الفصل 808: حفرة الهاوية
---
التفت إيثار لينظر إلى الدمار الذي التهم محيطًا يبلغ قطره أربعمئة متر. حقًا، في العالم أشياء فريدة لا تُحصى؛ حقًا، لا أحد كان ليظن أن ذلك الكائن الجلمودي الصغير الهزيل يمتلك قوة كافية لإحداث دمار بهذا الحجم، ولا كان ليتوقع أن يختزن تلك الاحتياطيات الهائلة من طاقة الأسترا.
رغم أن إيثار جعل الأمر يبدو يسيرًا، إلا أنه كان يدرك أن العديد من الطلاب لربما لاقوا حتفهم في مواجهة ذلك الجلمود الصغير. فمجرد الهجوم الذي محا الأرض من تحت قدميه كان كافيًا ليقضي على معظم الناس. ثم كانت هناك قدرته على التلاعب بالصخور، وقدرته على تفجير الحجر، بل وحتى مقدرته على إخفاء وجوده عبر طاقة الأسترا المحيطة. مما لا شك فيه، أن القليل جدًا كانوا ليلحقوا بالجلمود الحقيقي لو قرر أن يختفي للأبد ويوهم خصمه بأنه قد هلك.
أصدر سوار إيثار صفيرًا إذ تلقى أربعة آلاف نقطة. نقاط كانت أعلى حتى من المبلغ الذي حصل عليه من وحش السحلية من رتبة قبر.
مما عنى أن المنافسة بين الإمبراطوريات ذاتها كانت تدرك القوة التدميرية التي يمتلكها الجلمود. ولو أن إيثار أتاح له فرصة القتال على نحو سليم، لكان قد أظهر بالضبط لماذا اعتبر نظام النقاط في المنافسة أنه أقوى من بعض وحوش رتبة قبر.
هز إيثار رأسه، قارًا ألا يفكر في ذلك أكثر. وبلمحة خاطر، حلق في الهواء ثم انطلق قُدمًا بصوت مدوٍ وهو يقطع المسافة في بضع ثوان. وما أن غادر محيط الدمار الذي قطره أربعمئة متر، حتى أبطأ سرعته واستأنف بحثه عن الطلاب والوحوش.
مرت بضع ساعات كالبرق، وكانت الساعة قد بلغت الرابعة عصرًا. طوال ذلك الوقت، قضى إيثار وقته في مصارعة وحش تلو الآخر. والأكثر إدهاشًا أنه صادف غرغولات، لكنه تخلص منهم أيضًا بسيداطة جأش وهدوء.
قرر إيثار أن يكف عن ترك الوحوش تأتي إليه. وبدلًا من ذلك، استخدم الإحساس النجمي ليصطاد كل كائن صغير من مخبئه.
كهف؟ مغارة؟ كوة؟ مأوى صخري؟ أنفاق؟
ظهر في كل واحدة منها ورسمها بالدماء قبل أن يغادر. ولم يهم إن كانت دون رتبة نقاب وتمنحه صفرًا من النقاط؛ فطالما كانت حية، فإنها تموت في اللحظة التي تقع فيها عيناه عليها. كان يفعل بالضبط ما فعله في غابة المستنقعات، لكن تلك الغابة لم تكن بحجم هذا الوادي الجاف الشاسع.
أما الناظرون فلم يقدروا إلا أن يحدقوا في دهشة، إذ أظهر إيثار مهارة تلو الأخرى، متلاعبًا بكل انتماء بأقصى كفاءة. وما أذهلهم أكثر كان قدرته الحسية التي مكنته من العثور على أي شيء حي. ورغم أنهم لم يعرفوا ماهية تلك القدرة، إلا أنهم أُخذوا بها أيما أخذ.
[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]
قدرة الإحساس النجمي كانت تغطي كيلومترات، ومع تحكم إيثار الحالي بطاقة النجم، توسع مداها فيما أصبحت قدراتها الحسية أكثر وضوحًا.
ولم يكن ذلك فحسب. فإلى جانب الفتاة والفتى اللذين صادفهما سابقًا، التقى إيثار بعشرة طلاب آخرين. ومن بين العشرة، حاول أربعة قتاله من أجل نقاطه، وكان إيثار قاسيًا معهم إذ اقتطع طرفين من كل منهم، ذراعًا وساقًا، كتعويض. أما الستة الباقون، فما إن نطق إيثار باسمه حتى انقلبوا على أعقابهم وولوا هاسيدين، معززين سرعتهم بطاقة الأسترا.
لم يطاردهم إيثار. لقد أضحكه الأمر فحسب، ثم طار بعيدًا، معجبًا على الأقل بغريزة بقائهم، على عكس الأربعة الآخرين الذين تجرأوا على محاربته.
على الأقل كان من المنعش أن يعلم أن ليس الجميع أغبياء.
لم يفاجأ إيثار بأنه صادف عددًا كبيرًا من الطلاب داخل الوادي العظيم ولا أحدًا في غابة المستنقعات السامة. ففي النهاية، تلك الغابة لم تكن مختلفة عن بداية على مستوى الجحيم، إذ قد لا يدرك الكثيرون أنهم يستنشقون هواءً سامًا ويواصلون استنشاقه كالحمقى.
وأيضًا، كان الوادي الجاف العظيم واسعًا بما يكفي ليحتوي على العديد من الناس. وبالطبع، في الأوقات التي لم يكن لديه ما يفعله، كان إيثار يحلق في الجو ويشاهد الطلاب وهم يتقاتلون فيما بينهم. كان مصدرًا عظيمًا للترفيه ومنظرًا بهيجًا، إذ أتيحت له فرصة مشاهدة أنواع مختلفة من القدرات والأسلحة.
حقًا، كان الجميع موهوبين، لكن للأسف، خمسون فقط سيتأهلون. ورغم ذلك، لا يزال الجميع يريدون ترك بصمتهم في عقول الناس وقلوبهم.
كان إيثار يطير في الجو حينها، وإحساسه النجمي يمسح كل ما حوله. لكن فجأة، التقطت حواسه شيئًا مشؤومًا أمامه. عندئذ، زاد سرعته متسابقًا نحوه، وفي غضون بضع ثوانٍ وصل، وحطت قدماه على الأرض بهدوء وسلاسة.
أمام إيثار كانت حفرة ضخمة. لا، وصفها بحفرة كان مجاملة. ففي هذه المرحلة، لم تكن مختلفة عن هاوية، إذ لم ينبعث منها سوى ظلام دامس، لا أثر للضوء على الإطلاق. لكن ذلك لم يكن الجزء الأكثر إثارة للقلق. كلا، لقد أحس إيثار بشيء مشؤوم في الأسفل، وهو ذات الشيء الذي أحس به قبل وصوله، لكنه كان الآن أقوى بكثير.
'منطقة سلبية'، فكر إيثار في نفسه وهو يتوصل إلى استنتاج... لكن هذه المنطقة السلبية بالذات بدت مفتوحة، وكأنها تعلن عن نفسها للعالم.
تحولت عينا إيثار نحو الأرض المحيطة بالحفرة الشبيهة بالهاوية. رأى آثار أقدام متعددة. بعضها أظهر أن طلابًا جريئين قفزوا إلى هذا المكان، بينما كشفت أخرى أن بعض الطلاب قد أحسوا بما يكمن في الداخل وتراجعوا بحكمة.
'كائن من الرتبة السابعة؟ أو ربما الثامنة؟' فكر إيثار في نفسه وعيناه الأرجوانيتان تلمعان بتأمل.
تذكر أن المعلق توماسينيو لم يذكر أبدًا سقف نظام القوة للعدو الذي كان من المفترض أن يواجهوه خلال جولة التصفيات التي تستمر أربعة أيام.
رغم أنه كان قادرًا على مجابهة إيموفيراي من الرتبة السابعة أو وحوش فئة التاج، إلا أن أي شيء فوق ذلك كان في دوري مختلف تمامًا.
قبل أسبوع، كان قد مازح أنه ربما سيكون قادرًا على مواجهة حامل رتبة غبار نجم خال، لكن ذلك كان حينها وهذا الآن. لقد كان مجرد فكرة، لم يستطع إثباتها. وإيثار لم يكن شخصًا يستمتع بملاقاة الموت، لذا لم يكن مستعدًا لاختبار تلك الأفكار بحياته. كان شخصًا حذرًا بطبعه.
علاوة على ذلك، كانت هذه منطقة سلبية، ووفقًا لفهمه، فإن المناطق السلبية قد تكلفه نقاطًا أو تخصمها منه بلا سبب واضح. كان إيثار يتخيل سيناريو يقفز فيه ويُصاب فورًا بتأثير منطقة سلبية يعيد نقاطه إلى الصفر. بدا الأمر شائنًا، لكنه كان ممكنًا جدًا.
القفز أو عدم القفز.
أصبح ذلك سؤال إيثار الوجودي. نصف عقله كان يتقد فضولًا، بينما كان النصف الآخر يدوي بتحذيرات حذرة وأجراس إنذار.
بعد تفكير للحظة، التفت إيثار ومشى مبتعدًا عن الحفرة الشبيهة بالهاوية.