بدأ ضوء الصباح يتسلل إلى الغابة بعد ليلة طويلة من المراقبة.

لم تكن الشمس قد ظهرت بعد، لكن نورها كان يزحف ببطء بين الأغصان، كأصابع فضية تلامس الأرض الباردة، توقظ النور من سباته العميق. الضباب كان لا يزال كثيفاً، يتعلق بالأشجار كأكفان بيضاء تنتظر أن ترفع.

مراقبة.

مراقبة سون لأوتي، ذلك الرجل الذي كان مستلقياً على الأرض نائماً، بلا مبالاة، كأنه في منزله وليس في غابة مليئة بالموت. كان نومه ثقيلاً، عميقاً، وكأنه يتحدى الغابة نفسها، يتحدى الخطر، يتحدى الموت أن يأتيه.

بل كان شخيره يستفز الأرض.

أما سون، فكان بعيداً عنه، فوق إحدى الأشجار العالية. جلس على غصنٍ قوي، ظهره مستند إلى الجذع، وعيناه مثبتتان على الجسد النائم أدناه. لم يغمض عينيه طوال الليل. كان يراقب، يحلل، يفكر.

وفي رأسه، كانت الأفكار تتزاحم كسرب من الطيور الجارحة.

سون في نفسه: "هذا المجرم خطير. لا أعرف نواياه، فقط أرى أنه قد يساعدني في التخلص من مجرمين بسهولة."

توقف للحظة. كان ينظر إلى أوتي، الذي كان قد تقلب في نومه، ووضع يده تحت رأسه كوسادة.

سون في نفسه: "وهو يمدني بالوقت اللازم لكي ابتكر مهارة ضد أسلوبه. لكن مهارته حسية، وهذا النوع أول مرة أصادفه. أمر صعب."

رفع يده إلى جبهته، يمسح عرقاً بارداً لم يكن يعرف أنه موجوداً.

سون في نفسه: "لكنني أظن أنه يخفي شيئاً. لا أتوقع أن هذه هي مهارته الحقيقية. يجب أن أركز عليه أكثر من نفسي، فهو فريسة جيدة في هذا الوقت."

ابتسم. كانت ابتسامة باردة، كمن يضع خطة في رأسه.

سون في نفسه: "سأحسب نفسي أنني حصلت على نقطة. أظن أنني سأقضي عليه."

سكت قليلاً. كانت الفكرة التالية أثقل.

سون في نفسه: "لكن... ما سر خطته؟ أريد أن أعرف ما يطمح إليه. ولماذا اختارني أنا بالذات؟"

أدار رأسه، نظر إلى الأفق حيث الضوء كان يزداد.

سون في نفسه: "أظنها صدفة. لو كان أحد آخر مكاني لاختاره. سأترك هذا الأمر هكذا كي لا أعيق نفسي بالتفكير."

لكنه لم يستطع ترك الأمر. كان السؤال يعود إليه كالذبابة التي لا تموت.

سون في نفسه: "لكن الأمر المعقد هو... ما هو هدفه؟ هل النجاة؟"

توقف. فكر في الإجابة.

سون في نفسه: "لا. لو كان النجاة هدفه، لأجابني على سؤالي: ما هو هدفك؟ ولو أراد النجاة، لاختار مساعدة مجرم آخر والعمل معه، لا العمل مع مختبر. هذا الأمر مناقض."

نظر إلى أوتي مجدداً. كان لا يزال نائماً، كأنه لا يهتم بشيء.

سون في نفسه: "وأيضاً، أرى أن في خطته تأثيراً سلبياً عليّ. لأنه قال إن لخطته إيجابيات فقط، لكن من دون أن يلحظ، اتضح أن لها سلبيات أيضاً."

تنهد. كان يفكر كثيراً، حتى شعر بأن رأسه سيشتعل.

سون في نفسه: "يجب أن أحتاط منه. فهو يستطيع قراءة الأفكار، لذا يجب أن أتظاهر بالسلم أكثر. لأنني لو تظاهرت بالعكس، سيؤثر هذا عليّ، وسيكون عقبة في طريقي، وسأكون فريسة سهلة له."

توقف. ثم أضاف، وكأنه يقطع حبلاً كان معلقاً عليه:

سون في نفسه: "إذاً، لا يهمني. المهم هو نجاحي أنا. وإن استخدمني في خطته، فلا بأس. المهم هو اجتياز الاختبار، ولا يهمني أحد آخر."

قفز سون من الشجرة.

لم يكن قفزاً عالياً، بل انزلاقاً محكوماً، كمن يعرف كيف يهبط دون أن يحدث ضجة. هبط على الأرض بهدوء، كأن قدميه كانتا من حرير، وتوجه نحو أوتي الذي كان لا يزال غارقاً في نومه العميق.

وقف أمامه.

كان قريباً جداً. قريباً بما يكفي ليرى تفاصيل وجهه، ليرى تنفسه المنتظم، ليرى كيف كان جسده مرتخياً، خالياً من أي دفاع.

سون في نفسه: "إنه مرخٍ كل دفاعاته. استطيع أن أقضي عليه في أي ثانية."

رفع يده. كانت قبضته مشدودة. كان بإمكانه أن يضرب، أن ينهي كل شيء، أن يحصل على نقطته الأولى.

لكنه تردد.

سون في نفسه: "لكن لماذا يثق بي كل هذا؟ لماذا يترك نفسه بهذا الضعف؟"

أنزل يده ببطء.

سون في نفسه: "لا أعلم. عقلي بدأ يحترق من التفكير. سأعطيه فرصة. ربما يكون صادقاً."

ضحك في نفسه. ضحكة مريرة.

سون في نفسه: "لكنه مجرم. كيف سيكون صادقاً؟ أوووووف... سأنفجر."

ثم، بصوت عالٍ، قطع الصمت:

سون: "هاي! انهض! انهض!"

صوته كان حاداً، كسوط في الهواء البارد.

تحرك أوتي ببطء. بدأ يتقلب، يتثاءب، يفتح عينيه بنصف كسل.

أوتي: "آه... أين أنا؟"

كان صوته ناعساً، كمن لا يزال في حلمه.

سون: "هيا! استيقظ! إنه الصباح!"

جلس أوتي. نظر إلى اليمين، ثم إلى الشمال، كمن لا يتذكر شيئاً. ثم نظر إلى سون.

وفجأة، ابتسم.

أوتي: "سون... كيف حالك؟ هههههههه."

ضحك. ضحكة خفيفة، صادقة، كمن تذكر شيئاً ممتعاً.

أوتي: "تذكرت الآن، ههههه. لا تقلق، أنا في الغالب أنسى نفسي عندما أستيقظ."

وقف ببطء، مدد جسده كقطٍ كسول، ثم نظر إلى سون بعينيه المختلفتين.

أوتي: "إذاً، ماذا سنفعل اليوم؟"

سون حدق فيه. كان هناك شيء في هذا الرجل، شيء لا يستطيع فهمه.

سون: "أتمزح معي؟ ماهذا السؤال الغبي؟ نحن اتفقنا أنك ستساعدني على القضاء على المجرمين."

أوتي: "نعم، أعلم. لكنني سأساعدك، وليس سأعثر معك على مجرمين."

سون: "إذاً، هيا بنا. الحق بي."

بدأ سون يركض. كان جسده لا يزال متعباً من الليلة الطويلة، لكنه ركض بسرعة، متجهاً إلى حيث الغابة كانت أكثر كثافة، حيث كان يعتقد أن المجرمين يختبئون.

وراءه، سمع خطوات أوتي وهو يركض خلفه.

أوتي: "لماذا تركض؟ سأتعب إذا ركضت كثيراً!"

سون: "أريد إنهاء الفرع في أقرب وقت!"

ركضا معاً. كان سون في المقدمة، يتفادى الجذوع، يقفز فوق الصخور، يتحرك كمن يعرف الطريق. وأوتي خلفه، كان يركض بتثاقل، كمن لا يحب الجري.

وفجأة، سمع سون صوت أوتي خلفه:

أوتي: "بالمناسبة... ماهي مهارتك؟"

لم يبطئ سون سرعته. لكن صوته كان حاداً:

سون: "لن أجيبك. لم أثق بك بعد."

أوتي: "آه... إذاً هي التكيف."

توقف سون فجأة. التفت إلى أوتي بعينين واسعتين.

أوتي: "لا تتعجب. نسيت أنني أقرأ أفكارك يا سون. فقط أحتاج إلى طرح السؤال، وسوف تتحرر كل ذكرياتك أمامي."

سون وقف هناك. كان يتنفس بصعوبة. ليس من الجري، بل من الغضب.

سون: "هذا أمر مزعج حقاً."

أوتي: "لا تخف يا سون. أسرارك في الحفظ والكتمان."

استدار سون، وبدأ يركض مجدداً.

لكن في رأسه، كانت الفكرة تتشكل:

سون في نفسه: "أمر غريب... لماذا لم أشعر أنه استعمل مهارته؟ مع أنه قرأ أفكاري."

كان يركض، لكن عقله كان يعمل أسرع من قدميه.

سون في نفسه: "أيعقل أن قراءة الأفكار ليست مهارته الحقيقية؟ وأنه يخفي مهارته الحقيقية؟ لكن كيف؟ لا، هذا ليس عادياً. كيف سأفعل الآن إذا لم أستشعر المهارة؟ لن أستطيع ابتكار المضادة."

أوتي: "سون! كفاك تفكيراً! نسيت أنني موجود!"

صرخ أوتي خلفه، كان يركض بصعوبة، لكن ضحكه كان يسبقه.

توقف سون فجأة.

استدار إلى أوتي، عيناه مشتعلتان.

سون: "أوفففففف! هذا أمر مزعج! مزعج للغاية! يزعجني ويحرقني نفسياً!"

كان صوته عالياً، كمن ينفجر أخيراً بعد طول صبر.

أوتي: "بالمناسبة... لماذا تقدمت إلى الاختبار؟"

نظر سون إليه. كانت عيناه باردة، حادة.

سون: "أرجوك، اصمت. ولا تسألني مرة أخرى. لسنا أصدقاء، نحن فقط حلفاء مؤقتون، لا غير. فالتزم الصمت."

أوتي رفع يديه كمن يستسلم.

أوتي: "حسناً، سأصمت."

ركضا مجدداً. لكن سون كان يفكر. كان هناك سؤال واحد كان يريد أن يسأله، سؤال كان يخشى الجواب عليه، لكنه كان يحتاج إلى معرفته.

أبطأ من سرعته قليلاً، حتى أصبح أوتي بجانبه.

سون: "أريد فقط معرفة شيء."

أوتي: "تفضل."

سون: "نحن المختبرين، يجب علينا قتل مجرمين للنجاح في الفرع. فما هو شرط المجرمين؟ وماذا ينتفعون من المشاركة في هذا الفرع؟"

سكت سون. كان ينتظر الجواب.

في رأس أوتي، كانت الأفكار تتزاحم:

أوتي في نفسه: "إنه سؤال خبيث جداً. إذا أجبت بالحقيقة، سوف يكتشف خطتي مع مرور الوقت. ولكن إذا كذبت عليه، لا أعلم إن كان يعرف الهدف من قبل، فيكتشف أنني أكذب."

نظر إلى سون. كان يركض بجانبه، ينتظر.

أوتي في نفسه: "لذا، يجب أن أقول الحقيقة مزيفة بالكذب، كي لا أخسر من كلا الجهتين."

ثم قال بصوته المسموع:

أوتي: "يجب علينا قتل ثلاثة مختبرين، كل مختبر من فرقة مختلفة. وإذا فعلنا، سيمنحونا الحرية."

ثم، في نفسه، أضاف:

أوتي في نفسه: "وسأدحض الخبر لتأكيد خطتي."

ثم قال بصوته مجدداً:

أوتي: "ولكن... من قال إنهم سيمنحونا الحرية؟ أظن أن هذا كذب. لذلك لن ترى أي مجرم يلتزم بالشرط."

ثم في نفسه:

أوتي في نفسه: "وسأعطيه حجة لدعم ما قلت."

ثم قال بصوته:

أوتي: "مثل اللزج. كان سيقتل ثلاثة منكم، وأنتم من نفس الفرقة. إذاً هو لم يلتزم بالشرط. ليس هو فقط، بل معظمهم هكذا. سوف تقابلهم وترى."

سون: "إذاً، أنت أيضاً لن تلتزم بالشرط؟"

توقف سون عن الركض. وقف هناك، ينظر إلى أوتي بعينين حادتين.

أوتي في نفسه: "إن كان السؤال الأول خبيثاً، فهذا أخبث منه. إنه يتدرج لمعرفة النوايا. ولكن..."

نظر إلى سون. ابتسم.

أوتي: "لا، لن ألتزم."

كان الجواب قصيراً، حاسماً. لم يُعطِ أي تفصيل، أي سبب، أي مبرر.

سون نظر إليه طويلاً. كان يحاول أن يقرأ ما وراء الكلمات، أن يرى ما يخفيه.

لكنه لم يستطع.

تنهد.

سون: "حسناً، لقد تعبت من الجري. دعنا نتوقف قليلاً."

جلس على جذع شجرة قريبة. كان جسده مرهقاً، وعيناه ثقيلتين.

أوتي جلس بجانبه، على الأرض، كمن لا يهتم بالكرامة.

وقفا هناك، في صمت، بين أشجار الغابة التي كانت تبدأ في الاستيقاظ مع ضوء الصباح.

لكن في رأس كل منهما، كانت الأفكار تعمل كالساعات.

سون يفكر في كيفية حماية أفكاره.

وأوتي يفكر في كيفية اختراقها.

وكانت الغابة تشهد على هذه المبارزة الصامتة.

وقف سون هناك، في فسحة من الضوء الخافت، كمن يقف على حافة هاوية لا يرى قعرها. الغابة من حوله كانت تهمس، تهمس له بأن شيئاً ما قد تغير، بأن الهواء أصبح أثقل، وأن الظلال بدأت تتحرك في اتجاهات لا تعرفها الريح.

لكنه لم يكن خائفاً. كان هناك شيء آخر في صدره، شيء يشبه الفضول الممزوج بالحذر.

أوتي كان جالساً على الأرض، ساقاه ممدودتان، ويداه خلف رأسه. لكن عينيه لم تكونا في مكانهما. كانتا تتحركان بسرعة، تتبعان شيئاً لا يراه سون.

ثم قال، بصوت كمن يفتح باباً كان مغلقاً:

أوتي: "بالمناسبة... شاهدت معركتكم مع ذلك المجرم."

توقف للحظة. كانت كلماته تتساقط كحبات المطر الأولى.

أوتي: "وأعجبني أسلوبك. رغم مستواك المتواضع، قدمت معركة جيدة."

نظر سون إلى الأرض. كانت كلمات أوتي تلمس جرحاً لم يلتئم بعد. ذلك الجرح الذي تركته هزيمته، والذي كان ينزف كلما تذكره.

سون: "نعم..."

كان صوته خافتاً، كمن يتحدث إلى نفسه.

سون: "لكنني كنت سبب الخسارة. فيما أظن."

ضحك أوتي. لم تكن ضحكة ساخرة، ولا ضحكة مواساة. كانت ضحكة من يراك تخطئ، ويعرف أنك مخطئ، لكنه يريد أن يسمعك تعترف.

أوتي: "لا."

نهض فجأة. كان نهوضه كمن ينهض من على كرسي هزاز، ببطء، بثقل، كمن لا يريد أن يفعل شيئاً لكنه مضطر.

أوتي: "لم تكن كذلك."

بدأ يمشي. دائرة بطيئة حول سون، كطير جارح لا يزال يقرر إن كان سينقض أم لا.

أوتي: "سأكون محايداً للغاية. صحيح أنك تراخيت قليلاً في البداية. لكنك لم تكن السبب الأكبر."

توقف. وقف أمام سون، ينظر إليه بعينيه المختلفتين، عين سوداء كالليل، وعين حمراء كالدم.

أوتي: "حسب وجهتي... كان العائق الأكبر هو آيل."

اتسعت عينا سون. لم يتوقع هذا. لم يكن يعرف لماذا، لكن كلمات أوتي أصابته في مقتل.

أوتي: "كان ضعيفاً. ضعيفاً جداً. مهارته بدون أي نفع، وكأنه يحمل سيفاً من ورق. حتى مجاراته للمجرم لم تكن ذات تأثير، وكأنه يلعب مع عدو لا يريد أن يلحق به الأذى."

سون: "لا..."

ترددت كلماته. كان يحاول أن يدافع، لكنه لم يجد الكلمات.

سون: "لم يكن عقبة..."

أوتي ضحك مجدداً. لكن هذه الضحكة كانت مختلفة. كانت ضحكة من اكتشف شيئاً كان مخفياً.

أوتي: "آه... فهمت الآن."

توقف عن الضحك. أصبح وجهه أكثر جدية، كمن يستعد لقول شيء ثقيل.

أوتي: "من ذكرياتك... إذاً هو خانكم من قبل. هههههه."

وقفت شعرات سون. كان يشعر بأن أوتي يفتح صناديق مغلقة في رأسه، صناديق كان يحاول أن ينسى وجودها.

أوتي: "لم أفهم لماذا تقول إنه ليس عقبة، وهو قد خانك من قبل؟ أليس الخائن هو أكبر عقبة؟ أم أنك تحب أن تخون مراراً؟"

سون: "لقد طلب السماح..."

كان صوته ضعيفاً، كمن يحاول إقناع نفسه أكثر مما يحاول إقناع الآخرين.

سون: "لا بأس. أعطيناه فرصة أخرى."

أوتي جلس مجدداً. جلس كمن ينهي موضوعاً لا يريد الاستمرار فيه.

أوتي: "أظن أن الأمر لا يعنيني. لكنني أرى أنه العائق الأكبر. وإن نجحت في هذا الفرع، سيكون عقبة في الاختبار القادم، إذا كان يعتمد على الفريق أيضاً."

سون: "لا. مازلت أرى أنه عضو مهم في الفريق. وأشعر أنه سيتحسن أكثر."

نظر إلى أوتي بعينين ثابتتين. كان هناك تحدٍ في نظراته، تحدٍ يقول: لا تلمس فريقي.

أوتي نظر إليه طويلاً. نظرة طويلة، عميقة، كمن يقرأ كتاباً مفتوحاً.

ثم ابتسم. لكن ابتسامته لم تكن ابتسامة السخرية. كانت ابتسامة من يرى شيئاً في الآخر لا يراه هو في نفسه.

أوتي: "أحسدك على صدقك ونزاهة قلبك يا سون."

وقف فجأة. كانت حركته سريعة، كمن يريد أن يقول شيئاً مهماً قبل أن ينساه.

أوتي: "أو بالأحرى... كفاني مجاملة بك."

توقف. نظر إلى سون من الأعلى، كمن ينظر إلى مرآته القديمة.

أوتي: "سأصرح لك بشيء."

سار خطوة، ثم خطوة أخرى، ثم وقف أمام سون مباشرة.

أوتي: "أنت شخص متناقض. ليس مع الناس، بل مع نفسك."

سون: "ماذا تقصد؟"

أوتي: "ترى الصدق فتجعله كذباً، والعكس صحيح. حسب ما رأيت في أفكارك، فإنك تلومهم على الخسارة مرة، ثم تلوم نفسك في المرة التالية."

توقف. كان صوته يصبح أكثر حدة.

أوتي: "أنت لا تعرف من أنت. ولا تعرف ماذا تريد. أنت فقط تركض. تركض خلف شيء لا تعرفه، في اتجاه لا تعرفه، ومع أناس لا تثق بهم."

سون وقف صامتاً. كان كلمات أوتي تضربه كالحجارة.

أوتي: "أشك أنه لو قلت لك بعد ساعة أن آيل وسيبرو هما سبب الخسارة، ستقول بالتأكيد..."

سون قاطعه. كان صوته حاداً، كسكين يقطع حبلاً.

سون: "سيد أوتي... هذه علاقتي الشخصية بيني وبين فرقتي. لا تتدخل في ما لا يعنيك."

كان هناك شيء في صوته، شيء يقول: هذا خط أحمر. لا تتجاوزه.

أوتي رفع يديه كمن يستسلم. لكن عينيه كانتا تقولان شيئاً آخر.

أوتي: "حسناً، لا يهم."

جلس مجدداً. لكن جلسته كانت مختلفة هذه المرة. كانت جلوس من يغير الموضوع، من يفتح باباً آخر.

أوتي: "سأخبرك الآن بمعلومات حصلت عليها."

سون: "وأخيراً... شيء إيجابي آخذه منك."

أوتي: "هذه الغابة... إنها مهارة تسمى 'مهارة السجن'. والأسلوب المستعمل هو 'غابة الوهم'."

سون: "أعلم بذلك. أريد شيئاً جديداً."

أوتي: "لم أكمل كلامي. لا تقاطع."

كان صوته حازماً، كمن يوبخ تلميذاً مشاغباً.

أوتي: "هذه مهارة شبه واقعية. تنقل الواقع وتتحكم فيه. الأشجار وكل ما في الغابة حقيقي مئة بالمئة، لكنه ليس في مكانه الصحيح."

بدأت عينا سون تتسعان. كان يبدأ في فهم شيء لم يفهمه من قبل.

أوتي: "سأبسط الأمر. حامل مهارة السجن يستطيع أن يسجن مجالاً كاملاً... بركان، بحر، غابة، صحراء... ثم يضعه في أي مكان يشاء. ومن ثم يصبح يتحكم في هذا المجال من الخارج."

وقف أوتي مجدداً، وبدأ يمشي كمن يلقي محاضرة.

أوتي: "ينقص شجرة، يضيف شلالاً، يخفي مكاناً، يقلص مسافة. يعني كأننا في لعبة، والمتحكم الأصلي يلعب بنا كما يشاء."

توقف. نظر إلى سون.

أوتي: "كل ما يحصل هنا مخطط له. يضعون المجرمين الذين يريدونهم أمام فرق معينة. أو بالأحرى، هم الذين يختارون من يستحق أن ينجح."

سون: "وكيف عرفت ذلك؟"

أوتي: "حسناً... بدون عاطفة."

كان صوته أكثر جدية الآن.

أوتي: "أنت ابن موريس ريوجي. موتك هو خسارة لمنظمة مارينا. ولهذا السبب وجهوا إليك ألكس لإنقاذك من المجرم."

نظر سون إلى أوتي بعينين واسعتين. كان يحاول أن يستوعب ما يسمعه.

أوتي: "لأنني قبل أن يأتي ألكس، لم يكن هناك أحد في مجال مئة متر. لكنهم قلصوا المسافة في ثوانٍ ليصل وينقذك."

سون: "هذا هراء..."

كان صوته مرتعشاً، كمن يسمع شيئاً لا يريد تصديقه.

سون: "ماذا تقول؟ لا... لا أتوقع هذا."

أوتي: "وما يؤكد كلامي... أنه تم تفريقك عن فرقتك."

توقف. كانت كلماته تخرج ببطء، كمن يزرع بذوراً يعرف أنها ستنمو.

أوتي: "لأنهم يرون أن فرقتك لا تستحق النجاح. إنهم فشلة. وهذا بكلام ألكس الذي شتتكم."

سون: "إذاً... أنت معهم؟"

خطا خطوة إلى الوراء. كانت عيناه مشتعلتين.

سون: "أرسلوك لمساعدتي؟ ماذا تقول؟! ماهذا الكلام؟! قل صحيح هذا!"

أوتي: "سأحتفظ بالإجابة."

ابتسم. لكن ابتسامته كانت غامضة، كمن يملك بطاقة لم يظهرها بعد.

سون: "أنت تشمئزني حقاً! ما أنت بحق السماء؟!"

كان صوته عالياً الآن، كمن يوشك على الانفجار.

سون: "ابتعد عني! أنت تخرق أعصابي!"

أوتي وقف مكانه. لم يتحرك. كان وجهه هادئاً، كمن ينتظر أن تنتهي العاصفة.

أوتي: "لا تنتظر من أي شخص الإجابة عن الأسئلة التي تدور في رأسك."

نظر إلى سون بعينيه المختلفتين. كانت نظرة عميقة، كمن يرى أشياء لا يراها الآخرون.

أوتي: "أنت وحدك من سيجيب على أسئلتك."

سون: "إذاً... ابتعد عني. لا أريد أن ترافقني."

أوتي تنهد. تنهيدة طويلة، ثقيلة، كمن يتنهد لطفل لا يفهم.

أوتي: "أنا آسف على قول الحقيقة."

تقدم خطوة نحو سون. لكن سون تراجع خطوة إلى الخلف.

أوتي: "أعلم أن الحقيقة مؤلمة. لكن ليس من الجيد أن تثبت نفسك أمام من لا يستحق. اثبت نفسك أمام من يستحق أن يرى من أنت."

توقف. كان صوته أصبح أكثر هدوءاً.

أوتي: "ماذا لو لم يتدخل ألكس؟ كنت ميتاً الآن. إذاً، لماذا تغضب؟ أتريد الموت؟"

سون: "لا... لكنني أريد أن أثبت لأبي أنني سأنجح وحدي. بمجهودي."

أوتي ضحك.

ضحكة عالية، طويلة، كمن يسمع أفضل نكتة في حياته.

أوتي: "لا تجعلني أضحك. أفكارك فضحتك سابقاً."

توقف عن الضحك فجأة. أصبح وجهه جاداً.

أوتي: "أنت فقط تريد النجاح في الاختبار والانضمام إلى فرق المنظمة. هذا كل ما تريده. لا يهمك أن تنجح بالغش أو بدونه."

سون وقف صامتاً.

كانت الكلمات تضربه كالحجارة.

ثم، ببطء، تغير وجهه.

لم يعد وجه الغضب. أصبح وجه من يرى شيئاً لم يكن يراه من قبل.

سون: "معك حق."

تنفس بعمق.

سون: "لكنني أظن أنني تأكدت من شيء."

نظر إلى أوتي بعينين ثاقبتين.

سون: "أظن أنك لست معهم."

أوتي: "ماذا؟"

سون: "لأنك أفشيت هذا السر لي. وفضحت كل ما يدور حولي. لو كنت معهم، لما أخبرتني بكل هذا."

في رأس أوتي، كانت الأفكار تتزاحم:

"هذا الأحمق... ذكي."

نظر إلى سون. كان واقفاً هناك، ينظر إليه بثقة جديدة.

"حسناً، لا بأس. سأحبط ذكاءك قريباً."

ابتسم. لكن ابتسامته كانت مختلفة هذه المرة. كانت ابتسامة من يخطط، من يحسب، من يعرف أنه لا يزال في بداية اللعبة.

"لكن رغم ذلك، أظن أنني نجحت بنسبة عشرين بالمئة حتى الآن. وهذا أمر جيد في الساعات الأولى من هذا اليوم."

رفع رأسه إلى سون.

أوتي: "إذاً، ماذا سنفعل الآن؟"

لكن سون لم يجب.

كان واقفاً هناك، صامتاً، عيناه مثبتتان على الأفق. ثم قال، بصوت خافت:

سون: "أوتي... أتشعر بما أشعر؟"

أوتي توقف. نظر حوله.

كان هناك شيء في الهواء. شيء كثيف، ثقيل، كأن الغابة بدأت تتنفس بصعوبة.

أوتي: "معك حق. أشم رائحة قتل. أظن أنه مجرم... أو لننتظر ونرى."

في رأس أوتي، كان الصوت الداخلي يصرخ:

"لقد ارتكبت خطأً فادحاً. يالني من أحمق."

نظر إلى سون. كان واقفاً هناك، جسده مستعد، عيناه تبحثان في الظلال.

"أظن أنه فخ. رغم أنه لم يفكر في شيء بتاتاً."

بدأت عيناه تضيقان. كان يحلل الموقف بسرعة.

"المجرم الآتي شعرت به منذ دقائق. ولا أشك أنه هو أيضاً شعر به. لكن سون تركه يقترب... إلى أن دخل دائرة قطرها خمسون متراً."

كانت الأفكار تتسارع في رأسه.

"ثم سألني: أتشعر بما أشعر؟"

توقف. كان يرى الحقيقة الآن بوضوح.

"إنه يريد أن يعرف إن كنت أستطيع قراءة الأفكار في هذا المجال أم لا. يريد أن يكشف القليل من مهارتي."

نظر إلى سون. كان لا يزال واقفاً، ينتظر.

"وأنا أكدت ذلك بشكي عن هوية القادم يعني هو الآن يعلم أن مهارتي محدودة المكان ."

تنهد. كانت تنهيدة ثقيلة، مليئة بالندم.

"يالني من أحمق."

رفع رأسه إلى السماء، كمن يستغفر نفسه.

"يجب أن أجد خدعة لأصلح ما أفسدته."

نظر إلى سون مجدداً. كان واقفاً هناك، جسده متوتراً، ينتظر.

ضحك. ضحكة خفيفة، مصطنعة، كمن يحاول أن يخفي شيئاً.

أوتي: "سون... هل تثق بي؟"

سون: "لا."

أوتي: "جيد. لأنني أيضاً لا أثق بك."

ابتسم. لكن ابتسامته لم تكن ابتسامة ود.

أوتي: "لكننا سنعمل معاً. لأن كلانا يحتاج الآخر.

الغابة من حولهما كانت لا تزال صامتة.

لكن الظلال كانت تتحرك.

وكان شيء ما قادماً.

يُتبع...

2026/07/27 · 68 مشاهدة · 3080 كلمة
Foha
نادي الروايات - 2026