر قابلية للتنبؤ مما كنت عليه"، أضاف إيثار دون تجميل لكلماته، وحمل صوته يقيناً هادئاً لم يدع مجالاً للإنكار.
ورغم كلام إيثار، لم يتوقف ويليامز عن هجومه ولو لثانية واحدة؛ فقد استوعب كل ما قيل له بينما كان يهاجم بأقصى كفاءة يستطيع حشدها، وتزايد تركيزه رغم الإحباط المتصاعد.
'رغم أنني يجب أن أثني عليك على الأقل لتوقيت الخدعة'، تأمل إيثار في سره، إذ ليس بمقدور الكثيرين ابتكار ذلك في الحال، خاصة أنها المرة الأولى التي يستخدمون فيها الخدع، وكان هذا اعترافاً خفياً بإمكانيات الفتى الخام.
'إنه موهوب حقاً'، فكر إيثار وهو يتفادى هجوماً آخر، 'من المحتمل أن يصل إلى رتبة الحياة نجم التاج عند سن الستين تقريباً'.
كان إيثار يفكر في ذلك دون جزمة كاملة، فهو يضع تقديرات بناءً على موهبة ويليامز الظاهرة ومعدل تكيفه فقط.
اشتدت قبضة ويليامز حول سيفه وأطلق مئة طعنة بدقة متناهية، موجهاً ضرباته نحو كل مسار في جسد إيثار يمكن أن يجد فيه ثغرة. كانت حركاته مدفوعة بالعزم وباليأس المتزايد لإصابة ولو ضربة واحدة.
تحول جسد إيثار أخيراً إلى صورة ضبابية من الحركة وهو يتفادى الهجمات المئة كلها في آن واحد بسهولة مدروسة، ولم يستخدم قوة أو سرعة تزيد عن الحاجة. لقد قياس بدقة الإيقاع الذي كان ويليامز يتحرك به وطابقه ببساطة، وكأنه يعكس نمطاً متوقعاً بدلاً من مواجهة تهديد حقيقي.
"مجرد تشديد قبضتك على سلاحك لا يعني أن هجماتك تصبح أكثر فتكاً أو سرعة؛ ففي النهاية، ومن بين تلك الهجمات المئة المتتالية، كانت الثلاثون الأخيرة عديمة الفائدة".
"وقد امتلكَت سرعة وقوة ودقة أقل من السبعين الأولى"، تحدث إيثار وتوقف جسده على بعد ثلاثة أمتار من ويليامز، وبقيت وقفته مسترخية وكأن التبادل لم يكن أكثر من تمرين تافه.
قلص ويليامز المسافة مجدداً، مستوعباً نصيحة إيثار في الوقت الفعلي، وظل تنفسه منتظماً رغم حدة حركاته.
واصل إيثار الكلام ببساطة، غير مكترث بزخم الهجمات: "كان ينبغي لك التوقف عند السبعين؛ فالثلانون الأخيرة جعلتك تضيع الوقت والقوة والقدرة على التحمل والكفاءة فحسب".
"بل وخلقت ثغرة يمكن لأي شخص استغلالها"، تدفقت كلماته بانسيابية تماثل انسيابية حركاته.
'ليتمكن من قراءة مئة هجوم كلها، كل واحد في وقته، ويتفاداها في آن واحد... إن الفجوة كبيرة جداً'، فكر ويليامز في سره وهو يتحرك، لكنه كان هنا ليتعلم، لذا كانت كل كلمة تخرج من فم إيثار كنزاً ثميناً في هذه اللحظة، شيئاً يجب استيعابه وصقله ضمن أسلوبه الخاص.
بناءً على نصيحة إيثار، خفف ويليامز فوراً قبضته على سيفه بجزء بسيط، ثم أطلق سبعين هجوماً متتالياً، لكن مجدداً تفادى إيثار جميعها وكأنه يلاطف طفلاً فشل في إدراك عبث جهده، دون أن تتغير تعابير وجهه.
ورغم أن إيثار أسدى له النصيحة، إلا أن ذلك لم يعني أنه سيتبعها فقط دون تجسيدة شيء جديد؛ فإذا كان بإمكانه إطلاق سبعين هجوماً مثالياً، فلمَ لا يقلل العدد؟
ثم يوجه السرعة والقوة اللازمتين لسبعين هجوماً إلى نصف ذلك العدد، مركزاً القوة بدلاً من تبديدها.
اشتدت قبضته مجدداً، لكن هذه المرة بدا الأمر أكثر طبيعية، وأصبح توازن سيفه ومعصمه أفضل، واستوت كتفه مع يده ونصله أثناء الحركة. تحول سيفه الطويل إلى صور ضبابية سوداء ملأت الهواء حول إيثار، وكانت كل حركة أكثر حدة وعمداً مما سبق.
رفع إيثار رأسه مواجهًا الهجوم القادم؛ استطاع الشعور به، فالرياح كانت تتمزق مع اقتراب الضربات. كانت أكثر حدة وسرعة وخطورة، وحتى الرياح صرخت استجابة لها، وكأنها تقر بالتحسن الدقيق الذي لا يمكن إنكاره في تقنية ويليامز.