الغابة كانت تئن.
ليس من الريح. ليس من البرد. كانت تئن من الترقب. الأشجار العملاقة د كانت تتشقق من الداخل، كأنها تسمع شيئاً لا تسمعه الآذان. الضوء لم يعد يتسلل بين أغصانها؛ كان يتراجع، كحيوان يشعر بالخطر قبل أن يراه. الهواء صار ثقيلاً كالرصاص، كل جزيئة فيه تزن ألف سنة من الانتظار.
وفي وسط هذا كله — وقفوا.
ثلاثة ظلال على حافة الهاوية.
وأمامهم — كان الفراغ الذي سيأتي
سيبرو: "ابتعدا."
الكلمتان لم تخرجا من فمه. خرجتا من الفضاء حوله. صوته لم يكن مجرد اهتزاز في الهواء — كان تموجاً في الواقع نفسه. كل حرف سقط كحجر في بحر ساكن، والدوائر التي رسمها كانت كفيلة بأن تجعل الغابة تبتعد عنه بضعة سنتيمترات. الأشجار لم تتحرك — لكن ظلالها ارتعدت.
سون: "لا. سنقاتل معًا."
لكن سيبرو لم يستمع.
خطا خطوة إلى الأمام.
خطوة واحدة.
لكنها كانت أثقل من كل ما مشى على هذه الأرض. قدمه لمست التربة — والتربة صرخت. ليس صراخاً مسموعاً — صراخاً مرئياً. تشققت الأرض تحت قدمه كأنها مرآة وقعت من ارتفاع السماء، والشقوق لم تكن عشوائية — كانت مرسومة، كخريطة لمنطقة لا يعود لأحد أن يدخلها.
وسون وآيل لم يتراجعا بالجسد فقط. تراجعا بالزمن. كل شيء في أجسادهما قال: هذه اللحظة ليست لنا. أقدامهما انزلقت للخلف سنتيمترين دون أن تتحرك عضلة واحدة، كأن الكون نفسه دفعهما للخلف برفق وحزم.
ليس خوفاً.
بل لأن تلك الخطوة قالت لهما بلغة لا تحتاج إلى آذان:
هذا وقتي. هذا ما تدربت من أجله. هذا المكان لا يتسع لأحد غيري الآن. اجلسا و انظرا
اللزج هجم.
لكن كلمة هجم هي أكبر كذبة في قاموس اللغة.
لم يتحرك هو — انقلب العالم.
تلك السوائل السوداء التي كانت تسكن تحت جلده، التي كانت تنتظر في عروقه كبحار لا تعرف الشاطئ — انطلقت. ليس من كميه فقط. من كل مسام في جسده. من تحت أظافره. من زوايا عينيه. من الفراغ بين أنفاسه.
انطلقت كألف أفعى عمياء تبحث عن قلب فريستها.
لكنها لم تكن أفعى. كانت شيئاً آخر. كانت سوائل من عالم لا تعرف فيه الفيزياء معنى. لم تتحرك في خطوط مستقيمة — كانت تطوي المسافة. كانت هنا ثم هناك دون أن تعبر المكان بينهما. كأنها تقرأ أفكار سيبرو قبل أن يشكلها، وتضرب الأماكن التي سيكون فيها قبل أن يقرر الذهاب إليها.
الظلام حولها لم يكن ظلاماً عادياً. كان جوعاً. كل سنتيمتر تمر به هذه السوائل كان يتحول إلى ليل أبدي، ليل لا تعود الشمس منه أبداً. الأشجار التي لمستها لم تتحطم — ذبلت. ذبلت كأنها عاشت ألف عام في ثانية، كأن الزمن قرر أن ينتقم منها دفعة واحدة.
وسيبرو —
وقف.
يداه لا تزالان مشبوكتين خلف ظهره.
عيناه نصف مغمضتين.
تنفسه لم يتغير.
كأن الألف أفعى السوداء التي تتجه نحوه بسرعة تفوق سرعة الصوت هي مجرد هواء.
كأن الموت نفسه — عندما يأتي إليه — يطرق الباب أولاً.
ظهر سيبرو وراء مجرم.
كيف؟
الزمن نفسه توقف للحظة ليسأل هذا السؤال. العين التي كانت تراقب — لو كانت هناك عين — لم تستطع أن تتبع الانتقال. لم يكن اختفاء. لم يكن سرعة. كان إعادة كتابة للموقع في نص الكون. كان سيبرو هنا — ثم حذف السطر وكتب نفسه هناك.
من يديه — اللتين لا تزالان خلف ظهره، كأنهما في إجازة من هذه المعركة — انطلق طوف.
لكن كلمة طوف لا تصف ما حدث.
كان انفجاراً صامتاً.
انفجرت من راحتيه عطور لا تنتمي لهذا العالم. رائحة تمس الروح — ليست رائحة تشمها الأنف. رائحة تلمسك من الداخل. تلمس الذكريات التي نسيتها. تلمس الجروح التي ظننت أنها اندملت. تلمس الخوف الذي دفنته تحت طبقات من القسوة والكبرياء.
الألوان انطلقت قبل الرائحة:
· وردي شفاف كأنفاس طفل تموت أمه.
· أزرق باهت كذكريات لا تستطيع نسيانها.
· أصفر يتلوى كالخوف نفسه عندما يرى شكله في المرآة.
انطلقت هذه الألوان كأضواء قطبية في عالم لا يستحق الجمال. دارت حول اللزج كطواف الموتى حول كعبتهم الأخيرة. تخللت جسده قبل أن تدخل إلى أنفه. لأن الرائحة هنا لم تكن رائحة — كانت غزواً من الباب الخلفي للروح.
اللزج راوغ.
قفز فوق الشجرة.
لكن الشجرة التي قفز فوقها لم تكن شجرة. كانت عملاقة. كانت من تلك الأشجار التي كانت هنا قبل أن يعرف البشر كيف يشعلون النار. ارتفاعها كان يكفي لأن تختبئ خلفها الجبال. أغصانها كانت كالجسور بين الغيوم.
قفز فوقها — ليس كإنسان يقفز. ككيان يرفع قدميه عن أرض لا تستحق أن تلمسه.
وقف في الهواء.
ليس لثانية. لعمر.
وقف هناك، في قمة قفزته، والجاذبية تنتظر أن تسحبه إلى الأسفل، لكنها — لأول مرة في تاريخها — ترددت. كأنها رأت من يقفز عالياً لدرجة أن السقوط صار خياراً وليس قانوناً.
ثم بدأ يضحك.
ضحكة الذي رأى كل شيء.
مجرم: "أوهههههههههههه... ماذا فعلت أيها الصغير؟"
صوته كان يأتي من كل مكان. من أعلى الشجرة. من تحت الأرض. من بين أغصان الشجر التي كانت لا تزال تهتز من قفزته.
مجرم: "أظن أنني — لوهلة — شعرت بشعور الخوف في قلبي..."
توقف. ضحكة أخرى. لكن هذه الضحكة لم تكن من فمه. كانت من عينيه. من تلك العيون التي رأت آلاف السنين من العذاب. من تلك العيون التي شاهدت أطفالاً يموتون وأمهات يبكين وشعوباً تندثر — ولم تدمع مرة واحدة.
مجرم: "لكن... ههههههه... أظن أن مهارتك لديها نقطة ضعف كبيرة."
بدأ ينزل. ببطء. كأن الجاذبية تعتذر عن تأخرها.
مجرم: "ألا وهي — لا تعمل على مجرمين رأوا كل أنواع العذاب."
لمست قدماه غصناً رفيعاً. غصن لا يحمل حتى عصفوراً. لكنه حمله. لأنه هو.
مجرم: "تعمل فقط على أشخاص ليس لديهم أي مأساة. عقولهم صافية. قلوبهم لم تتسخ بالدماء."
سون: "سيبرو... ماذا يقول هذا الأحمق؟"
صوت سون كان خافتاً. ليس من ضعف. من ذهول. ما قاله اللزج كان كمن يعرف شيئاً لا يعرفه حتى سيبرو نفسه.
سيبرو: "معه حق."
ابتسم.
لكن ابتسامته كانت كمن يملك بطاقة لم يظهرها بعد.
سيبرو: "كلامه صحيح."
نظر إلى اللزج. ونظرته — تلك النظرة الواحدة — كانت كافية لأن تجعل الغابة تبتعد عنه خطوتين.
سيبرو: "لكن... لسوء حظك..."
ابتسامته اتسعت. لم تعد ابتسامة إنسان. صارت ابتسامة من يعرف أن خصمه لا يعرف كل شيء.
سيبرو: "أمتلك نوعين من الروائح."
رفع إصبعاً واحداً. الإصبع كان يزن ألف كلمة.
سيبرو: "رائحة تمس الروح — التي استعملتها عليك."
رفع إصبعاً ثانياً.
سيبرو: "ورائحة... مادية."
وضع سيبرو يده إلى الأمام.
ولم تكن يده مجرد يد. كانت أبواب الجحيم تفتح واحدة تلو الأخرى.
من راحته — من بين أصابعه التي لم تكن أصابعاً بقدر ما كانت أعمدة — ظهرت أربعة أنابيب (tubes). كل واحد منها كان يحمل في طياته نوعاً من الموت لا يعرفه الأطباء
𝕿𝖍𝖊 𝕱𝖎𝖗𝖘𝖙 𝕿𝖚𝖇𝖊 : 𝕿𝖍𝖊 𝕲𝖗𝖊𝖊𝖓 𝖔𝖋 𝕰𝖓𝖉𝖎𝖓𝖌
الأول — أخضر سام — لم يكن أخضراً بالمعنى البصري. كان أخضراً بالشعور. عندما تنظر إليه، تشعر أن كل ورقة في الغابة تذبل. تشعر أن كل نبات يتنفس للمرة الأخيرة. كان لون الانقراض، لون العصر الذي ينتهي دون أن يشعر أحد.
𝕿𝖍𝖊 𝕾𝖊𝖈𝖔𝖓𝖉 𝕿𝖚𝖇𝖊 : 𝕿𝖍𝖊 𝖄𝖊𝖑𝖑𝖔𝖜 𝖔𝖋 𝕾𝖚𝖋𝖋𝖊𝖗𝖎𝖓𝖌
الثاني — أصفر كبريتي — كان يتحرك. ليس الأنبوب — اللون نفسه. كان يتلوى كأنه حي، كأنه يريد الخروج من حبسه. وهجه كان كفيلاً بأن يجعل الهواء يتراجع، بأن يجعل الرئة تفكر ألف مرة قبل أن تتنفس. كان لون المعاناة التي لا تنتهي.
𝕿𝖍𝖊 𝕿𝖍𝖎𝖗𝖉 𝕿𝖚𝖇𝖊 : 𝕿𝖍𝖊 𝕭𝖑𝖚𝖊 𝖔𝖋 𝕬𝖇𝖘𝖔𝖑𝖚𝖙𝖊 𝖅𝖊𝖗𝖔
الثالث — أزرق متجمد — لم يكن بارداً. كان البرودة التي تتجاوز البرودة. حوله، الهواء كان يتكاثف قبل أن يسقط كثلج. الأرض تحت الأنبوب كانت تتجمد في دائرة تتسع كل ثانية. كان لون الصمت الأبدي، لون القبور التي لا يزورها أحد.
𝕿𝖍𝖊 𝕱𝖔𝖚𝖗𝖙𝖍 𝕿𝖚𝖇𝖊 : 𝕿𝖍𝖊 𝕽𝖊𝖉 𝖔𝖋 𝕭𝖑𝖔𝖔𝖉 𝖀𝖓𝖘𝖕𝖔𝖐𝖊𝖓
الرابع — أحمر دموي — كان الأكثر هدوءاً. لم يتحرك. لم يهتز. لم يفعل شيئاً. لكنه كان ينتظر. ينتظر أن يفتح، أن يطلق، أن يذكر كل من يشمه بأن الدم هو أول لون رآه الإنسان عندما خرج من رحم أمه. كان لون البدايات والنهايات.
ثم انطلق.
لكن كلمة انطلق لا تصف ما حدث للزمن.
سيبرو لم يجرَ. لم يركض. لم يقفز.
اختفى.
اختفى من الوجود — ثم أعاد كتابة نفسه في مكان آخر.
أمام اللزج. خلفه. فوقه. تحته. في كل اتجاه ممكن في نفس اللحظة.
وكل مرة كان يظهر فيها — كان أنبوب (tube) من الأربعة يطلق رائحته.
الأخضر السام ملأ الغابة كسحابة موت، والأصفر الكبريتي تلوى بين أغصان الشجر كأفاعٍ نارية، والأزرق المتجمد جعل الأرض تصرخ من الصقيع الذي يتعمق في عظامها، والأحمر الدموي أطلق رائحة الموت نفسه — ليس موت الجسد، موت الروح.
الألوان تصارعت في الهواء. تداخلت. انفجرت. ولدت ألواناً ليس لها اسم في أي لغة بشرية. الأرجواني الذي يبكي. البرتقالي الذي يخاف. اللون الذي لا تراه إلا في كوابيس الذين رأوا كل شيء.
ووسط كل هذا الجمال المسموم — كان سيبرو غير مرئي.
ليس لأنه أخفى نفسه.
لأن الألوان جعلت العين تستسلم.
اللزج — في قلب الإعصار — كحّ.
مرة. مرتين. ثلاثاً.
ثم — توقف.
كأن لا شيء حدث.
مجرم: "مهارتك جيدة جداً... لكنها ضعيفة."
خطا خطوة نحو سيبرو. والأرض تحت قدميه — التي كانت مغطاة بطبقة من السموم والألوان — لم تؤثر فيه. كأن جسده كان محصناً ضد كل ما ترميه به الطبيعة.
مجرم: "الرائحة لا تؤثر في جسدي بشكل فعال."
ابتسامته عادت. لكنها هذه المرة كانت أوسع. أثقل. كأنها تزن ألف عام من المعارك.
مجرم: "هيا... للحرب مرة أخرى."
جلس اللزج في وضعية يوغا.
لكنها لم تكن يوغا بشرية.
جلس كمن يجلس على عرش غير مرئي. ظهره كان مستقيماً كحافة العالم. ركبتاه لمستا الأرض — والأرض تحت ركبتيه لم تتصدع. ذابت. ذابت كالجليد تحت نار لا ترى.
عيناه أغلقتا.
ولم يكن إغلاقهما نهاية رؤية. كان بداية رؤية أخرى. من تحت جفنيه المغلقتين، كان يرى كل شيء. كل ذرة ترتجف في الهواء. كل نبضة قلب في الغابة. كل قطرة عرق على جبين سون.
هالة من سوائل سوداء بدأت تتصاعد من حوله.
لم تكن تتصاعد كالدخان. كانت تولد من كل مسام في جسده. من تحت أظافره. من خلف أذنيه. من بين أصابع قدميه. كانت كأن الأرض نفسها تتنفس من خلاله، كأن جسده كان مجرد بوابة لعالم آخر — عالم لا يعرف فيه الضوء معنى.
السوائل ارتفعت حوله كجدار. كقبة. كـ كون صغير من الظلام المطلق. كانت تتحرك ببطء شديد — بطء الخلود — كأنها تريد أن تقول: لن تمر. مهما كانت سرعتك. لن تمر.
سيبرو — في تلك اللحظة — لم ينتظر.
انطلق.
بسرعة ليست سرعة.
كانت إلغاء للمسافة.
في جزء من المليون من الثانية — كان أمام القبة السوداء.
السوائل السوداء تحركت.
ليس كدفاع.
كـ جدار متحرك انطلق نحوه كسيل من رماح سائلة. كل رمح منها كان يحمل في طياته وزن بحر. الأرض تحت مسارها لم تتصدع — تبخرت. الصخور لم تتكسر — تلاشت. الهواء نفسه لم يصفر — اختفى، كأنه يعرف أنه لا مكان له بين هذه القوى.
سيبرو أطلق روائحه.
لكن هذه المرة — كانت مختلفة.
لم تكن مجرد روائح. كانت عوالم مصغرة من الموت.
الأخضر السام انطلق من يده اليسرى كإعصار مصغر، لونه يتغير كل جزء من الثانية — من أخضر الزمرد إلى أخضر المستنقعات إلى أخضر الجثث.
الأصفر الكبريتي تلوى حول ذراعه اليمنى كأفعى لا تنتهي، كل حلقة منها تحمل في طياتها رائحة كبريتية تكفي لقتل ألف رجل.
الأزرق المتجمد خرج من صدره كنبضة ثانية لقلبه، كل نبضة منها ترسل موجات صقيع تجعل الزمن نفسه أبطأ.
والأحمر الدموي — كان هناك. في كل مكان. لا يخرج من عضو معين. كان هو. كان سيبرو نفسه قد تحول إلى رائحة الموت المتجسدة.
والغابة — في تلك اللحظة — صارت لوحة لا يرسمها إلا المجانين.
الألوان لم تكن فوق الأشجار. كانت في الأشجار. في كل ورقة. في كل غصن. في كل ذرة تراب. الأخضر والأزرق ولدا لوناً ليس له اسم — لون الصراخ الذي لا يُسمع. الأصفر والأحمر صارا ناراً لا تحترق بل تتذكر — تتذكر كل جريمة ارتكبت في هذه الغابة منذ خلقها.
ووسط كل هذا الجمال المسموم — اختفى سيبرو.
ليس خلف شجرة. ليس خلف ضباب.
خلف الألوان نفسها.
كانت هناك — في تلك اللحظة — لوحة فسيفسائية من روائح مميتة، وفي وسطها، كان سيبرو كل مكان ولا مكان.
السوائل السوداء هجمت على المكان الذي كان فيه قبل لحظة — لكنها وجدت فراغاً. ليس فراغاً عادياً. فراغاً كان يتنفس. فراغاً كان يضحك.
لأنه — بسرعة خارقة لا تخضع لقوانين الفيزياء — كان بالفعل في مكان آخر.
ثلاثة أنابيب (tubes) سقطت على الأرض.
لم تكن مجرد سقوط.
كانت زرعاً.
غرست في التربة كبذور موت، غرست بدقة جراح يجري عملية في قلب مريض. كل أنبوب كان يعرف أين يغرس، كيف يغرس، متى يغرس.
ثم — انطلقت.
ثلاثة أعمدة من الرائحة المتكتلة — كل واحد بلون مختلف — توجهت نحو اللزج. لكنها لم تطير في خط مستقيم. كانت ترقص. كانت تعرف. كانت تتجنب أغصان الشجر التي كانت في طريقها، تلتوي حول الصخور التي كانت تعترضها، تبحث عن طريق إلى جسد اللزج كأنها تعرف أن أي عائق سيجعلها أقوى، كأنها تقول للعالم: لا شيء يحميك. لا شيء.
اللزج — بعينين ما زالتا مغمضتين — رفع يده.
لم يرفعها عالياً. رفعها ببطء. كمن يرفع سيفاً لا يريد استعماله لكنه لا يملك خياراً.
سوائل سوداء انطلقت من تحت قدميه.
لكنها لم تكن جداراً.
كانت موجة. موجة سوداء بارتفاع عشرة أمتار، بعرض الغابة كلها. كانت تأكل الأرض وهي تتحرك. كانت تبتلع الصخور والأشجار والهواء.
لكن الأنابيب الثلاثة — في لحظة عبقرية لا يمكن وصفها — لم تصطدم بالموجة.
اخترقتها.
كأنها كانت تعرف نقطة ضعفها قبل أن تتشكل. كأن سيبرو كان يقرأ الموجة السوداء ككتاب مفتوح، يعرف أين تضعف قبل أن تضعف، أين تنكسر قبل أن تنكسر.
بــــــــوممممم.
انفجار ليس من النار.
انفجار من الرائحة المتجسدة.
لم تكن مجرد رائحة تسبب غثياناً. كانت رائحة تضرب. تضرب كقبضة مليون رجل في نفس اللحظة. تضرب كأن كل ذرة في الهواء قررت أن تصبح عدواً للزج. تضرب كأن الغابة كلها قالت: يكفي.
اللزج انهض.
لم يقف — انطلق للأعلى. جسده ارتفع عن الأرض بفعل قوة الانفجار، ارتفع كصاروخ يعود إلى السماء التي أرسلته.
ولأول مرة — في جسده شيء لم يكن موجوداً قبل لحظة.
جرح.
صغير. رفيع. لا يتجاوز طوله إصبعاً.
لكنه كان دماً حقيقياً.
ولم يكن الدم أحمر.
كان أسود. أسود كالليل الذي لا ينتهي. أسود كالعذاب الذي لا يُنسى.
قبل أن يسقط اللزج — قبل أن تلمس قدماه الأرض — كان سيبرو هناك.
أمامه.
مباشرة أمامه.
وجهاً لوجه.
على بعد سنتيمترات.
لكن — من أعلى.
من فوق اللزج.
يد من سائل لزج — أكبر من جسد سيبرو بعشر مرات — كانت قد تشكلت في الهواء دون أن يشعر بها أحد. تشكلت من لا شيء. من الفراغ. من الظلام الذي كان ينتظر.
انطلقت ككماشة جبارة، التفت حول جسد سيبرو، عصرته.
عصرته كأنه دمية قماش.
لكن سيبرو — حتى في قبضة الموت — كان يفكر.
دار في الهواء.
لم يكن دوراناً عادياً. كان هندسة كل حركة فيها تحسب نقطة ضعف في قبضة السائل. كان رياضيات كل زاوية فيها تقرأ خريطة القوة التي تعصره. كان فناً لا يتقنه إلا من تدرب على الموت ألف مرة.
تمكن من فك يد واحدة.
لكن — في تلك اللحظة — من فم اللزج، خرج شيء.
لسان.
طويل.
طويل جداً.
غليظ.
ليس لسان مخلوق عادي. كان كجذع شجرة معمرة، لكنه مرن كأنه مصنوع من مطاط أسطوري. لزج لدرجة أن الضوء نفسه كان يعلق عليه قبل أن يفلت. غليظ لدرجة أن وزنه وحده كان يكفي لتحطيم جبل.
خرج من فم اللزج كأنه سيف.
لكنه لم يضرب.
التحم.
التف حول جسد سيبرو — فوق يد السائل — وعصره من الجهة الأخرى.
ثم — ضرب.
ضربة واحدة.
لكنها كانت كألف ضربة في آنٍ واحد.
**بـــــــــــــوووووووو
ارتطم سيبرو بالشجرة العملاقة.
لكنها لم تكن مجرد شجرة. كانت معلمة من عصور سحيقة، جذعها يعانق السماء منذ ألف عام وألف. ارتطم بها بزاوية قاتلة، بسرعة تجعل الصوت نفسه يتخلف عن الركب.
بــــوممممممممممممم!
جذع الشجرة لم يتحمل — تشقق من المنتصف كقشرة بيضة تحت ضغط . والموجة التي تلت ذلك لم تكن مجرد صوت — كانت حدثاً بصرياً. حلقات من الغبار المتوهج تمددت من نقطة الاصطدام، تحمل في طياتها أضلاع الشجرة المتناثرة كأسياط من الخشب المتوهج.
سيبرو غارق في عمق الجذع، جسده رسم شكل نجمي متشقق على لحاء الشجرة المعمرة. دماء — لأول مرة — تسربت من فمه. لم تسقط كقطرات عادية. كانت تتلألأ تحت ضوء القمر كشرائط من الياقوت المنصهر، ترسم في الهواء خطاً أحمر قانياً قبل أن تتبخر على حرارة جسده المتقد.
لكن عينيه — في تلك اللحظة — لم تغمضا.
كانتا تتوهجان.
كأن الألم لم يكن ألماً. كان مفتاحاً.
في غضون ثانية — قبل أن يلمس دم سيبرو الأرض — انطلق آيل.
لكن كلمة انطلق لا تصور ما حدث.
لأن الزمن نفسه توقف للحظة ليرى.
آيل لم يركض. لم يقفز. لم يتحرك بالمعنى البشري للحركة. لقد ألغى المسافة. في جزء من المليار من الثانية — كان أمام اللزج.
ومعه — المشهد الأسطوري.
من قبضتيه، انطلقت سيمفونية من الضربات لا تستوعبها العين البشرية. كل ضربة كانت قطعة فنية في حد ذاتها — أثر أزرق متوهج يبقى معلقاً في الهواء بعدها، كأن الزمن قرر أن هذه الضربة تستحق أن تخلد.
طوووف.
الضربة الأولى — تلتقي بلسان اللزج. ليس مجرد ارتطام. انفجار بصري. حلقة زرقاء من الضوء تتوسع في كل اتجاه، تجعل أوراق الشجر على بعد مئات الأمتار تتطاير كفراشات مذعورة.
طوووف. طوووف. طوووف.
ثلاث ضربات في جزء من الثانية — ثلاث حلقات زرقاء تتشابك في الهواء كأمواج متداخلة في محيط هائج.
طوووف. طوووف. طوووف. طوووف. طوووف. طوووف.
عشر ضربات. ثم عشرون. ثم — أربعون ضربة في ثانية واحدة.
كان المشهد يفوق الخيال: آيل واللسان يتبادلان الضربات كسيفين أسطوريين في معركة كتبت في نسيج الزمن نفسه. كل ضربة من آيل كانت تحمل في طياتها مهارة الشلل — تترك في اللسان الذي تلمسه أثراً أزرق متوهجاً، كأنه يكتب على جسد الخصم اسم الموت ألف مرة.
واللسان — رغم ضخامته — كان أسرع مما ينبغي لأي كائن. كان يتلوى، يلتوي، ينحني بزوايا مستحيلة، يضرب من كل اتجاه في نفس الوقت. كل ضربة منه كانت تحمل وزن جبل، وكانت تترك في الهواء شقوقاً مرئية — كأن الواقع نفسه كان يئن تحت وطأتها.
طوووف. طوووف. طوووف. طوووف. طوووف.
آيل راوغ لساناً من اليسار، تصدى لآخر من اليمين، كسر الثالث من الأعلى، وفي نفس اللحظة — ضرب الرابع من الأسفل. جسده كان يتحرك بانسيابية لا تنتمي للبشر، كأنه سائل من الفضة النقية ينساب بين أمواج الظلام.
لكن في لحظة — في نصف لحظة — في ربع لحظة —
اللسان التف.
التف حول جسد آيل كأفعى عملاقة من عصور ما قبل الخلق. المادة اللزجة السوداء غطت جسده بالكامل، وبدأت تضغط. ضغطاً يجعل العظام تصرخ.
آيل صرخ — لكن صرخته لم تكن ألماً. كانت دعوة.
سون — بعصاه التي وجدها وسط الغبار — انطلق.
لكن اللزج كان أسرع.
لم يترك آيل. قفز — حاملاً آيل معه كأنه فريسة لا يستحق أن يهرب منها. قفز بين الأشجار العملاقة، يقفز من غصن إلى غصن، وآيل في قبضة لسانه كدمية ممزقة.
"مهارة التبخير الحراري."
صوت سون لم يكن مرتفعاً. لكن الأرض سمعته.
تحت اللزج — بينما كان في الهواء — تحمرت التربة فجأة. ليس احمراراً عادياً. كانت تتوهج من الداخل، كأن قلب البركان قرر أن يولد من رحم الغابة.
ثم — انفجرت.
صفائح من لهب نقي خالص انطلقت من الأرض كأن الأرض نفسها فتحت فمها لتصرخ. لم تكن نيراناً عادية — كانت نيراناً بيضاء، حرارتها تجعل الضوء نفسه ينكسر قبل أن يصل إليها. الهواء من حولها لم يحترق — تبخر. في جزء من الثانية، كل شيء في دائرة نصف قطرها ثلاثون متراً تحول إلى فرن كوني.
اللزج قفز.
لكن سون كان ينتظر.
كلما هبط اللزج على شجرة — كانت شجرة أخرى تنفجر من تحته. لم تكن النيران تخرج من الأرض فقط. كانت تخرج من كل مكان. من جذوع الأشجار. من بين الصخور. من الهواء نفسه الذي صار سائلاً متوهجاً. الغابة بأكملها تحولت إلى جحيم مصمم خصيصاً للزج واحد.
لكن اللزج — في عرض كل هذا — كان يراوغ.
يقفز. يهبط. يقفز. يهبط. وكل مرة — كانت النيران تخرج من تحته بعد أن يغادرها بجزء من الثانية. كأنه يعرف أين ستخرج قبل أن تخرج. كأنه يقرأ مستقبل النار.
سون عض على شفته حتى نزف الدم.
السرعة… تنقصني السرعة… البيئة لا تساعد… الغابة باردة… طاقتي تستهلك…
سيبرو ظهر من خلف اللزج.
كيف خرج من قبره الخشبي؟ لا أحد رأى. لا أحد يستطيع أن يرى ما هو أسرع من الضوء.
"رائحة thioacetone."
لم يقلها — أطلقها.
من يده اليمنى، انطلقت كرة من الضوء الأزرق. لكنها لم تكن كرة — كانت كوكباً مصغراً من الرائحة المركزة، تدور حول نفسها بسرعة تجعل الهواء من حولها يتحول إلى دوامة من الضوء. تتوهج بضوء أزرق سام كلون السماء قبل الإعصار، وبحجم يتضاعف كل جزء من الثانية.
توجهت نحو اللزج.
وفي نفس اللحظة — من الأسفل — انطلقت مهارة سون للمرة الأخيرة قبل أن تنهار طاقته. صفيحة لهب بيضاء عملاقة تتجه إلى الأعلى، محاصرة اللزج بين نار الموت ورائحة الموت.
اللزج — في لحظة قرار لا تتسع لها عقول البشر — قذف آيل بعيداً.
آيل طار عبر الهواء، جسده يدور كقطع نقد فضية في الهواء، يتطاير منه بقايا المادة اللزجة كشرائط من الظلام الممزق.
لكن الرائحة — الرائحة لم تتبع آيل.
كانت متحكمة.
في مشهد خارق للعادة، الكرة الزرقاء انحنت في الهواء. انحنت كأنها حية تتبع فريستها. غيرت اتجاهها بزاوية قائمة — وهو ما لا تفعله الكرات — وواصلت طريقها نحو اللزج.
ارتطمت به في منتصف قفزته.
طوووووووووووففففففففففف!
انفجار وردي.
ليس وردياً عادياً — بل وردي قاتل. لون زهرة الجثة، لون الموت المتفتح، لون السم الذي يبتسم لك قبل أن يقتلك.
موجة الانفجار كانت مرئية بالكامل، ككرة من الضوء الوردي تتوسع ببطء شديد — ببطء شديد لدرجة أن كل من في الغابة يمكن أن يرى تفاصيلها:
حبيبات الضوء تتلألأ كأنها ملايين الماس الوردي تتطاير في كل اتجاه.
الهواء من حول الموجة لم يندفع — تصلب للحظة كأنه أصبح زجاجاً، ثم تكسر إلى آلاف القطع المتلألئة.
الأشجار التي تلمسها الموجة لم تحترق — ذبلت في لحظة. ذبلت كأنها عاشت ألف عام في ثانية، كأن الزمن قرر أن ينتقم منها دفعة واحدة.
والأرض — تحت مركز الانفجار — لم تتشقق. ذابت. ذابت كالشمع تحت نار لا ترى، تاركة حفرة دائرية كاملة، جدرانها مصقولة كالزجاج الأسود.
الغبار تصاعد كعمود عملاق.
ثم —
اللزج كان هناك.
كان محاطاً بمادة لزجة من كل الاتجاهات.
جسده غير ظاهر بالكامل — كأنه داخل قبة من ظلام سائل، قبة تتوهج من الداخل بطاقة لا توصف. الطاقة كانت مرئية: تيارات من الضوء الأسود تتعرج على سطح القبة كالبرق المحبوس في زجاجة. كانت تنبض — تنبض كقلب عملاق — وكل نبضة كانت ترسل موجات صدمة تجعل الغابة كلها ترتجف.
حتى مهارة سون — التجميد الفوري — حاولت أن تعمل. صفائح من الجليد الأزرق بدأت تتشكل حول المادة اللزجة، تتسلق عليها كأنها تتسلق جداراً من الموت.
لكنها ذابت قبل أن تلمسها.
الطاقة كانت هائلة جداً لدرجة أنها كانت تذيب الجليد بمجرد الاقتراب. الجليد لم يلمس القبة — تبخر على بعد أمتار منها. الجو حولها صار مشوهاً، كأن الواقع نفسه كان يلتوي تحت وطأة ما بداخلها.
سون وقف متعباً، عيناه تتسعان.
هذه الطاقة… تفوق طاقتي بعشر مرات… بمئة…
سيبرو وقف منتصباً، دماء لا تزال تتساقط من فمه، لكن عينيه — عينيه كانتا ثابتتين.
آيل نهض من بين الأشجار المتساقطة، جسده مغطى بجروح، لكنه كان واقفاً.
الثلاثة — كل واحد منهم — كان يعرف ما يعرفه الآخرون:
هذا العدو ليس كالأعداء.
بدأ اللزج يضحك.
لم تكن ضحكة منتصرة. كانت ضحكة من يرى شيئاً مضحكاً حقاً.
الضحكة تمددت من قبة الظلام كموجات من الضوء الأسود، تملأ الغابة، تجعل الطيور تموت في أعشاشها من الخوف، تجعل الأشجار تتشقق من جذورها.
ثم — ظهر لسانه.
لكن هذه المرة — لم يكن واحداً.
انقسم إلى ثلاثة.
لم يكن انقساماً عادياً. كل لسان كان يتشكل من الظلام نفسه، يتلوى في الهواء، ينمو، يتضخم، يصبح كائناً بحد ذاته.
الأول — توجه نحو سيبرو.
كان كصاعقة ، يقطع الهواء بسرعة تجعل الزمن يتأخر خلفه. ارتطم بسيبرو في صدره.
طووووووووووووووووووووووفففففففففففففففف!
لم تكن ضربة — كانت زلزالاً.
سيبرو لم يطير. اخترق الأرض. جسده غرز في التربة كوتد من لحم وعظم، والأرض من حوله تشققت في دائرة نصف قطرها خمسون متراً. الشقوق لم تكن عشوائية — كانت متشعة كشبكة عنكبوت عملاقة، كل شق فيها ينير من الداخل بضوء أحمر خافت كأن الأرض نفسها تنزف.
سيبرو في قاع الحفرة، عيناه مفتوحتان على مصراعيهما، دماء تتسرب من فمه وأنفه وأذنيه في وقت واحد — ثلاثة أنهار حمراء ترسم على وجهه خريطة الألم.
الثاني — توجه نحو آيل.
وفي طريقه — تضخم.
تضخم إلى حجم فيل. إلى حجم منزل. إلى حجم وحش أسطوري. ، مغطى بالمخاط الأسود الذي كان يقطر منه كالمطر .
ضرب آيل ضربة واحدة —
طووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووففففففففففففففففففف!
آيل انطلق كصاروخ عبر الغابة. جسده قطع مئات الأشجار كأنها ورق — أشجار تنكسر منتصفها كأعواد الثقاب، تتناثر في الهواء كألعاب مكسورة. الغبار تصاعد خلفه كعمود من الفطر النووي، وسون لم يستطع حتى أن يرى أين سقط — فقط سمع الارتطامات المتتالية، سبعة ارتطامات في سبع ثوان، كل واحدة أبعد من التي قبلها.
ثم — صمت.
صمت لا يبشر بخير.
الثالث — التف حول سون.
لم يضربه. أسره.
التف حول جسده بالكامل، من كتفيه إلى كعبيه، وبدأ يعصره. عصراً بطيئاً، متعمداً، كمن يعصر ليمونة لا يستحق حتى أن يبتلع عصيرها.
عظام سون بدأت تصدر أصواتاً لا يسمعها إلا من سمع العظام تنكسر من قبل: طقطقة خفيفة أولاً، ثم تكسيراً واضحاً — ضلعان انكسروا دفعة واحدة. سون صرخ، لكن الصرخة تحولت إلى شهيق متقطع عندما شد اللسان أكثر.
اللسان رفع سون عن الأرض، عصره في الهواء، جسده يدور ببطء كدمية في مهب الريح.
اللزج مشى ببطء.
خطواته كانت ثقيلة — ثقيلة كأن كل خطوة تزن ألف روح. كل خطوة كانت تترك أثراً في الأرض، أثراً يتوهج بالأسود لثوانٍ قبل أن يختفي. الغابة من حوله كانت تبتعد عنه — الأشجار كانت تميل للخارج كأنها تريد الهرب لكن جذورها تمنعها.
وصل إلى سون.
نظر إليه من أعلى.
عيناه — كانتا بئرين بلا قاع. كفراغين في الكون. كعينين رأتا كل أنواع العذاب، كل أنواع الموت، كل أنواع الألم — ولم يعد فيهما مكان للرحمة. كانتا عينين لا تعكسان الضوء — كانتا تمتصانه.
اللسان بدأ يتحول.
في طرفه — بدأت تتشكل نقطة. نقطة حادة. حادة كشفرة الجلاد، حادة كأسنان الموت، حادة كأنها الرفض نفسه قد تجسد.
تتجه نحو رقبة سون.
تتجه ببطء شديد.
ببطء شديد لدرجة أن كل من يمكن أن يرى — لو كان هناك من يرى — يمكن أن يتأمل تفاصيلها: قطرات المادة اللزجة تتساقط منها كالدموع السوداء، والهواء من حولها يتلوى كأنه يحاول الهرب ولا يستطيع، والضوء الذي يمر بجانبها ينكسر بزوايا مستحيلة كأنه يخاف أن يلمسها.
اللزج ابتسم.
ابتسامة رأى بها ألف ضحية، ألف روح، ألف نهاية.
ابتسامة من لا يتذكر حتى وجوه الذين قتلهم.
مجرم: "أتعلمون لماذا خسرتم؟"
صوته لم يكن مرتفعاً. لكن الغابة كلها سمعته. سمعته في جذورها، في أغصانها، في كل ورقة كانت تذبل في تلك اللحظة.
مجرم: "أولاً — مهاراتكم جيدة جداً، لكن ليست مكتملة. وضررها ضعيف. بل — أنتم ضعفاء جداً."
ضحك. ضحكة قصيرة، جافة، كحجرين يصطكّان.
مجرم: "ههههههه."
نظر إلى سيبرو — الذي كان لا يزال في قاع حفرته — ثم إلى الأفق حيث اختفى آيل.
مجرم: "ثانياً — أنتم تركزون على المهارات أكثر من اللازم. تظنون أن القتال هو قتال مهارات. وهذا — في الأصل — خطأ."
رفع إصبعاً واحداً. الإصبع كان مغطى بالمادة اللزجة، يتلوى منها دخان أسود.
مجرم: "القتال يكون 50% مهارة. و 50% — قوة جسدية."
الإصبع انخفض.
نظر إلى سون — مباشرة في عينيه.
ووجه ابتسامته — لكن هذه المرة، كان هناك شيء آخر في عينيه. شيء لم يكن موجوداً قبل لحظة.
مجرم: "ثالثاً..."
توقف. كأنه يفكر. كأنه يتذوق الكلمات قبل أن يلفظها.
مجرم: "أنت — أيها الصغير — تمتلك مهارة فريدة من نوعها."
لسانه — الذي كان يعصر سون — ارتخى قليلاً. لا رحمة. فقط فضول.
مجرم: "مهارة تكيف."
العينان الأسودتان ضاقتا.
مجرم: "هذه المهارة تسمح لصاحبها بأن يتكيف مع هجمات الخصم وقوته. وإلى جانب هذا — يستطيع أن يبتكر مهارة مضادة للخصم."
ابتسامته اختفت. لم يعد يضحك.
مجرم: "إنها مهارة جذرية. متجانسة."
صوته هبط. صار همساً. لكن الهمس كان أثقل من الصراخ.
مجرم: "ولهذا — أنا أحسدك."
الغابة سكتت.
حتى الريح توقفت.
مجرم: "لكن — أنت تستحق أن تموت أولاً."
اللسان بدأ يعصر سون مرة أخرى. أقوى. أسرع. العظام تصرخ تحت الضغط.
مجرم: "لأنك تجهل ماهية هذه الجوهرة التي في يديك."
اللسان — الذي كان قد بدأ يتشكل على شكل نقطة حادة — اكتمل الآن.
كان أمام رقبة سون.
على بعد سنتيمتر.
يتأرجح. ببطء. كأفعى تترقب.
ثم —
انطلق.
طووووففففف
يُتبع...