الليل كان يقترب من نهايته.
النجوم بدأت تختفي ببطء خلف خيوط الفجر الأولى، بينما كانت مدينة أركافيل ما تزال مستيقظة.
أصوات الجنود في الشوارع.
صليل الدروع.
وأوامر الحراس التي تتردد بين الأزقة.
المدينة كلها كانت تبحث عن شخص واحد.
كايلان.
في الجهة الشمالية من السور، كان ثلاثة ظلال يتحركون بسرعة بين المباني القديمة.
دارين كان يلهث قليلاً.
"أقسم… عندما قلت إن حياتي مملة، لم أقصد هذا النوع من الإثارة."
رين لم يلتفت حتى.
"حاول أن تبقى حيًا أولاً… ثم يمكنك الشكوى."
كايلان كان صامتًا.
عيناه تتجهان أحيانًا نحو السماء.
الصدع ما زال هناك… كجرح أزرق في الغيوم.
وأحيانًا كان يشعر وكأن شيئًا… ينظر من خلاله.
رنّ صوت بعيد فجأة.
قرن حراسة.
رين توقف فورًا.
"توقفوا."
تجمد الثلاثة في أماكنهم.
بعد لحظات، ظهر ضوء مشاعل على طرف الزقاق.
دورية حراسة.
دارين تمتم:
"رائع…"
رين أشار إلى باب خشبي نصف مكسور.
"من هنا."
دخلوا بسرعة إلى مبنى قديم يبدو أنه كان مخزنًا مهجورًا.
الغبار يملأ المكان.
وصناديق مكسورة مكدسة في الزوايا.
انتظروا بصمت حتى مرّت الدورية.
بعد أن اختفى الضوء…
تنفس دارين بارتياح.
"أنا بدأت أفتقد الأيام التي كان أكبر مشاكلي فيها هو دفع ثمن الطعام."
كايلان جلس على أحد الصناديق.
ثم قال:
"رين."
رين رفع نظره.
"نعم؟"
كايلان قال بهدوء:
"ما هي أورين حقًا؟"
صمت قصير ملأ المكان.
رين لم يجب فورًا.
بل سار نحو نافذة مكسورة، ونظر إلى السماء.
ثم قال:
"أورين… ليست مدينة."
دارين عبس.
"إذن ماذا هي؟"
رين رد:
"أطلال."
ثم أضاف:
"أقدم أطلال في هذا العالم."
كايلان قال:
"حضارة قديمة؟"
رين هز رأسه.
"أقدم من ذلك."
ثم قال ببطء:
"قبل الممالك…"
"قبل الإمبراطوريات…"
"قبل أن يعرف البشر حتى ما هو الصدع…"
كان هناك مكان واحد يفهم هذه الأشياء.
أورين.
دارين قال:
"دعني أخمن."
"اختفت بطريقة غامضة؟"
رين ابتسم ابتسامة خفيفة.
"بالطبع."
كايلان قال:
"وما علاقتها بي؟"
رين نظر إليه مباشرة.
"كل شيء."
الريح تسللت من النافذة المكسورة.
وأصوات المدينة البعيدة ما تزال تصل إليهم.
ثم قال رين فجأة:
"حان الوقت."
دارين وقف.
"للخروج؟"
رين هز رأسه.
"قبل أن يغلقوا البوابات."
خرجوا من المخزن بحذر.
هذه المرة لم يسلكوا الأزقة.
بل تحركوا نحو السور الشمالي مباشرة.
عند طرف المدينة، كان هناك باب صغير في الجدار الحجري… بالكاد يكفي لمرور شخص.
رين أخرج مفتاحًا صدئًا من جيبه.
دارين رفع حاجبه.
"لا أريد أن أعرف."
رين فتح الباب.
قبل أن يخرجوا…
توقف كايلان لحظة.
نظر خلفه إلى أركافيل.
المدينة التي دخلها قبل أيام فقط.
لكن حياته فيها تغيرت بالكامل.
ثم قال بصوت منخفض:
"هل سنعود؟"
رين رد بدون أن يلتفت.
"إذا بقينا أحياء."
خرجوا.
وخلفهم أُغلق الباب الحجري بصوت ثقيل.
خارج السور…
كان العالم مختلفًا.
السهول امتدت حتى الأفق.
الهواء كان أبرد.
وأكثر هدوءًا.
لكن دارين قال فجأة:
"إذن… كم تستغرق الرحلة؟"
رين قال:
"إذا سارت الأمور جيدًا؟"
سكت لحظة.
ثم قال:
"أسبوعين."
دارين حدق فيه.
"أسبوعين؟!"
رين أضاف:
"وإذا سارت الأمور كالمعتاد…"
نظر إلى الصدع في السماء.
"...أقل."
كايلان عبس.
"كيف يكون أقل؟"
رين ابتسم ابتسامة غامضة.
"لأن الطريق إلى أورين…"
"...يمر قرب الصدوع."
صمت قصير.
ثم قال دارين:
"أنا أكره هذه الرحلة بالفعل."
لكن بعيدًا عنهم…
على تل مرتفع يطل على الطريق.
وقف شخص يراقبهم.
رداء أسود طويل.
وقناع يغطي نصف وجهه.
في يده… خريطة.
وعليها دائرة مرسومة حول كلمة واحدة.
أورين.
ابتسم الرجل ببطء.
ثم قال لنفسه:
"إذن… بدأ يتحرك أخيرًا."
وفي مكان آخر…
أبعد بكثير من أركافيل.
داخل قاعة حجرية قديمة.
كانت امرأة تقف أمام نافذة ضخمة.
شعرها الفضي يتمايل مع الريح.
وعيناها البنفسجيتان تنظران إلى السماء.
حيث يتوهج الصدع.
همست بهدوء:
"...وريث."
لكن ظلها على الأرض…
تحرك قبلها بلحظة.
ثم قالت الكلمة الثانية:
"متأخر…"
والعالم…
كان على وشك أن يصبح أكثر خطورة.