الضوء الذي يتسرب من بين الأغصان الكثيفة لم يعد أخضرًا نقيًا كما كان في الأيام الأولى. صار باهتًا، مائلًا إلى الرمادي، كأن الغابة نفسها بدأت تفقد صبرها. الهواء ثقيل، رطب، يحمل رائحة الطين المتعفن وأوراقٍ ماتت منذ زمن دون أن يدفنها أحد.
سيبرو وقف ساكنًا. يداه مشبوكتان خلف ظهره، وعيناه تتجولان في الظلال البعيدة دون أن ترمش. لم يكن يبحث عن مجرم. كان يقيس المسافة المتبقية بينه وبين نهاية هذا الفرع، كأن الزمن نفسه صار خصمًا يجب حساب خطواته.
قال بصوت منخفض، يكاد يذوب في حفيف الأوراق:
— بقي يومان فقط على نهاية الفرع الرابع… والاختبار الأول. أظن أنه يجب علينا أن نعثر على مجرم قبل أن ينفد الوقت.
آيل كان جالسًا على جذر بارز من الأرض، يمسح العرق عن جبينه بكم قميصه الممزق. ابتسم ابتسامة متعبة، فيها شيء من السخرية التي يحاول بها إخفاء الإرهاق.
— معك حق. لكنني لم أستطع إنهاء التدريب بعد… وأنت أيضًا لم تتمكن من رفع تلك الصخرة كما وعدت. هههه… أمزح فقط.
سيبرو لم يرد الابتسامة. نظر إليه نظرة قصيرة، باردة، ثم قال:
— لا بأس. أظن أن ما وصلنا إليه كافٍ. لن أقع في الأخطاء نفسها التي ارتكبتها أمام اللزج. هذه المرة… سأفوز. بكل تأكيد.
آيل نهض، نفض التراب عن سرواله، وقال بثقة لم تكن كاملة لكنها صادقة:
— أنا أثق بك يا سيبرو. إذن دعنا نتقدم ونبحث عن أحدهم.
— نعم. لننطلق.
سارا بين الأشجار. خطوات سيبرو خفيفة كالعادة، لا تكاد تترك أثرًا على الطين الرطب. أما آيل فكان يتنفس بصوت مسموع، كأن صدره يضيق مع كل خطوة.
وفي ذلك الصمت المقطوع فقط بصوت أقدامهما، انفتح ذهن سيبرو على أفكاره الثقيلة:
«آيل… مشكلة.
لم يستطع التحكم في مهارته بعد. ماناه مبعثرة، تتسرب منه كماء من إناء مشقوق. أرى ذلك بوضوح. أظن أنه لم يسمع أصلًا بكلمة “مانا”، ولم يتدرب على مهارته قبل دخول هذه الاختبارات.
هذه مشكلة كبيرة.
هو مثل سون… من القلائل الموجودين هنا ممن لم يتدربوا على التحكم بالمانا. هذه الاختبارات لا تسمح بدخول من لم يصل إلى أواخر مرحلة التينسيكي. فكيف دخلا؟
تفكرت… ربما دخلا بنفس الطريقة. لديهما من أدخلهما دون عناء حقيقي. معارف داخل المنظمة، أو مال يُدفع أكثر من اللازم. هذه الظاهرة انتشرت بكثرة في السنوات الأخيرة.
لكن هناك تناقض يزعجني.
إذا كان أب سون قائد فرقة من الفئة S، فهو يعلم تمامًا أن هذه الاختبارات قاتلة. كان يجب أن يدرّب ابنه قبل أن يرميه في هذا الجحيم. لم أفهم…
لا يهم.
في النهاية سون يمتلك مهارة جيدة، وهو موهوب بما يكفي ليُعوّض نقصه.
أما آيل… فعكسه تمامًا. مهارته ليست قوية، وهو ليس موهوبًا. سيشكل لي عائقًا كبيرًا. سأقع في الخطأ نفسه الذي وقعت فيه من قبل… وسأخسر.
أنا آسف يا آيل.
أظن أنه يجب أن نفترق.
لكن… كيف؟»
— سيبرو؟
صوت آيل قطع المونولوج فجأة. كان ينظر إليه بقلق خفيف، حاجباه معقودان.
— ما بك؟ شارد الذهن… أظنك تفكر في شيء يشتت تركيزك.
سيبرو أجاب دون أن يلتفت، صوته مسطح كالعادة:
— لا. ليس هناك شيء. هيا فقط… لننطلق.
ركضا.
لم يقطعا مسافة طويلة حتى توقف سيبرو فجأة، كمن اصطدم بجدار غير مرئي. جسده كله صار مشدودًا، وعيناه ضاقتا.
— هناك شخص قادم… لا. ثلاثة أشخاص.
آيل توقف خلفه مباشرة، وجهه شحب في لحظة واحدة.
— يجب أن نختبئ ونحدد على من سنهجم… إن كانوا مجرمين.
— لا. لقد كشفونا أيضًا. نحن داخل نطاقهم الآن. سنقاتل.
آيل شعر بالخوف يتسلل إلى ملامحه رغمًا عنه. صوته خرج مرتجفًا:
— نقاتل؟ … ثلاثة؟
قبل أن يتمكن من قول المزيد، انشق العشب الكثيف أمامهما.
رجل ينزف بغزارة. يده اليسرى مقطوعة من المعصم تقريبًا، واللحم الممزق يتدلى، والدماء تسيل على العشب الأسود كخيوط حمراء لامعة. عيناه مجنونتان من الألم والغضب. لم يكن يركض هربًا… كان يندفع نحوهما كوحش جريح فقد كل شيء إلا الرغبة في القتل.
سيبرو لم يتحرك من مكانه.
رفع يده اليمنى ببطء، وأطلق أنبوبين صغيرين من بين أصابعه.
اللون الأخضر انبثق منهما كدخان كثيف حيّ. التف حول الرجل كأذرع غير مرئية، ثم التصق بعنقه ووجهه. الرجل توقف في منتصف اندفاعته. يداه ارتفعتا إلى رقبته يحاولان انتزاع شيء لا يُرى ولا يُمسك. وجهه ازرق تدريجيًا، وعيناه اتسعتا من الرعب والاختناق. ثم سقط على ركبتيه، ثم على وجهه في الطين. اللون الأخضر اختفى فجأة كأن أحدًا ابتلعه من الهواء.
سيبرو خفض يده بهدوء.
— يا لحظنا. أظن أنه كان ضعيفًا.
ثم تجمد مكانه.
هالة أخرى… مألوفة. ثقيلة. باردة.
من بين العشب نفسه خرج غاندي، وبجانبه آلما. شعرها الأبيض يتمايل خلفها، والسيف على ظهرها يلمع لحظة تحت الضوء الباهت.
غاندي ابتسم ابتسامة عريضة، كمن وجد لعبة قديمة كان يبحث عنها منذ أيام.
— هاي هاي… أنتما. مرة أخرى.
آلما نظرت حولها بسرعة، ثم قالت بنبرة فيها خيبة خفيفة واضحة:
— أين ذلك الغبي سون؟ لا أراه بينكما.
سيبرو لم يجب مباشرة. اكتفى بسؤال قصير:
— ما الذي جاء بكما إلى هنا؟
غاندي نظر إلى الجثة الممددة على الأرض، ثم قال بصوت هادئ كأنه يتحدث عن ثمرة ناضجة:
— تركنا ثمرتنا تهرب. والآن يجب أن نأكلها.
آلما تقدمت خطوة إلى الأمام، عيناها لامعتان:
— أنا التي سبقته. إذن أنا التي سأقتله.
— لا. أنا من أنقصت سرعتي لأن هذين الولدين عرقلوه. ظننت أن المسابقة انتهت.
— لا يهمني. أنا الفائزة.
— قلت لا. أنا الفائز.
آيل نظر إليهما بذهول حقيقي هذه المرة:
— هل… ستتقاتلان على جثة؟
غاندي رفع يده فجأة، مبتسمًا تلك الابتسامة اللعوب:
— واحد… اثنان… ثلاثة.
حجرة. ورقة. مقص.
آلما أظهرت حجرة. غاندي أظهر مقصًا.
— انظري. أنا حجرة وأنت مقص… إذن أنا الفائزة.
غاندي تنهد بمبالغة مسرحية واضحة:
— حسناً حسناً. توقعت أنكِ مثل بقية الفتيات البلهوات… اللواتي يختارن الورقة دائمًا.
سيبرو قاطعهما أخيرًا، صوته بارد وحاسم:
— هاي. تتجاهلاننا؟
غاندي التفت إليه، مبتسمًا اعتذارًا كاذبًا:
— نعتذر. لدي سؤالان فقط.
هل نجحتما في هذا الفرع؟
وهل مات سون… أم خسر نزالًا فلم يعد معكما؟
آيل أجاب قبل أن يتمكن سيبرو من إيقافه، صوته مندفع:
— لا. سون ترك الفريق. واستطاع أن يقتل مجرمًا بالفعل. لدينا نقطة واحدة الآن… وما زلنا بحاجة إلى أخرى.
سيبرو أدار رأسه نحوه ببطء شديد. عيناه كانتا ضيقتين كشفرات:
— آيل… هل أنت أحمق؟ ألا تجيد الصمت أبدًا؟
غاندي انفجر ضاحكًا. ضحكة طويلة هذه المرة، صادقة وقاسية.
— ماذا؟ لديكم نقطة واحدة فقط؟
ذلك الفتى… أريده أن يصبح أقوى. لأنني أريد قتله بيدي أنا.
آيل ابتلع ريقه، ثم سأل رغم الخوف:
— وأنتما… كم نقطة لديكما؟
غاندي هز كتفيه بلا مبالاة:
— كثيرة. سبعة أو ثمانية ربما.
آلما رفعت حاجبًا بسخرية لاذعة:
— غبي. لا تجيد الحساب أصلًا. لدينا عشرة نقاط. أربعة لك، ثلاثة لي، وثلاثة لباكس.
— حسناً حسناً يا آلما. لا داعي للشتم.
ثم التفت إلى سيبرو، ونبرة صوته تغيرت فجأة إلى جدية غريبة:
— خذ هذا المجرم إن كنت تحتاجه. في النهاية… أريد لذلك الغبي سون أن ينجح. حتى نلتقي في الاختبار الثاني.
سيبرو نظر إلى الجثة، ثم إلى غاندي، ثم هز رأسه ببطء حاسم:
— مستحيل. لن أقتل مجرمًا شبه ميت. سأعثر على مجرم بنفسي… وأقتله.
آلما ضحكت ضحكة قصيرة جافة:
— كفاك تظاهرًا يا سيبرو. المجرم مات بيدك أنت. تلك الرائحة الكريهة قطعت رئتيه من الداخل ودمرتهما.
غاندي همس لها، لكن صوته كان مسموعًا بوضوح:
— مهارة خطيرة… لم أكن أعرف عنها شيئًا.
آلما ردت دون أن تنظر إليه، عيناها ثابتتان على سيبرو:
— امسح ما في ذهنك الآن يا غاندي. وإلا عرّضت نفسك للخطر.
— لقد كشفتِني أيتها المخادعة. كيف عرفتِ أنني كنت أنوي مهاجمته والدخول معه في معركة؟
— هالتك تفضحك دائمًا.
سيبرو وقف صامتًا يراقب المشهد. في داخله كانت الأفكار تدور بسرعة باردة:
«كاد أن يهاجمني للتو. لو فعل… لما استطعت مواجهة الاثنين معًا. آلما كانت ستدخل في المعركة فورًا.»
ثم رنّت الساعة على معصميهما في اللحظة نفسها.
صوت النظام الآلي خرج باردًا، خاليًا من أي عاطفة، كحكم نهائي:
«لقد كسب فريقكما نقطتين.
تهانينا.
سون… سيبرو… آيل.
لقد اجتزتم الاختبار الأول.
يُرجى الانتظار حتى نهاية التوقيت المحدد.
حظ موفق.»
سيبرو أغمض عينيه لحظة طويلة. عندما فتحهما، كان فيهما شيء يشبه المرارة العميقة.
— سحقًا… لم أكن أريد الفوز بهذه الطريقة.
غاندي رفع يده مودعًا، مبتسمًا تلك الابتسامة التي لا تصل أبدًا إلى عينيه:
— سنلتقي لاحقًا يا سيبرو. أخبر سون أنني سأنتظره بفارغ الصبر. والآن… إلى اللقاء.
ثم اختفيا معًا بين أغصان الأشجار، كأن الغابة ابتلعتهما دون أثر.
بقي الصمت ثقيلًا لثوانٍ.
آيل التفت إلى سيبرو، صوته خافت وقلق:
— سيبرو… ما الذي سنفعله الآن؟
سيبرو لم ينظر إليه. كان يحدق في الاتجاه الذي اختفى فيه غاندي وآلما، ثم قال بصوت منخفض لكنه حاسم كشفرة:
— لقد شعرت باليأس… والضعف. لم أرد الفوز هكذا. ذلك المجرم كان شبه ميت. لا أريد انتصارًا من هذا النوع.
رفع رأسه قليلاً، وعيناه فارغتان أكثر من المعتاد.
— سأذهب وأعثر على مجرم آخر. سأواجهه. إن انتصرت… فذلك هو الانتصار الذي أبحث عنه. وإن مت… فسأموت بكبرياء.
آيل فتح فمه مذعورًا:
— ما الذي تتحدث عنه؟ لقد فزنا يا سيبرو و…
— لا داعي لأن تكمل كلامك.
سيبرو التفت إليه أخيرًا. نظرته كانت باردة ونهائية.
— اختر مكانًا وانتظر نهاية الاختبار. أنا أريد الذهاب وحدي.
ثم استدار، وبدأ يركض إلى الأمام، تاركًا آيل خلفه وسط الأشجار الصامتة.
الغابة ابتلعته تدريجيًا، ولم يبقَ من أثره سوى صوت خطواته التي سرعان ما تلاشت هي الأخرى.