لم يكن نوراً.
كان انشقاقاً في نسيج الظلام نفسه. شقَّ أبيض، طويل، حاد كأنفاس الموت حين تزفر آخر كلمة. سيف من الفضة الخالصة، ليس كأي سيف، بل كأنه قطعة من القمر سقطت لتقضي على ما تبقى من الليل.
مرَّ عبر عنق اللزج.
لم يصدر صوت. لم تكن هناك مقاومة. كان العنق كالهواء، والسيف كالحقيقة التي لا تُرد.
سقط رأس اللزج.
ارتطم بالأرض بصوتٍ خفيف، كتفاحة ناضجة سقطت من غصنها. لكن التفاحة كانت تبتسم. ابتسامة لا تزال عالقة على شفتيه الميتتين، كأن الموت نفسه لم يكن كافياً ليمحو تلك السخرية.
سقط سون أيضاً.
جسده كان مرتعشاً، عيناه مثبتتان على الرأس المتدحرج، كأنه يحاول أن يفهم ما حدث. كان الأمر أشبه بمن يشاهد فيلماً، ثم يكتشف فجأة أنه داخل الفيلم نفسه. لم يرَ الضربة. لم يسمعها. فقط رأى النتيجة، كأن القدر اختصر الزمن وأهداه النهاية دون المقدمة.
ثم سمع خطوات.
خفيفة.
خفيفة جداً لدرجة أن الأرض نفسها كانت تتردد في حملها.
طفل.
شعر أبيض كالثلج الذي يسقط على قبورٍ لا يُزار. وجهه لم يكن وجه طفل. كان وجه من رأى أكثر مما ينبغي، وعاش أكثر مما يستحق. وفي يده، سيف يتوهج بضوء الفضة، كأنه يشتكي من كونه في هذه الغابة القذرة.
الطفل توقف أمام سون.
لم ينظر إليه. كان ينظر إلى رأس اللزج، كمن يودع صديقاً قديماً. ثم رفع عينيه.
أليكس: "أليكس سيلفا."
قالها كمن يقدم نفسه في حفل، لا كمن أنقذ حياة ثلاثة أشخاص. صوته كان هادئاً، لكنه كان حاملاً شيئاً يشبه الملل. كأن إنقاذ الأرواح أصبح روتيناً ممللاً بالنسبة له.
وصل سيبرو.
كان يتقدم بصعوبة، جسده مغطى بالجروح كخريطة لأرض مزقتها الحروب. الدماء كانت تتساقط منه ببطء كأنها دموع جسده التي يبكيها لفراق روحه. لكن عينيه كانتا ثابتتين، مثبتتين على الطفل الذي يقف أمامهم.
أليكس أدار رأسه نحو الطريق على اليمين، حيث الغابة كانت أقل كثافة، حيث ظل الشلال يزأر من بعيد كوحش محبوس.
أليكس: "ذلك الطريق آمن. اختبئوا خلف الشلال. انتظروا حتى نهاية الفرع."
توقف. ثم أضاف، وكأنه يلقي بآخر قطعة نقود في قبعة متسول:
أليكس: "لكن لا تدعوا حكام الاختبار يعثرون عليكم."
الكلمات كانت بسيطة. لكنها حملت أكثر من معناها. حملت حكماً. حملت: أنتم لستم مؤهلين حتى لتكونوا هنا.
سون شعر بها كسكين تدخل صدره ببطء.
ليس غضباً. كان شيئاً أعمق. كان الإهانة التي ترتدي رداء النصيحة.
سون: "لا. سنواجه."
حاول النهوض، لكن جسده خانه. سقط من جديد، كمن تذكر فجأة أنه ليس سوى بشر.
سون: "لا تقل كلمة أخرى."
نظر إلى أليكس بعينين تتقدان بشيء ليس غضباً تماماً. كان أشبه بيأس يرفض الاعتراف بنفسه.
سون: "أنت تستهين بنا. هذا مجرد مجرم واحد. مجرم قوي، لكن هناك من هم أضعف منه. نستطيع النجاح."
ضحك أليكس.
ضحكة قصيرة، باردة، كمن يسمع نكتة سمعها ألف مرة، ولم تكن مضحكة في المرة الأولى.
أليكس: "هاي... أنت."
لم يرفع صوته. كان لا يزال هادئاً. لكن الكلمات أصبحت حادة، كشفرات حلاقة تخرج من فم طفل.
أليكس: "لا أستهين بكم. ولا أستهين بأي شيء. أنا فقط أحاول أن أساعدكم على النجاة."
توقف. نظر إلى سون بعينين لا تعكسان شيئاً.
أليكس: "لكن دعني أنصحك. رأيت ما يكفي لأعرف أنكم ضعفاء. ليس ضعف الجسد فقط، بل ضعف الروح. هذا الاختبار لن يهرب منكم. أعوام قادمة، وفرص أخرى. لكن إذا مت اليوم، فلن تكون هناك أعوام قادمة."
ثم التفت إلى سيبرو.
سيبرو كان واقفاً. بصعوبة. لكنه واقف. جسده كان كتمثال منحوت من الألم، لكن عينيه كانتا تتحديان أي شيء يقف أمامهما.
سيبرو: "نشكرك على المساعدة."
صوته كان خافتاً، لكنه كان كالحجر. صلباً، بارداً، لا ينكسر.
سيبرو: "لكننا لا نريد نصيحتك."
شيء تغير في وجه أليكس.
لم يكن غضباً. لا. كان شيئاً آخر. أشبه بمن يكتشف أن الحشرات التي كان يحاول إنقاذها تقرر أن تعضه.
أليكس: "ماذا؟"
ضحك. لكن الضحكة كانت مختلفة هذه المرة. كانت أطول، أعلى، كمن يضحك على شيء لا يصدق أنه حقيقي.
أليكس: "هاهاهاها... أنت أيضاً؟"
توقف. نظر إلى الثلاثة واحداً واحداً. ثم إلى الأرض، كأنه يتحدث مع نفسه.
أليكس: "أتريدون الموت؟ حسناً، لا يهمني."
رفع عينيه. وكانت نظرته مختلفة الآن. لم تكن نظرة من ينظر إلى أشخاص. كانت نظرة من ينظر إلى ظلال على وشك الانطفاء.
أليكس: "سأذهب. أرجو أن يوفقكم الله... هاهاها... لكن لا أرى أنكم مؤهلون حتى لاجتياز اختبار واحد."
التفت. خطا خطوة. ثم توقف، وأدار رأسه قليلاً، وكأنه يلقي برصاصته الأخيرة:
أليكس: "لا تقلقوا. الحكام يتخلصون من الحثالة في النهاية. لكي لا يعيقوا الأقوياء في الاختبارات القادمة."
ثم اختفى.
لم يقفز. لم يركض. كان هناك في لحظة، وفي التي تليها، لم يكن إلا ظلاً يتلاشى بين أغصان الأشجار، كأن الغابة ابتلعته أو كأنه لم يكن موجوداً من الأساس.
صمت.
صمت ثقيل، كأن الأرض قررت أن تحزن. الغابة توقفت عن التنفس. حتى الريح توقفت، كأنها تنتظر ما سيقوله أحدهم.
آيل ظهر من الخلف.
كان جسده مغطى بالجروح، لكن عينيه كانتا حادتين، تبحثان عن شيء يمكن التمسك به.
آيل: "لماذا لم تجيبوه؟ هذا النرجسي الأجوف... كيف يجرؤ على قول كل هذا؟"
صوته كان مبحوحاً، لكنه كان يحاول أن يكون ساخراً. كان يحاول أن يكسر الجليد. لكن الجليد لم ينكسر.
سيبرو تنفس بعمق. الألم كان واضحاً في كل زفير.
سيبرو: "لأنه قالها عمداً."
نظر إلى سون، ثم إلى آيل.
سيبرو: "قالها ليجعلنا نستسلم. ليجعلنا نتوقف. لأنه... معه حق."
الكلمات الأخيرة كانت أثقل من كل الدماء التي سالت.
سيبرو: "نحن ضعفاء. ثلاثة ضد واحد، ولم نستطع إسقاطه. تنقصنا أشياء كثيرة. لا أعرف ماهي بعد. لكن يجب أن نجدها. وإلا... فلا مستقبل لنا هنا."
سون وقف. ببطء. كمن ينهض من قبره.
ضحك.
كانت ضحكة غريبة. ليست ضحكة فرح. ولا ضحكة سخرية. كانت ضحكة من يرى الحقيقة لأول مرة، ويكتشف أنها أقبح مما تخيل.
سون: "هاهاها... هذا مضحك حقاً."
نظر إلى سيبرو. وفي عينيه، كان هناك شيء جديد. شيء لم يكن موجوداً قبل لحظة. كان أشبه بنار تشتعل في آخر فحماتها.
سون: "الفريق هو الذي تسبب بالخسارة. مهارتك يا سيبرو... عديمة الفائدة. لا ضرر فيها. لا تعرف كيف تستخدم روائحك بشكل جيد."
ثم التفت إلى آيل.
سون: "أما أنت... فلا جدوى منك. مهارتك كعدمها. نعم، قدمت بعض التصادم المباشر. لكن أين كان النفع؟"
آيل صمت. لم يرد. لكن عينيه كانتا تقولان كل شيء. كانتا تقولان: أنا أعرف. وأنا أتألم.
سيبرو ضحك.
ضحكة قصيرة، جافة، كحجرين يصطكان في الظلام.
سيبرو: "هاهاها... تنتقد مهاراتنا؟"
خطا خطوة نحو سون. جسده كان يئن من الألم، لكنه لم يظهره.
سيبرو: "كأنك أنت من صنع شيئاً نستفيد منه؟ مهارة التكيف... ألم تكن أول من سقط؟ ألم تكن أكثرنا ضعفاً أمامه؟"
الكلمات كانت كالسهام. سارت مباشرة إلى قلب الحقيقة.
آيل: "كفى!"
صوته كان حاداً، كسوط يقطع الهواء.
آيل: "لا وقت للشجار. إن استمررتم هكذا، ستتقاتلان. ثم سيموت أحدكما، وسيموت الآخر بعد ذلك بقليل، ولن يبقَ منا أحد ليدفن الآخر."
توقف. نظر إليهما بعينين متعبتين.
آيل: "لنضع خطة. الآن."
سون نظر إلى آيل. ثم إلى سيبرو. ثم إلى الأرض.
ثم رفع رأسه. وكانت عيناه مختلفتين. كانتا عينين اتخذتا قراراً.
سون: "الخطة الوحيدة... هي أن نفترق."
الكلمات سقطت كالحجارة في ماء راكد.
سون: "لا أرى نفسي مع مجموعة من الضعفاء."
سيبرو لم يغضب. لم يضحك. نظر إلى سون طويلاً. ثم قال، بصوت كان أكثر هدوءاً مما ينبغي:
سيبرو: "اذاً اذهب."
خطوة إلى الأمام. كان جسده يصرخ من الألم، لكنه وقف كجبل لا يهتز.
سيبرو: "اذهب. لا نريد أن نراك في آخر الفرع، فارغ اليدين، بينما أنا وآيل ننجح في قتل مجرمين."
سون ابتسم.
كانت ابتسامة باردة، كالشفرة التي تلمع قبل أن تقطع.
سون: "بل... إذا لم أقتل مجرمين وحدي، سأستسلم. لن أتقدم."
نظر إلى سيبرو مباشرة في عينيه.
سون: "وأريدكما أن تفعلا المثل."
سيبرو: "اتفقنا."
الكلمة كانت كالمطرقة على سندان. نهائية. لا رجعة فيها.
سون استدار.
خطا خطوة. ثم أخرى. جسده كان يئن، لكنه لم يلتفت. مشى وسط الأشجار المتشابكة، بين الظلال التي كانت تبدو كأصابع تريد الإمساك به. اختفى في الظلام، كأن الغابة ابتلعته.
صمت.
آيل وقف ينظر إلى المكان الذي اختفى فيه سون. صوته كان خافتاً، كمن يتحدث إلى نفسه:
آيل: "ماذا ستفعل الآن؟"
سيبرو وقف مكانه. عيناه كانتا مثبتتين على الأفق، حيث الغابة تمتد بلا نهاية، حيث المجهول ينتظر.
سيبرو: "سنتدرب."
الكلمة كانت بسيطة. لكنها حملت كل شيء. حملت: لن نموت. حملت: سنعود. حملت: هذه ليست النهاية.
لم يكن سون يعرف متى توقف عن المشي.
كانت قدماه تحملانه دون وعي، عبر جذوع متشابكة كعظام عملاق مدفون، تحت أغصان كانت تدنو من رأسه كأصابع عجوز تريد أن تلمسه. لم يكن يعرف إلى أين يتجه، فقط كان يعرف أنه يجب أن يبتعد. يبتعد عنهم. عن سيبرو وعن آيل. عن تلك النظرات التي رأها في أعينهما قبل أن يغادر - نظرات لم تكن تقول شيئاً، لكنها كانت تصرخ بكل شيء.
سقط أخيراً.
لم يسقط على الأرض، بل على شيء أكثر قسوة. جذع شجرة عتيقة، جذورها تتعالى عن التراب كأضلاع حوت نافق. جلس عليها، لكن جلسته لم تكن جلوس راحة. كانت جلوس من لا يملك القوة للوقوف بعد الآن.
تنفس.
لكن هواء الغابة لم يكن كافياً. كل شهيق كان يدخل رئتيه كزجاج مكسور، وكل زفير كان يخرج كصراخ مكتوم. كان يشعر بكل نبضة في قلبه، كل نبضة تقول له شيئاً واحداً: "أنت خسرت."
رفع يديه ونظر إليهما.
كانتا مرتعشتين. ليس من البرد، بل من الهزيمة. الدماء التي كانت تغطي أصابعه لم تكن دماء اللزج، كانت دماءه هو. عندما ضرب جذع الشجرة غاضباً، عندما مزق جلده بأظفاره وهو يحاول أن يفهم لماذا فشل. لكنه لم يشعر بالألم. في الواقع، لم يشعر بأي شيء.
ثم، فجأة، بدأ يضحك.
لم تكن ضحكة ساخرة، بل ضحكة مريرة، ضحكة من يجد نفسه مضحكاً إلى حد البكاء.
سون: "هاهاهاها..."
صوته كان أجشاً، كمن لم يتكلم منذ أيام.
سون: "هاهاهاها... أنظر إليك أيها الأحمق."
توقف عن الضحك فجأة. نظر إلى السماء من بين أغصان الأشجار، إلى الغيوم السوداء التي كانت تتحرك ببطء كقطيع من الوحوش النائمة.
سون: "كنت تعتقد أنك قوي. كنت تعتقد أن اسمك يعني شيئاً. كنت تعتقد أن ابن موريس ريوجي لا يمكن أن يهزم."
ضحك مرة أخرى. لكن هذه المرة كانت الضحكة مختنقة، كمن يبكي ويضحك في نفس الوقت.
سون: "وها أنت ذا. تجلس على جذع شجرة كمتسول، تهرب من فريقك، تهرب من نفسك. يا له من بطل عظيم."
وضع يديه على وجهه. شعر ببرودة جلدها، شعر بصلابة عظام وجهه كأنها جمجمة ميتة.
سون: "لقد قالها ذلك الطفل. ألكس سيلفا. قالها بكل وضوح: أنت ضعيف. ليس فقط ضعيفاً في القتال، بل ضعيف الروح."
أنزل يديه عن وجهه. كانت عيناه محمرتين، لكن لم تكن هناك دموع. وكأن جسده نسي كيف يبكي.
سون: "ولماذا؟ لماذا أنت ضعيف إلى هذا الحد؟"
سأل السؤال كمن يسأل جداراً. لم يكن يتوقع جواباً.
سون: "ألأن أمي ماتت وأنا لم أستطع إنقاذها؟"
صوته أصبح خافتاً، كهمس طفل يخاف من الظلام.
سون: "أتذكرها. أتذكر وجهها. أتذكر يدها الدافئة عندما كانت تمسح رأسي. أتذكر صوتها. لكن عندما أحاول أن أتذكر كيف ماتت..."
توقف. عيناه اتسعتا. لم يكن هناك شيء في ذاكرته سوى الفراغ. فراغ أسود، كجدار من الدخان.
سون: "... لا أتذكر شيئاً."
صفع وجهه بكفه. الصفعة كانت قوية، تركت أثراً أحمر على خده.
سون: "أحمق. أنت أحمق. كيف تعيش سبعة عشر عاماً ولا تعرف كيف ماتت أمك؟ كيف تسمح لأبيك أن يخفي عنك كل شيء؟"
نهض فجأة. بدأ يمشي بسرعة، ذهاباً وإياباً أمام الشجرة، كحيوان محبوس في قفص لا يراه أحد.
سون: "وأبي. أبي الذي يخبرني دائماً أن الوقت لم يحن. أبي الذي ينظر إلي بعينين تخفيان شيئاً. أبي الذي..."
توقف. نظر إلى الأرض. صوته أصبح أخفض مما كان.
سون: "أبي الذي يخافني. نعم. يخافني. رأيت الخوف في عينيه عندما سألته عن أمي. ليس خوفاً مني. خوفاً من الحقيقة التي يحملها."
رفع رأسه إلى السماء. صرخ.
سون: "ما هي الحقيقة؟! ماذا تخفي عني؟! لماذا تتركني أتخبط في الظلام وأنا لا أعرف حتى ما الذي أبحث عنه؟!"
صوته ارتد بين الأشجار، كصدى لروح ضائعة. لكن الغابة لم تجب. كانت صامتة كعادتها.
سقط سون على ركبتيه.
جثا هناك، في وسط الغابة التي لا تكترث لأحزانه، تحت سماء لا تبالي بصرخاته.
سون: "اللعنة... اللعنة على كل شيء."
تنفس بصعوبة. كل شهيق كان كالسكين، وكل زفير كالجرح.
سون: "أنا لا أعرف شيئاً. لا أعرف كيف ماتت أمي. لا أعرف لماذا أبي يكذب علي. لا أعرف كيف أقاتل. لا أعرف حتى..."
توقف. نظر إلى يديه المرتعشتين.
سون: "لا أعرف حتى من أنا."
صمت.
صمت طويل، ثقيل، كأن الغابة وضعت يدها على فمها.
ثم، ببطء، بدأ شيء يتغير.
لم يكن تغيراً مفاجئاً. كان كالنار التي تبدأ بشرارة صغيرة في ليلة عاصفة. بدأت عيناه تضيقان، بدأ فكه ينقبض، بدأت أصابعه تنقبض على التراب كأنها تريد أن تعصر الأرض نفسها.
سون: "لكن..."
صوته كان مختلفاً. لم يعد صوت المهزوم. كان صوت من يجد شيئاً في قاع اليأس.
سون: "لكنني لن أموت هنا."
رفع رأسه. كانت عيناه تلمعان بشيء لم يكن موجوداً قبل لحظة. شيء يشبه الغضب، لكنه أعمق. كان أشبه بالعزيمة التي تولد من رماد الانهزام.
سون: "لن أموت وأنا لا أعرف الحقيقة. لن أموت وأنا لا أعرف من قتل أمي. لن أموت وأنا لا أعرف لماذا أبي يخاف مني."
وقف.
لكن وقفته كانت مختلفة هذه المرة. لم تكن وقفة الرجل المهزوم الذي ينهض ليهرب. كانت وقفة الرجل الذي يقرر أن يبدأ من جديد.
سون: "إذا كنت ضعيفاً، سأصبح قوياً. إذا كانت مهارتي لا تكفي، سأضيف إليها جسداً لا ينكسر، وسرعة لا تدرك، وعقلاً لا يخطئ."
نظر إلى الغابة. كانت لا تزال صامتة، لكن صمتها كان كالصمت الذي يسبق العاصفة.
سون: "لكن ليس اليوم. اليوم سأجلس. سأفكر. سأفهم لماذا فشلت. سأفهم لماذا كنت ضعيفاً إلى هذا الحد."
جلس مجدداً.
لكن جلسته لم تكن جلوس اليأس. كانت جلوس من يبدأ رحلة طويلة. جلوس من يعرف أن الطريق طويل، وأن أول خطوة هي أن تعترف أنك لا تعرف شيئاً.
أغمض عينيه.
وبدأ يتذكر.
تذكر اللزج.
تذكر كل حركة من حركاته. كيف وقف، كيف نظر، كيف رفع يده. تذكر المادة السوداء التي انطلقت من كميه، وكيف كانت تتلوى في الهواء كحية عمياء. تذكر السرعة التي كانت تضربه بها، وكيف كان دائماً يتأخر في الرد.
في ذهنه، أعاد تشغيل المعركة.
مرة. مرتين. ثلاث مرات.
كان يرى نفسه يتأخر دائماً، يرى نفسه يخطئ التقدير، يرى نفسه يظن أنه يفهم بينما هو لا يفهم شيئاً.
ثم فتح عينيه.
سون: "كنت أقاتل بطريقة خاطئة. كنت أعتمد فقط على مهارتي، وكأن جسدي ليس له وجود. كنت أظن أن التكيف كافٍ، بينما التكيف لا ينفع إذا كان جسدك بطيئاً، إذا كانت قبضتك ضعيفة، إذا كان تركيزك مشتتاً."
نظر إلى قبضتيه. كانتا لا تزالان متورمتين من ضربات الشجرة.
سون: "سأتدرب. سأجري كل صباح حتى تذوب ساقاي. سأضرب الأشجار حتى تصلب قبضتي. سأتدرب على التركيز حتى أتمكن من رؤية حركة الخصم قبل أن يقوم بها."
توقف.
سون: "لكن ليس الآن."
رفع رأسه إلى السماء. الغيوم كانت لا تزال سوداء، لا نجوم فيها، ولا أمل.
سون: "الآن، سأجلس. سأفكر. سأفهم ضعفي قبل أن أحاول إصلاحه."
أغلق عينيه مجدداً.
وبدأ يفكر.
لم يفكر في معركته فقط. فكر في كل شيء. في أمه التي لا يتذكر موتها. في أبيه الذي يخفي الحقيقة. في ألكس سيلفا الذي قال إنه ضعيف. في سيبرو وآيل اللذين تركهما وراءه. في الغابة التي كانت تحيط به كسجن لا مخرج له.
وفي كل فكرة، كان يجد سؤالاً جديداً.
لكنه لم يعد يخاف من الأسئلة.
لأول مرة منذ بدأ هذا الاختبار، شعر بشيء لم يشعر به منذ زمن طويل: شعور بأنه على وشك أن يفهم.
الليل يحل
كانت الشمس قد غابت دون أن يشعر بها.
الظلام لم يهبط، بل تسلل كالماء البارد، يملأ كل شق في الغابة، يبتلع الألوان واحداً تلو الآخر. لم يعد سون يرى الأشجار بوضوح، صارت مجرد ظلال أطول، كأصابع عملاقة تمددت لتلمسه.
لكنه لم يخف.
كان جالساً على جذع الشجرة، عيناه نصف مفتوحتين، يفكر.
فجأة، سمع شيئاً.
لم يكن صوتاً عالياً. كان كهمس، كأن الأرض تهمس لشيء دفين فيها. لكن في صمت الغابة، كان ذلك الهمس كالصراخ.
فتح عينيه.
نظر حوله. لم ير شيئاً. لكن الشعور كان هناك، كأن عينين تراقبه من وراء الظلام.
سون: "من هناك؟"
صوته كان حاداً، لكنه لم يكن خائفاً. كان هناك فضول في صوته، فضول من لا يملك ما يخسره بعد الآن.
لم يجب أحد.
لكن الظلام، في تلك اللحظة، بدا أثقل مما كان. وكأنه يخفي شيئاً.
وقف سون ببطء، عيناه مثبتتان على الفراغ أمامه.
ثم سمع الصوت مجدداً.
لكنه هذه المرة لم يأت من الخارج. جاء من الداخل. من أعماق ذاكرته، من ذلك الفراغ الأسود الذي كان يحاول تذكره.
كان صوتاً نسائياً. ناعماً، دافئاً، كأنه كان يبتسم وهو يتكلم.
كان صوت أمه.
لكن سون لم يستطع فهم الكلمات. كانت كمن يتكلم تحت الماء، مشوشة، بعيدة.
وبدلاً من أن يخاف، شعر بشيء غريب.
شعر أنه ليس وحيدا
وقف سون جامداً.
الصوت كان لا يزال يتردد في أذنيه، كصدى من عالم آخر، كأنه قادم من قاع بئر عميقة لا يرى قعرها أحد. لكنه كان حقيقياً. لم يكن وهماً. لم يكن خيالاً من تعب الجسد وإرهاق الروح.
كان صوتاً يعرفه.
يعرفه كمن يعرف دفء النار في ليلة شتاء، كمن يعرف طعم الخبز حين يكون جائعاً، كمن يعرف وجه أمه وإن غاب عنها سنين.
لكنه لم يستطع فهم الكلمات.
كانت كمن يتكلم تحت الماء، مشوشة، بعيدة، كأنها تأتي من زمن آخر، من مكان آخر، من حياة أخرى عاشها ولم يعشها.
وقف سون هناك، في وسط الغابة التي كانت صامتة كالقبر، يحاول أن يلتقط أي كلمة، أي حرف، أي صوت يمكن أن يفهمه.
لكن الصوت كان يتلاشى.
كأنه يبتعد، كأنه يعود إلى حيث أتى، كأنه كان مجرد زيارة قصيرة من عالم لا يستطيع البقاء فيه طويلاً.
سون: "لا... لا تذهبي..."
همس بها، كطفل يخاف من الظلام.
لكن الصوت لم يعد.
عاد الصمت. صمت الغابة الثقيل، صمت الأشجار التي لا تتكلم، صمت الظلال التي لا تتحرك.
لكن شيئاً ما بقي.
لم يكن الصوت نفسه. كان شيئاً آخر. كان الشعور الذي تركه الصوت خلفه. شعور غريب، لم يشعر به سون منذ سنوات طويلة.
شعر أنه ليس وحيداً.
جلس على الأرض ببطء، كمن يخشى أن ينهار إذا بقي واقفاً. كان قلبه يدق بسرعة، لكن ليس من الخوف. كان يدق كمن يستيقظ من حلم طويل، كمن يفتح عينيه على حقيقة كان يرفض رؤيتها.
رفع يديه ونظر إليهما.
كانتا لا تزالان تنزفان من ضربات الشجرة، من جروح الأمس، من آثار المعركة التي خسرها. لكنه نظر إليهما وكأنه يراهما لأول مرة.
كانت هذه يداه. يداه اللتان لم تستطيعا حمايته. يداه اللتان لم تستطيعا حماية أمه.
لكن الصوت... ذلك الصوت الذي جاء من الداخل... كان يقول شيئاً آخر.
كان يقول: أنت لست وحدك.
لم يكن يعرف ما يعنيه ذلك. لم يكن يعرف إذا كان الصوت حقيقياً أم مجرد وهم من تعبه. لكنه كان يعرف شيئاً واحداً: أنه لم يعد يشعر بالفراغ الذي كان يملأ صدره منذ سنوات.
كان هناك شيء هناك. شيء في داخله. شيء كان نائماً، واستيقظ للتو.
أغمض عينيه.
حاول أن يستمع مجدداً. حاول أن يصل إلى ذلك الصوت، إلى ذلك المكان في داخله الذي أتى منه. كان يحاول أن يتذكر، أن يصل إلى تلك الذاكرة المدفونة، إلى ذلك الفراغ الأسود الذي كان يحاول تذكره طوال حياته.
لكنه لم يستطع.
كان الفراغ لا يزال هناك، كجدار من الدخان، كحجاب لا يستطيع اختراقه.
فتح عينيه.
كانت الغابة لا تزال صامتة، لا تزال مظلمة، لا تزال باردة. لكنه شعر بشيء مختلف في الهواء. كأن الغابة نفسها كانت تتنفس معه، كأنها كانت تشاركه هذا الشعور الغريب.
نهض ببطء.
لم يكن يعرف إلى أين يتجه. لكنه كان يعرف أنه لا يريد البقاء هنا. كان يريد أن يمشي، أن يتحرك، أن يفعل شيئاً يبعده عن هذا الشعور المربك.
بدأ يمشي.
لكن مشيته كانت مختلفة هذه المرة. لم تكن مشية الهارب. كانت مشية من يبحث عن شيء، وإن كان لا يعرف ما هو.
مشى بين الأشجار المتشابكة، بين الظلال التي كانت تتمدد كأصابع تريد لمسه. كانت خطواته بطيئة، مدروسة، كمن يتعلم المشي من جديد.
وفجأة، توقف.
كان هناك شيء أمامه. شيء لم ينتبه له من قبل.
كانت شجرة.
لكنها لم تكن كباقي الأشجار. كانت أكبر، أقدم، جذعها أعرض من أن تحيط به يداه. كانت جذورها تتعالى عن الأرض كأصابع عملاقة تشبثت بالتراب منذ قرون.
وقف سون أمامها، ينظر إليها.
لم يعرف لماذا توقف. لم يكن هناك شيء مميز فيها. مجرد شجرة عتيقة في غابة مليئة بالأشجار العتيقة.
لكنه شعر بشيء.
شعر بأن هذه الشجرة كانت هنا منذ زمن طويل. منذ قبل أن يولد. منذ قبل أن يموت أبوه. منذ قبل أن تولد أمه.
كانت هنا، ترى كل شيء، تسمع كل شيء، وتصمت عن كل شيء.
مد يده.
لمس جذعها.
كان خشنًا، بارداً، كجلد حيوان عتيق. شعر بتفاصيل اللحاء تحت أصابعه، شعر بالشقوق التي رسمها الزمن على جسدها.
وأغلق عينيه.
كان يحاول أن يشعر بها. ليس بيده فقط، بل بشيء آخر. بشيء في داخله كان قد استيقظ للتو.
شعر بصلابتها. شعر بعمق جذورها. شعر بكل شيء كانت تحمله من أسرار.
ثم شعر بشيء آخر.
شيء كان تحت يديه. شيء لم يكن لحاءً. كان نقشاً. نقشاً محفوراً على جذع الشجرة، قديماً جداً، بالكاد يمكن رؤيته تحت طبقات الزمن.
فتح عينيه بسرعة.
نظر إلى المكان الذي كانت تلمسه يداه. كان هناك نقش. صغير، خافت، كأن أحداً كتبه منذ زمن بعيد ثم نسي وجوده.
حاول سون أن يقرأه.
كان صعباً. الزمن كان قد أكل معظمه، والظلام كان لا يساعد. لكنه رأى شيئاً. رأى حروفاً، بالكاد واضحة، كأنها تهمس له من الماضي.
لم يستطع قراءتها كلها. لكنه رأى كلمة واحدة. كلمة كانت واضحة بما يكفي ليجعل قلبه يتوقف للحظة.
كلمة: "سون."
اسمه.
وقف هناك، يتنفس بصعوبة، ينظر إلى النقش الذي يحمل اسمه على شجرة عتيقة في وسط غابة لا يعرفها.
لم يفهم.
كيف وصل اسمه إلى هنا؟ من كتبه؟ ومتى؟
كانت الأسئلة تتزاحم في رأسه كسرب من الطيور المذعورة. لكنه لم يجد أي جواب.
مد يده مجدداً، لمس النقش، حاول أن يشعر به، أن يفهمه.
لكن كل ما شعر به هو برودة اللحاء، وصلابة الخشب، وصمت الغابة من حوله.
جلس على الأرض أمام الشجرة.
كان متعباً. ليس من الجسد فقط، بل من الروح. كان يحاول أن يفهم، لكن كل شيء كان غامضاً، كل شيء كان بعيد المنال.
نظر إلى الشجرة، إلى النقش الذي يحمل اسمه، إلى تلك الرسالة من الماضي التي لا يعرف من أرسلها.
ثم تذكر الصوت.
ذلك الصوت النسائي الذي جاء من الداخل. الذي قال له إنه ليس وحيداً.
ربما كان هذا هو ما كانت تحاول قوله. ربما كانت تحاول أن ترشده إلى هنا. إلى هذه الشجرة. إلى هذا النقش.
لكن لماذا؟
جلس هناك، في ظل الشجرة العتيقة، يحاول أن يفهم. كان الظلام يحيط به من كل جانب، والغابة كانت صامتة كالمقبرة.
لكنه لم يكن خائفاً.
لأول مرة منذ سنوات، شعر بأنه في المكان الصحيح. شعر بأنه حيث يجب أن يكون.
أغلق عينيه.
وتنفس.
تنفس بعمق، ببطء، يحاول أن يهدئ قلبه، يحاول أن يرتب أفكاره.
لم يكن يعرف ما الذي سيفعله غداً. لم يكن يعرف كيف سيجد الإجابات. لكنه كان يعرف شيئاً واحداً:
لن يهرب بعد الآن.
سيبقى هنا. سيبحث. سيفهم. س
يعرف الحقيقة، مهما كانت، ومهما كلفه الأمر.
فتح عينيه ونظر إلى النقش مجدداً.
سون: "سأعرف من كتب هذا."
قالها بصوت هادئ، كمن يقطع وعداً لا يتراجع عنه.
سون: "سأعرف لماذا أنا هنا. سأعرف كل شيء."
قام ببطء.
كان جسده يؤلمه، وكانت عيناه ثقيلتين من التعب. لكنه شعر بشيء لم يشعر به منذ زمن طويل.
شعر بالأمل.
نظر إلى الشجرة للمرة الأخيرة، ثم استدار، وبدأ يمشي.
لم يكن يعرف إلى أين يتجه. لكنه كان يعرف أنه سيعود إلى هنا. سيعود إلى هذه الشجرة. سيعود إلى هذا النقش.
كانت هذه بدايته.
بداية رحلة لم يكن يعرف كم ستستمر، أو ما الذي سيجده في نهايتها.
لكنه كان يعرف شيئاً واحداً:
لن يتوقف
أبدا