الريح التي هبت فوق التل لم تكن طبيعية.
باردة… وثقيلة.
كايلان رفع رأسه مرة أخرى نحو السماء.
الصدع الأزرق كان ما يزال معلقًا بين الغيوم مثل جرح مفتوح. الضوء داخله يتحرك ببطء، كأن شيئًا ضخمًا يتنفس خلفه.
دارين تمتم:
"لم أرَ شيئًا كهذا في حياتي."
الرجل الغامض لم يبعد نظره عن السماء.
قال بهدوء:
"ولا أنا… منذ سنوات."
كايلان نظر إليه.
"منذ سنوات؟"
لكن الرجل لم يشرح.
بل بدأ يمشي نزولًا من التل.
"علينا التحرك."
دارين سأل:
"إلى أين؟"
الرجل أجاب دون أن يلتفت:
"إلى مكان فيه جدران."
"تقصد مدينة؟"
"بالضبط."
الطريق عبر الغابة كان طويلًا وصامتًا.
أحيانًا كانت الأشجار تتحرك قليلًا رغم أن الريح كانت ساكنة.
مرة واحدة فقط توقف الرجل الغامض فجأة.
رفع يده.
الثلاثة تجمدوا.
صوت بعيد… يشبه زئيرًا مكتومًا… جاء من أعماق الغابة.
دارين همس:
"هل هذا—"
الرجل قاطعه:
"فلرا."
ثم أضاف بهدوء:
"لكنها بعيدة."
تابع السير وكأن الأمر لا يستحق القلق.
لكن كايلان شعر بشيء آخر.
كلما نظر إلى السماء…
شعر أن الصدع ينظر إليه أيضًا.
مع اقتراب الغروب…
ظهرت الأسوار.
مدينة كبيرة نسبيًا تحيط بها جدران حجرية عالية.
أبراج حراسة ترتفع فوق البوابات، والمشاعل تشتعل على طول السور.
فوق المدخل كان اسم المدينة محفورًا في الحجر.
أركافيل.
دارين تنفس بارتياح.
"أخيرًا."
لكن الرجل الغامض كان يحدق في الأبراج.
قال بصوت منخفض:
"ابقوا هادئين."
كايلان سأله:
"لماذا؟"
الرجل أشار إلى السماء.
الصدع كان واضحًا فوق المدينة.
"لأن الجميع هنا رآه."
عند البوابة…
كان الحراس متوترين.
أحدهم أوقفهم.
"توقفوا."
عيناه تحركتا بين الثلاثة.
"من أين جئتم؟"
دارين أجاب:
"من الجنوب."
الحارس نظر إلى كايلان طويلًا.
ثم قال:
"هل كنتم بالقرب من الجبال؟"
الرجل الغامض رد قبل أن يتكلم أحد.
"لا."
صمت قصير.
ثم فتح الحارس البوابة.
"ادخلوا… لكن لا تسببوا مشاكل."
داخل المدينة…
القلق كان واضحًا في كل مكان.
الناس ينظرون إلى السماء.
الأحاديث كانت متوترة.
رجل في السوق كان يصرخ:
"إنها نذير خراب!"
امرأة عجوز كانت تردد صلوات بسرعة.
دارين قال:
"المدينة على وشك الذعر."
الرجل الغامض رد:
"وسيصبح أسوأ عندما تصل الأخبار."
كايلان سأله:
"أي أخبار؟"
الرجل توقف.
نظر إليه مباشرة.
"أن الصدع فتح… بسبب إنسان."
شعر كايلان بقشعريرة.
دخلوا شارعًا جانبيًا أهدأ قليلًا.
المشاعل ترمي ضوءًا برتقاليًا على الجدران.
توقف الرجل أخيرًا أمام حانة صغيرة.
قال:
"سنرتاح هنا الليلة."
دارين ابتسم.
"فكرة ممتازة."
لكن قبل أن يفتح الباب—
كايلان قال فجأة:
"انتظر."
الرجل نظر إليه.
كايلان قال ببطء:
"كفى."
صمت قصير.
"أنت تعرف الكثير."
"عن الصدوع."
"عن المخلوقات."
"عن القوة التي في داخلي."
اقترب خطوة.
"من أنت؟"
دارين نظر بينهما بترقب.
الرجل الغامض ظل صامتًا للحظة.
ثم تنهد.
رفع يده…
وأزال الغطاء الذي كان يخفي جزءًا من وجهه.
كان في أواخر الثلاثينات.
ملامحه حادة.
وعلى خده الأيسر…
ندبة طويلة قديمة.
قال بهدوء:
"اسمي… رين."
دارين عبس.
"رين ماذا؟"
الرجل ابتسم ابتسامة خفيفة.
"رين فالور."
الصمت سقط فجأة.
دارين اتسعت عيناه.
"انتظر…"
"هل تقصد—"
رين أكمل الجملة بدلًا منه.
"نعم."
ثم قال بهدوء:
"القائد السابق لحراس الصدع."
كايلان تجمد.
"حراس… الصدع؟"
رين نظر إلى السماء.
إلى الشق الأزرق الذي يقسم الغيوم.
ثم قال:
"منذ مئة عام تقريبًا…"
"ظهرت الصدوع لأول مرة."
"وتم إنشاء جماعة لحراستها… ومنع ما بداخلها من الخروج."
دارين قال ببطء:
"حراس الصدع… كانوا مجرد أسطورة."
رين هز كتفيه.
"الأساطير غالبًا تبدأ بحقيقة."
كايلان سأله:
"ولماذا قلت كنت قائدهم؟"
وجه رين أصبح أكثر جدية.
قال بصوت منخفض:
"لأن الحراس لم يعودوا موجودين."
"تمت خيانتهم."
قبل أن يستطيع أحد أن يسأل—
صوت معدني جاء من خلفهم.
تك.
ثم صوت آخر.
تك.
الثلاثة استداروا.
ثلاثة أشخاص كانوا يقفون في نهاية الشارع.
دروع سوداء خفيفة.
أسلحة تشبه الرماح القصيرة.
وعلى صدورهم…
رمز فضي.
عين داخل صدع.
دارين همس:
"من هؤلاء؟"
رين لم يبدو متفاجئًا.
بل ابتسم ابتسامة صغيرة.
"الصيادون."
أحد الثلاثة تقدم خطوة.
عيناه مثبتتان مباشرة على كايلان.
قال بصوت بارد:
"لقد شعرنا بالطاقة."
ثم أضاف:
"سلّموا حامل الصدع… ولن يتأذى أحد."
دارين وضع يده على مقبض سيفه.
أما رين…
فأدار كتفه قليلًا.
والابتسامة ما زالت على وجهه.
قال بهدوء:
"أتعرف ما المشكلة في الصيادين؟"
الصياد لم يرد.
رين أكمل:
"أنهم ينسون أحيانًا…"
عيناه أصبحتا باردة فجأة.
"...أن بعض الوحوش تستطيع الصيد أيضًا."
ثم مد يده نحو سلاحه.
والشارع الضيق أصبح فجأة…
على وشك الانفجار.