هدأ الجو.

ليس كهدوء عابر، بل كهدوء المقابر في منتصف الليل، كهدوء من لا ينتظر شيئاً، كهدوء من يعرف أن كل الأصوات ستموت في النهاية. الغابة كانت في صمت قاتل، صمتاً لا تسمع فيه حتى حفيف الأوراق، ولا صرير الحشرات، ولا همس الريح بين الأغصان.

الليل كان سيد الموقف.

كان سون واقفاً في منتصف هذا الصمت، يتنفس بصعوبة، يحاول أن يجمع شتات أفكاره التي كانت تتطاير كأوراق في عاصفة. كان جسده مرهقاً، وعيناه ثقيلتين، لكن عقله كان يعمل كآلة حادة، لا تتوقف، لا تهدأ، لا تعرف معنى الراحة.

نظر إلى يمينه. ظلام.

نظر إلى يساره. ظلام.

نظر إلى الأمام. ظلام.

لم يكن يعرف أين هو، ولا إلى أين يتجه، ولا حتى كيف وصل إلى هنا. كان الطريق الذي سلكه مجهولاً، كأن الغابة ابتلعته ثم بصقته في مكان لا يعرفه أحد.

جلس على جذع شجرة قريبة، ووضع رأسه بين يديه.

سون: "لم أفهم."

صوته كان خافتاً، كأنه يتحدث إلى نفسه، أو إلى الغابة التي كانت تستمع بصمتها الثقيل.

سون: "اسمي... من الذي حفره على تلك الشجرة؟"

رفع رأسه، نظر إلى الظلام الذي كان يحيط به، كأنه يبحث عن إجابة في العتمة.

سون: "إنه خط قديم جداً. لكن هذه الغابة..."

توقف. كانت فكرة بدأت تتشكل في ذهنه، فكرة لم تخطر له من قبل.

سون: "هذه الغابة هي جزء من الاختبار. إنها مهارة، أليس كذلك؟ كل ما يوجد هنا قد لا يكون حقيقياً."

نظر إلى يديه. كانتا لا تزالان تنزفان. كان الألم حقيقياً. كان التعب حقيقياً. لكن هذا لا يعني أن كل شيء حقيقي.

سون: "ربما هناك خدعة. مثلما خدعوني في أول الاختبار. ربما هذا النقش مجرد فخ، مجرد لعبة أخرى من ألعاب الحكام."

ضحك. ضحكة قصيرة، جافة، كحجرين يصطكان في الظلام.

سون: "لا يهم. لا يهم الآن. يجب أن أركز على إنهاء هذا الفرع بأي طريقة ممكنة."

وقف فجأة. كان قراره قد اتخذ.

سون: "سأضع خطة."

بدأ يمشي ذهاباً وإياباً أمام الشجرة، كحيوان محبوس في قفص، يحاول أن يجد مخرجاً.

سون: "حسناً... لأفكر."

توقف. رفع إصبعه إلى جبينه، كمن يحاول أن يمسك بفكرة هاربة.

سون: "آه... وجدتها."

بدأ يتحدث بسرعة، كمن يلخص خطة في رأسه قبل أن تتبخر.

سون: "أنا لست سريعاً جداً. هذه حقيقة. ومهارتي تحتاج إلى وقت لكي أستطيع ابتكار أسلوب مضاد لأسلوب الخصم."

توقف. نظر إلى الأرض. ثم رفع رأسه مجدداً.

سون: "إذاً... سأضع فخاخاً في هذا المكان."

بدأ يتحرك، يشير بيديه إلى اتجاهات مختلفة كأنه يرسم خريطة في الهواء.

سون: "فخ هنا. وفخ هناك. سأشتت بها الخصم لمدة دقيقة واحدة فقط. دقيقة واحدة تحتاجها مهارتي لأفهم أسلوبه."

توقف فجأة. كان هناك شيء يزعجه في هذه الخطة.

سون: "لكن... ماذا لو لم تجد الفخاخ نفعاً؟ ماذا لو لجأ الخصم فقط لاستعمال جسده؟"

خفض رأسه. صوته أصبح أخفض.

سون: "ستنهار الخطة."

بدأ يمشي مجدداً.

سون: "وماذا لو لم يأت أي مجرم إلى مكان الفخ؟ حسناً، سأكون قد أضعت وقتي في تركيب فخاخ لا تنفع."

توقف. نظر إلى السماء من بين الأغصان، إلى الغيوم السوداء التي كانت تغطي النجوم.

سون: "هناك الكثير من العيوب في هذه الخطة."

جلس مجدداً. وضع يديه على ركبتيه، وأغلق عينيه.

سون: "لا فائدة منها. أنا أتعامل مع مجرمين، وليسوا أناساً عاديين. المجرمون لا يقعون في الفخاخ بسهولة. هم من يصنعون الفخاخ، وليس من يقعون فيها."

فتح عينيه. كان هناك قرار جديد فيها.

سون: "إذاً... سأضطر إلى استعمال مهارة التكيف من البداية."

وقف. كانت كلماته تخرج بثبات، كمن اقتنع أخيراً بشيء ما.

سون: "سأترك الخصم يضربني بأسلوبه. سأتركه يضربني بقوته الجسدية. لا يهم. سأتألم، لكنني سأتأقلم. سأتأقلم مع أسلوبه، ومع قوته، ومع سرعته. وبعد ذلك..."

رفع قبضته.

سون: "... سأفهمه. سأفهم أسلوبه، وسأبتكر أسلوباً مضاداً."

أنزل قبضته. كان هناك شيء في عينيه، شيء لم يكن موجوداً قبل لحظة. شيء يشبه التصميم.

لكن التصميم تلاشى بسرعة.

سون: "لكن... ماذا لو كان المجرم مثل اللزج؟"

صوته أصبح خافتاً، كمن يواجه حقيقة لا يريد مواجهتها.

سون: "ماذا لو كان لا يترك لي مجالاً للتكيف؟ ماذا لو هاجمني بسرعة لا تسمح لي حتى بالتنفس؟"

جلس مجدداً. وضع رأسه بين يديه.

سون: "لا... ليس اللزج هو المشكلة."

رفع رأسه. كانت عيناه واسعتين، كمن يكتشف شيئاً كان مخفياً عنه.

سون: "المشكلة الحقيقية أنني لم أوازن بين التكيف والابتكار."

نهض فجأة. بدأ يمشي بسرعة، كمن يحاول الهروب من فكرة تؤلمه.

سون: "في المعركة مع اللزج، اتجهت إلى الابتكار مباشرة. تجاهلت التكيف. لم أعِر قوة الخصم أي اهتمام. تركتها لآيل وسيبرو."

توقف. كان صوته مرتعشاً.

سون: "وذلك كان خطأً فادحاً."

نظر إلى الأرض. صوته أصبح همساً.

سون: "أنا سبب الخسارة."

رفع رأسه إلى السماء. كان صوته أعلى الآن، لكنه كان لا يزال يحمل نبرة الندم.

سون: "لو استعملت مهارة التكيف من البداية، لكنت قد أغلقت مساحة الخصم. كان سيصبح محصوراً في أسلوب واحد، وكان سيبرو قد تمكن منه."

سكت للحظة. كان يتنفس بصعوبة.

ثم تنهد.

تنهيدة عميقة، طويلة، كمن يخرج كل ما في داخله من غبار ورماد.

سون: "لا يهم."

قالها بثبات، كمن يقرر أن يترك الماضي خلفه.

سون: "يجب أن أركز الآن. أنا وحدي. ولا أحد سيساعدني."

نظر إلى الغابة من حوله. كانت لا تزال صامتة، لا تزال مظلمة، لا تزال باردة.

سون: "لذا... يجب أن أركز أكثر على الهدف."

جلس مجدداً.

لكن جلسته كانت مختلفة هذه المرة. كانت جلوس من بدأ يخطط، من بدأ يفكر بجدية، من بدأ يضع كل شيء في مكانه.

أغمض عينيه.

وحاول أن يرتب أفكاره.

---

لكنه لم يستطع.

كانت هناك فكرة واحدة فقط، فكرة واحدة كانت تعود إليه مراراً وتكراراً، لا تتركه، لا تمنحه راحة.

ألكس سيلفا.

فتح عينيه. كانت فيهما نار خافتة، نار لا تشتعل لكنها لا تنطفئ.

سون: "أوف... مازالت تلك الخسارة عالقة في ذهني."

قام من مكانه. بدأ يمشي من جديد، ذهاباً وإياباً، كمن يحاول أن يهرب من فكرة تطارده.

سون: "ذلك الولد... ألكس... إنه متعجرف جداً."

توقف. نظر إلى الفراغ أمامه وكأنه يرى ألكس واقفاً هناك.

سون: "لقد غدر اللزج. لولا أنه تدخل، لكنت وقفت أمامه. كنت سأقاتله حتى النهاية."

لكنه توقف فجأة. كانت كلماته تتردد في أذنيه، وكان يعرف أنها ليست صادقة تماماً.

سون: "لا... بل هو قوي."

اعترف بها أخيراً، كمن يبصق حجراً كان عالقاً في حلقه.

سون: "حسناً، لا أنكر ذلك. لكن..."

رفع قبضته إلى السماء.

سون: "سأريه أنني لن استسلم. سأريه أنني سأنجح في هذا الاختبار، مهما كان الثمن."

أنزل قبضته. كان هناك تصميم جديد في عينيه، تصميم لم يكن موجوداً قبل لحظة.

سون: "حسناً... سأخاطر بالخطة الثانية."

وقف في مكانه، يلخص في رأسه ما سيفعله.

سون: "التكيف ثم الابتكار. لا... التكيف والابتكار معاً. سأجعل مهارتي تعمل في كلا الاتجاهين في نفس الوقت."

توقف. كان يفكر.

سون: "سأرتاح هنا لبضع ساعات. سأنام قليلاً، لأستعيد قوتي. ثم..."

نظر إلى الأفق، إلى حيث الغابة تمتد بلا نهاية.

سون: "... سأبدأ في تنفيذ الخطة."

جلس على الأرض، ووضع ظهره على جذع شجرة قريبة. كان جسده مرهقاً، وعيناه ثقيلتين، وعقله يئن من كثرة التفكير.

أغمض عينيه.

لكنه قبل أن ينام، فتح عينيه للحظة واحدة، ونظر إلى السماء من بين الأغصان.

سون: "سأبحث جيداً. سأجد مجرماً. وسأواجهه. وسأنتصر."

أغلق عينيه مجدداً.

سون: "هذه المرة، لن أخسر."

وبدأ يتنفس ببطء، يحاول أن ينام، يحاول أن يستريح قبل أن تبدأ المعركة القادمة.

الغابة كانت لا تزال صامتة.

لكن صمتها لم يعد صمت المتفرج. صار صمت من ينتظر، من يراقب، من يعرف أن شيئاً ما سيحدث قريباً.

الليل كان سيد الموقف.

وسون كان مستعداً لمواجهته.

في ناحية أخرى من الغابة، حيث الأشجار أقل كثافة والسماء تبدو أوسع، كان المشهد مختلفاً.

حجر كبير، ضخم، كأنه سقط من السماء منذ آلاف السنين واستقر هناك، يحدق في الغابة بعينين من صخر. كان سطحه أملساً، بارداً، يلمع تحت ضوء القمر الخافت كمرآة ميتة.

على هذا الحجر، جلس سيبرو.

لم يكن جلوسه جلوس راحة. كان جلوس من يفكر، من يحلل، من يعيد تشغيل أحداث اليوم في رأسه كشريط فيلم لا يريد أن يتوقف. ساقاه متقاطعتان، ويداه مشبوكتان على ركبتيه، وعيناه نصف مغمضتين كمن يراقب عالماً لا يراه الآخرون.

تحته، واقفاً، كان آيل.

كان يقف بثبات، يداه في جيوبه، ينظر إلى سيبرو بعينين تحملان سؤالاً لم يلفظه بعد. جسده كان مرهقاً، وآثار المعركة لا تزال واضحة عليه، لكنه كان واقفاً كمن يرفض السقوط.

صمت.

صمت طويل، ثقيل، كأن الغابة وضعت يدها على فمها لتستمع.

ثم كسر آيل الصمت.

آيل: "هل سون بخير؟"

صوته كان خافتاً، كمن يخاف أن يوقظ شيئاً نائماً في الغابة.

آيل: "أشعر أنه كان محبطاً للغاية أثناء رحيله. لم يقل كلمة واحدة وهو يمشي. كان وجهه..."

توقف. بحث عن الكلمة المناسبة.

آيل: "... كان وجهه كوجه من يدفن شيئاً بداخله."

سيبرو لم يفتح عينيه. لكن شفتيه تحركتا قليلاً، كمن يبتسم دون أن يبتسم.

سيبرو: "لم أفهمه."

فتح عينيه أخيراً. نظر إلى آيل بنظرة باردة، محايدة، كمن ينظر إلى لغز لم يحله بعد.

سيبرو: "هو في الأصل يجب أن يلوم نفسه. لكنه أصبح يلومنا نحن. يقول إننا أصبحنا عائقاً عليه."

ضحك. ضحكة قصيرة، جافة، كحجرين يصطكان في الظلام.

سيبرو: "ألم تر كيف نظر إلينا قبل أن يمشي؟ كأننا كنا سبب هزيمته. كأن مهارتنا هي التي خذلته، وليس هو من خذل نفسه."

آيل حرك رأسه ببطء، كمن يختلف مع ما يسمعه.

آيل: "سيبرو... أنت تعلم أن سون لا يقصد ذلك."

خطا خطوة نحو الحجر، رفع يديه كمن يحاول أن يشرح شيئاً صعباً.

آيل: "إنه يقصد العكس تماماً. هو يعلم، وأنا أيضاً أعلم، أنك لو كنت وحدك لكنت استطعت قضاء على ذلك اللزج."

توقف. كانت كلماته تخرج ببطء، كمن يختارها بعناية.

آيل: "لقد استعملت القليل من قوتك. تحكمت في مهارتك كي لا تخترقنا. مهارتك مهارة فردية، تؤثر على كل من يلمس مجالها. لكنك ركزت عليها، ضبطتها، وجهت محورها إلى اللزج وتركتنا نحن الثلاثة خارج نطاقها."

سيبرو نظر إلى آيل طويلاً.

نظرة طويلة، عميقة، كمن يحاول أن يقرأ ما بين السطور.

ثم تنهد.

سيبرو: "جزء من كلامك صحيح."

نهض من على الحجر ببطء. وقف هناك، على قمة ذلك الصخر، ينظر إلى آيل من الأعلى كمن ينظر إلى مرآته القديمة.

سيبرو: "لكن مع هذا، لم أكن لأقضي عليه وحدي. سرعته وقوته البدنية تفوقني بمراحل. مهارته أيضاً تلعب على مجال مفتوح، وهذا يمنحه تفوقاً عليّ."

قفز من على الحجر.

هبط على الأرض بهدوء، كقط أسقطته السماء. لم يصدر عن هبوطه إلا همس خفيف، كأن الأرض نفسها استقبلته دون أن تشعر بثقله.

وقف أمام آيل، ينظر إليه بعينين حادتين.

سيبرو: "لكنني لاحظت شيئاً."

توقف. كانت كلماته تخرج ببطء، كمن يكشف سراً.

سيبرو: "أنت تتفوق علينا أنا وسون من ناحية السرعة والقوة الجسدية. في إحدى لحظات المعركة، استطعت مجاراة اللزج بسرعة. كنت تتقدم وتتراجع كأنك تلعب معه، وليس كأنك تقاتل."

آيل نظر إلى الأرض. كان هناك شيء في عينيه، شيء يشبه الخجل، أو ربما التواضع.

آيل: "شكراً لمديحك."

رفع رأسه مجدداً. كانت عيناه مختلفتين الآن، أكثر صلابة.

آيل: "لكن بما أن مهارة الشلل لم تكتمل بعد، فقد التجأت إلى بناء عضلاتي، لأغطي على هذا النقص. جسدي هو سلاحي المؤقت، إلى أن تتمكن مهارتي من أن تكون سلاحي الحقيقي."

سيبرو أومأ برأسه. كان هناك شيء في عينيه، شيء يشبه التقدير.

سيبرو: "لديا فكرة يا آيل."

خطا خطوة نحو آيل. صوته أصبح أخفض، كمن يشارك سراً.

سيبرو: "أظن أنها ستنجح. لكن في البداية، دعني أطرح عليك أسئلة."

آيل: "تفضل."

كان صوته ثابتاً، مستعداً.

سيبرو: "كم مدة تأثير مهارة الشلل على الخصم؟"

آيل: "خمس ثوانٍ."

لم يتردد. كان يعرف إجابة هذا السؤال كمن يعرف اسمه.

سيبرو: "جيد."

ابتسم. كانت ابتسامة خفيفة، بالكاد مرئية، لكنها كانت موجودة.

سيبرو: "ما هو العدد الأقصى الذي تستطيع توجيه مهارتك إليه؟"

آيل توقف للحظة. كانت عيناه تبحثان في الفراغ، كمن يسترجع ذاكرة قديمة.

آيل: "لا أعلم بالضبط. لكنني أظن أنني قرأت على مهارتي مرة، ورأيت أنه بمقدور حاملها التأثير على مجال. وتختلف مساحته بمدى قوة الحامل."

سيبرو أومأ برأسه مجدداً. كان هناك حماس خفي في عينيه، حماس لم يظهره من قبل.

سيبرو: "إذاً... سوف تتدرب."

أشار بيده إلى المكان الذي أمامهم.

سيبرو: "ارسم دائرة بقطر خمسة أمتار. ضع داخلها ثلاثة أشجار. وحاول أن تؤثر على كل ما في الدائرة بمهارتك."

نظر إلى آيل بعينين ثابتتين.

سيبرو: "حاول أن تتحكم فيها، ولو قليلاً. لا يهم إن فشلت في البداية. المهم أن تبدأ."

آيل نظر إلى المكان الذي أشار إليه سيبرو. ثم نظر إلى سيبرو مجدداً.

آيل: "حسناً. لكن..."

توقف. كان هناك سؤال في عينيه.

آيل: "ما هي الخطة؟"

سيبرو هز رأسه ببطء.

سيبرو: "ليس الآن."

صوته كان حازماً، كمن يغلق باباً لا يريد فتحه بعد.

سيبرو: "أولويتنا الآن هي رفع المستوى. أنا سأتدرب على القوة الجسدية."

التفت إلى الحجر الكبير الذي كان يجلس عليه قبل لحظات. نظر إليه بعينين تقديران، كمن يحدد عدواً جديداً.

سيبرو: "لعلني أستطيع رفع تلك الصخرة بحلول الصباح."

ضحك آيل.

ضحكة خفيفة، صادقة، كمن سمع نكتة جيدة في وقت كانت النكات فيه نادرة.

آيل: "ههههههه... إنها كبيرة يا سيبرو."

نظر إلى الحجر، ثم إلى سيبرو، ثم إلى الحجر مجدداً.

آيل: "أظن أنها ستعصرك قبل أن ترفعها."

لم يضحك سيبرو.

لكن شيئاً ما في عينيه تغير. شيء يشبه التحدي، شيء يشبه العزم، شيء يشبه النار التي تشتعل في آخر فحماتها.

سيبرو: "ربما."

قالها بهدوء. ثم أضاف، وصوته كان أخفض من همس:

سيبرو: "لكنني سأحاول."

توجه إلى الحجر.

وقف أمامه، ينظر إليه كمن ينظر إلى عدو قديم. كان الحجر أكبر منه بكثير، أعرض من أن تحيط به يداه، وأثقل من أن يرفعه أي إنسان عادي.

لكن سيبرو لم يكن إنساناً عادياً.

مد يديه.

لمستا سطح الحجر البارد. شعر بصلابته، ببرودته، بثقل وجوده في هذا المكان.

أغلق عينيه.

وتنفس.

تنفس بعمق، ببطء، كمن يستعد لشيء صعب.

ثم بدأ يدفع.

لم يتحرك الحجر. كان ثابتاً كالجبل، كأنه جزء من الأرض نفسها.

لكن سيبرو لم يتوقف.

واصل الدفع. عضلاته كانت تصرخ، عروقه كانت تنتفخ، وجهه كان يتغير لونه.

لكنه استمر.

آيل وقف هناك، يراقب. لم يقل شيئاً. لم يضحك مجدداً.

كان ينظر إلى سيبرو بعينين مختلفتين. عينين ترى شيئاً لم تره من قبل.

رأى عزماً لا يلين.

رأى إرادة لا تنكسر.

رأى رجلاً يرفض أن يخسر، حتى لو كان عدوه حجراً لا يشعر.

آيل: "سأبدأ تدريبي أيضاً."

قالها بصوت خافت، كمن يعد بوعد لنفسه.

استدار، واتجه إلى المكان الذي أشار إليه سيبرو.

بدأ يرسم دائرة في التراب بإصبعه.

دائرة بقطر خمسة أمتار.

داخل الدائرة، كانت هناك ثلاث أشجار. ليست كبيرة، ليست صغيرة. كانت منتصبة، صامتة، كشهود على ما سيكون.

وقف آيل في وسط الدائرة.

أغلق عينيه.

وحاول أن يشعر بمهارته. تلك المهارة التي كانت نائمة في داخله، تنتظر أن تستيقظ.

لم يشعر بشيء.

لكنه لم يستسلم.

استمر في المحاولة.

وفي الجانب الآخر، كان سيبرو لا يزال يدفع الحجر.

الغابة كانت صامتة.

لكن صمتها لم يعد صمت الموت. صار صمت الحياة التي تنتظر أن تولد من جديد.

الليل كان لا يزال سيد الموقف.

لكن تحت ضوء القمر، كان هناك رجلان يرفضان أن يخسرا.

وكان ذلك كافياً.

في جهة أخرى من الغابة، حيث الأشجار كانت أطول وأغصانها أكثر كثافة، كان سون يغفو فوق شجرة عالية.

لم يكن نومه نوم الغافل. كان نوم المستعد، نوم من ينام وعيناه نصف مفتوحتين، وأذناه تلتقطان كل صوت، وجسده مستعد للانطلاق في أي لحظة. كان قد اختار هذا المكان بعناية، حيث يمكنه رؤية كل ما يحدث حوله، وحيث لا يمكن لأي شيء أن يقترب منه دون أن يشعر به.

لكن الغابة كانت خادعة.

فجأة، سمع صوتاً.

لم يكن صوتاً عالياً. كان كهمس، كأن الأرض تتحدث مع نفسها. لكن في صمت الغابة، كان ذلك الهمس كالصراخ.

صوت من وسط العشب، مع خطى أقدام ثقيلة، كمن يمشي بتعب، كمن سئم من المشي في هذا المكان اللعين.

الصوت: "أوفف... لقد مللت. مللت."

فتح سون عينيه بسرعة.

لم يفكر. لم يخطط. جسده تحرك قبل عقله. انزلق من على الغصن ببراعة، هابطاً إلى الأرض كقط أسقطته السماء، لم يصدر عن هبوطه إلا همس خفيف، كأن الأرض نفسها استقبلته دون أن تشعر بثقله.

وقف هناك، جسده منحنياً قليلاً، قبضتاه مشدودتان، عيناه تبحثان في الظلام.

كان مستعداً.

وفجأة، خرج رجل من بين العشب الطويل.

لم يكن خروجه مفاجئاً، بل كان كمن يخرج من حفلة، كمن لا يريد أن يخيف أحداً. كان يمشي ببطء، يداه في جيوبه، ووجهه يعلوه ابتسامة غريبة.

شعره كان غريباً. أسود من جهة، وأحمر من الجهة الأخرى، كأنه لم يستطع أن يقرر أي لون يريد، فاختارهما معاً. وعيناه، كانتا تماماً مثل شعره: عين سوداء كالليل، وعين حمراء كالدم.

وقف الرجل أمام سون، ابتسامته لا تزال على وجهه، ينظر إليه كمن ينظر إلى صديق قديم لم يره منذ زمن.

سون: "أحد المجرمين، إذاً."

صوته كان حاداً، كحافة سكين، جسده لم يتراخِ للحظة.

الرجل ضحك.

لم تكن ضحكة ساخرة، ولا ضحكة خوف. كانت ضحكة من يجد الموقف مضحكاً حقاً، كمن يشاهد مسرحية هزلية.

الرجل: "لا لا يا سون، لا تهجم."

بدأ يتحرك، يمشي في شكل دائري حول سون كطير جارح يدرس فريسته. لكن خطواته كانت خفيفة، غير مهددة، كمن يمشي في حديقته.

سون: "من أنت؟ كيف عرفت اسمي؟"

كان صوته لا يزال حاداً، لكن فيه فضولاً، فضول من لا يثق بأي شيء لكنه يريد أن يفهم.

الرجل توقف عن الدوران. وقف أمام سون، ونظر إليه بعينيه المختلفتين.

الرجل: "سأصارحك الرأي."

توقف. ضحك مجدداً.

الرجل: "لقد مللت، ههههههه."

سون حدق فيه. كان هناك شيء غريب في هذا الرجل، شيء لا يستطيع فهمه.

سون: "ما بهذا الرجل؟"

تمتم بها لنفسه، لكن صوته كان عالياً بما يكفي ليسمعه الرجل.

سون: "هاي، هل أنت مجنون؟"

الرجل ضحك بصوت أعلى. ضحكة طويلة، صادقة، كمن لم يضحك منذ زمن طويل.

الرجل: "حسناً حسناً. أنا أحد المجرمين."

توقف عن الضحك. أصبح وجهه أكثر جدية.

الرجل: "لقد تبعتك من حيث افترقت عن فرقتك. رأيتك وقلت: ها هي وجبة دسمة."

ابتسم. لكن ابتسامته لم تكن شريرة. كانت كابتسامة من يمزح مع صديق.

الرجل: "لكن الآن، لا."

سون: "لن تخدعني."

تقدم خطوة إلى الأمام. كانت قبضتاه مشدودتين، جسده متوتراً.

سون: "أعلم أنك ستغدر بي في أي وقت. لا أعلم ما يدور في رأسك، لكنني لن أنخدع."

الرجل رفع يديه كمن يستسلم. كانت حركته بطيئة، غير مهددة.

الرجل: "لا لا يا سون، أنا أقول الحقيقة."

نظر إلى سون بعينيه المختلفتين. كان صوته أكثر جدية الآن.

الرجل: "إذا أردت أن أقضي عليك، لما ظهرت لك. كنت سأنقض عليك من الخلف، وأنت نائم على غصنك، وأقضي عليك دون أن تشعر."

توقف. ابتسم مجدداً.

الرجل: "لكنني هنا، واقف أمامك، أتكلم معك. أليس هذا دليلاً على أنني لا أريد قتلك؟"

سون نظر إليه طويلاً. كان يحاول أن يقرأه، أن يفهمه، أن يجد أي علامة على الخداع.

لكنه لم يجد شيئاً.

سون: "إذاً، ماذا تريد؟"

الرجل: "حسناً يا عزيزي، أنا لست قوياً."

قالها ببساطة، كمن يقول حقيقة لا تحتاج إلى نقاش.

الرجل: "في الواقع، أنت تستطيع قتلي بسهولة تامة.".

الرجل: "خذ هذه. إنها نقطة ضعفي."

سون نظر إلى الرجل. لم يتحرك.

سون: "أنت تكذب."

الرجل: "أقسم أنني لا أكذب."

رفع يده اليمنى كمن يقسم.

الرجل: "هذه هي نقطة ضعفي الحقيقية. إذا أردت قتلي، فأنا ضعيف جسديا ."

سون: "لماذا تفعل هذا؟"

كان السؤال يخرج من فمه كهمس. كان يحاول أن يفهم، أن يجد تفسيراً لما يحدث.

الرجل ابتسم. ابتسامة مختلفة هذه المرة. ابتسامة من يوشك أن يكشف سراً.

الرجل: "هذا ما أريدك أن تسألني إياه."

توقف. نظر إلى سون بعينيه المختلفتين، كمن يقرأ كتاباً مفتوحاً.

الرجل: "مهارتي هي قراءة العقل."

صمت للحظة. كان يترك الكلمات تترسخ في ذهن سون.

الرجل: "وهذا ما جعلني أعرف اسمك. وهذا ما جعلني أعرف كل شيء عنك. عن هزيمتك، عن خوفك، عن رغبتك في أن تثبت نفسك."

سون وقف هناك، جامداً. كان يحاول أن يعالج ما يسمعه.

سون: "إذاً... الاسم الذي كان على الشجرة... من صنعك؟"

الرجل ضحك. ضحكة خفيفة، كمن يعترف بشيء مضحك.

الرجل: "نعم. كان من ضمن خطتي الأولى."

توقف. ثم أضاف:

الرجل: "لكنني تخليت عنها. لأنها لن تربحني بشيء."

سون: "إذاً، ما المطلوب؟"

تقدم خطوة نحو الرجل. كانت عيناه حادتين، كسكينين جديدين.

سون: "أم أنني سأقضي عليك بما أنك وثقت بي وأعطيتني نقطة ضعفك؟"

ابتسم. كانت ابتسامة باردة.

سون: "يالك من أحمق وغبي."

لكن الرجل لم يخاف.

الرجل: "لا تخف، هههه."

توقف عن الضحك فجأة. أصبح وجهه أكثر جدية، أكثر حدة.

الرجل: "أنا لا أدخل صفقة وأخرج خاسراً منها. قلت لك أنني ضعيف جسدياً، وهذا صحيح. لكن هذا لا يعني أنك تستطيع القضاء عليّ بسهولة تامة."

مد يده إلى جيبه سون توتر مجدداً، لكن الرجل أخرج شيئاً آخر.

كانت ورقة. مطوية، قديمة، كأنها كتبت منذ زمن بعيد.

الرجل: "حسناً، لا يهم. سأترك البقية لنفسي، ولن أتحدث أكثر."

فتح الورقة، ونظر إليها للحظة، ثم رفع عينيه إلى سون.

الرجل: "سأعطيك إيجابيات خطتي فقط."

طوى الورقة، وأعادها إلى جيبه.

الرجل: "سأرافقك. سأساعدك في معاركك مع المجرمين الآخرين. بما أنني أقرأ العقل، فكل ما يفكر به خصمك سأنقله إليك قبل ثوانٍ من أن يفعله."

ابتسم. كانت ابتسامة واثقة، كمن يبيع سلعة يعرف أنها جيدة.

الرجل: "يعني، كأنك تملك خريطة تتحكم بخصمك. ستعرف كل حركة قبل أن يقوم بها، كل هجمة قبل أن يشنها، كل ضعف قبل أن يستغله."

سون وقف صامتاً.

كان يفكر.

كان يحاول أن يجد الثغرة، أن يكتشف الخدعة، أن يفهم لماذا يقدم له هذا الرجل كل هذا دون مقابل.

سون: "وما فائدتك أنت من هذا؟"

الرجل: "لن أجيب."

سون: "ولماذا اخترتني أنا؟"

الرجل: "لن أجيب."

سون: "إذاً..."

توقف. نظر إلى الرجل بعينين ثاقبتين.

سون: "أعطني إجابة على هذا السؤال: ما هي سلبيات خطتك بالنسبة لي؟"

الرجل نظر إلى سون طويلاً.

ثم ابتسم.

الرجل: "لا شيء."

كان صوته هادئاً، واثقاً.

الرجل: "أقسم أنك ستكون المستفيد الوحيد من كل شيء. أنت فقط، دون غيرك."

توقف. ثم أضاف:

الرجل: "إذاً، ماذا قررت؟ هل توافق على الشروط؟"

سون وقف صامتاً.

كان يفكر. لكنه لم يكن يفكر في كلمات الرجل، بل في ما وراءها.

في داخله، كان صوته الداخلي يتحدث:

"إذا وافقت، من يضمن لي أنه لا يكذب؟ من يضمن لي أنه لن يغدر بي في أول فرصة؟"

نظر إلى الرجل. كان واقفاً هناك، يبتسم، ينتظر.

توقف. كانت الفكرة التالية هي التي قررت كل شيء:

"إذا وافقت، سيمر الوقت. سأكون معه، سأراقبه، سأدرس حركاته، سأحاول فهم مهارته. وإذا غدر بي..."

رفع عينيه إلى الرجل.

"... سأكون قد ابتكرت مهارة مضادة. سأكون مستعداً."

في تلك اللحظة، سمع سون صوتاً في رأسه. لكنه لم يكن صوته.

كان صوت الرجل.

صوت الرجل في ذهنه: "لقد سمعت كل ما تحدثت به في عقلك."

رفع سون رأسه بسرعة. كان الرجل ينظر إليه بعينين مختلفتين، ابتسامة عريضة على وجهه.

الرجل: "إذا غدرت بك، فاقتلني. لا بأس. سأكون قد استحققت ذلك."

ضحك. ضحكة خفيفة، صادقة.

الرجل: "إذاً، ماذا قررت؟"

سون نظر إليه طويلاً.

ثم أومأ برأسه ببطء.

سون: "نعم. أنا موافق."

الرجل ابتسم.

ابتسامة عريضة، كمن فاز بجائزة كبيرة.

الرجل: "اسمي أوتي."

مد يده إلى سون.

لكن سون لم يصافحه. وقف هناك، ينظر إلى اليد الممدودة بعينين باردة.

سون: "سأراقبك. كل حركة. كل نظرة. كل كلمة. وإذا اكتشفت أي خدعة..."

توقف. كانت كلماته تخرج كالسكاكين.

سون: "... سأقتلك."

أوتي لم يخفض يده. ظل ممدوداً، يبتسم، كمن يعرف شيئاً لا يعرفه سون.

أوتي: "أتفهم ذلك."

ثم أضاف في نفسه

: "أيها الغبي سون. لقد علقت في شباكي. أظن أن هذه الخطة ستنجح."

الغابة من حولهما كانت صامتة.

لكن سون شعر فجأة بالبرد.

برد لا يأتي من الريح، ولا من الظلام. برد يأتي من الداخل، من ذلك الشعور بأنه وافق على شيء لا يفهمه، بأنه دخل في لعبة لا يعرف قواعدها.

لكنه كان قد وافق.

ولن يتراجع.

مد يده.

صافح أوتي.

كانت يد أوتي باردة. باردة جداً، كأنها يد ميت.

ابتسم أوتي.

وقال بصوت مسموع هذه المرة:

أوتي: "سيكون الأمر ممتعاً."

الغابة من حولهما كانت لا تزال صامتة.

لكن شيئاً ما كان قد تغير.

شيء في الهواء، شيء في الظلام، شيء في مصير سون الذي كان قد اتخذ منعطفاً جديداً.

كانت الصفقة قد عُقدت.

واللعبة كانت قد بدأت للتو.

يُتبع...

2026/07/26 · 83 مشاهدة · 3686 كلمة
Foha
نادي الروايات - 2026