بدأ الظلام يهيمن على الغابة ككائن حي يزحف ببطء.
لم يكن ظلامًا عاديًا. كان كثيفًا، لزجًا، يلتصق بالأشجار ويملأ الفراغات بينها حتى لم يعد هناك فرق بين الجذع والظل. الليلة قبل الأخيرة من الفرع الرابع. لا قمر في السماء، ولا نجوم. فقط سواد مطلق يبتلع كل شيء.
في زاوية بعيدة من الغابة، حيث الأشجار أقدم وأكثر التواءً، وقفت بلاك داون.
كانت ساكنة كتمثال أسود، مظلتها المغلقة تستند إلى كتفها كأنها جزء من جسدها. خلفها، على بعد خطوات قليلة، وقف راغنا يحدق في ظهرها دون أن يجرؤ على الاقتراب أكثر.
قالت بلاك داون بصوت هادئ، يكاد يكون همسًا، لكنه حمل في طياته برودة المعدن:
— إنها مهارة فريدة… «غابة الوهم». أليس كذلك يا راغنا؟
راغنا أجاب بعد صمت قصير، صوته خشن لكنه منخفض:
— أجل. بيتر جيد جدًا. لكن الغريب في الأمر… رغم أنني سمعت بهذا من قبل، لم أصدق حتى رأيته بعيني. كيف له أن يحافظ على مهارته كل هذه الأيام؟ في الحالة العادية، حتى فرد من الفئة S، إذا وصل إلى مستوى مميز في التحكم بمهارته، تتلاشى قدرته في غضون ساعات.
بلاك داون لم تلتفت إليه. بقيت تنظر إلى الظلام أمامها كأنها ترى شيئًا لا يراه أحد غيرها.
— لن أتعجب. فرقة «أجنحة الحرب»، وخاصة أفراد المستوى S فيها، يمتلكون تحكمًا في المانا بطريقة مرعبة. لكن لا بأس.
توقفت لحظة، ثم أكملت بنبرة باردة كأنها تلقي درسًا:
— ليست مهمتهم أن يكونوا في مقدمة المعركة، ولا أن ينتظروا خلفها لعلاج المصابين.
هم الفرقة التي تضمن امتلاك الآخرين لما يحتاجونه لخوض الحرب.
من نقل الأسلحة والمعدات، إلى تصنيع العتاد، وتهيئة ساحة القتال، وحتى استخدام قدراتهم لتغيير ظروف المعركة وإرباك العدو… كل فرد منهم يمتلك قدرة متخصصة قادرة على قلب ميزان أي مواجهة.
قد لا يكونون من يوجه الضربة الأخيرة، لكنهم غالبًا السبب في أن تلك الضربة أصبحت ممكنة أصلًا.
راغنا تنهد بصمت، ثم قال:
— حسناً… لا يهم. أريد أن أخبرك بما وصلني من أخبار من عند بيتر.
هناك مجرم يُدعى أوتي… استعمل «التحرير».
صمت للحظة، كأن الكلمة نفسها ثقيلة على لسانه.
— أمر غريب. مستواه D. فكيف أتقن التحرير وهو في هذا المستوى؟ التحرير مستوى لم يصل إليه معظم قادة فرق S، وهذا المجرم فعله.
ما رأيك سيدة بلاك؟ أتعتقدين أنه خطر إبقاءه مع الممتحنين؟
بلاك داون أجابت فورًا، دون تردد:
— لا. ليست هناك مشكلة. كنت أعلم بذلك منذ البداية.
راغنا رفع حاجبيه رغم الظلام:
— لم أفهم. هل من توضيح؟
بلاك داون أخيرًا أدارت رأسها قليلاً، بما يكفي ليظهر جانب وجهها الحاد في العتمة.
— عندما ذهبت لتفقد المجرمين قبل إرسالهم إلى الغابة، رأيته بالصدفة. كان الوحيد من بينهم الذي يضخ المانا بكمية هائلة.
رجعت إلى الملفات. وجدت أن أحد زملائي لاحظ الأمر نفسه. عند التحري اكتشفوا أنه يضع خزانًا للمانا داخل قلبه… يجمع فيه كل ما ينتجه من مانًا على مدار سنوات.
راغنا تمتم:
— إذن لماذا لم يزله؟ أليس ذلك من واجبه؟
ضحكة قصيرة خرجت من بلاك داون. لم تكن ضحكة مرح. كانت أقرب إلى صوت معدن يُحك على معدن.
— تعجبت من الأمر أنا أيضًا. فاتصلت به. وكان الجواب… مفاجئًا.
توقفت، ثم قالت بصوت أهدأ:
— قال لي إنه تركه عمدًا. كان يريد أن يرى ماذا سيفعل ذلك المجرم. في ذلك الوقت كان متشوقًا لدخول قتال حقيقي مع أحدهم. لكن مع مرور السنوات… نسي الأمر. لأن أوتي لم يفعل شيئًا يستحق الاهتمام.
راغنا تقدم خطوة واحدة فقط:
— لكنك علمت بالأمر قبل إرساله. لماذا لم تفعلي شيئًا؟
بلاك داون أجابت ببرود مطلق:
— لأنه ليس خطرًا أبدًا.
كان يجمع المانا ليطلقها دفعة واحدة. وتلك الكميات الهائلة، إذا أُطلقت في آن واحد من جسد ضعيف مثل جسده، فستدمر نواة المانا الخاصة به. مهارته ستتلاشى معه.
راغنا حاول الإصرار:
— لكنه يبقى خطرًا. لقد استعمل هذه المانا وحرر مهارته بالكامل.
صوت بلاك داون ارتفع قليلاً هذه المرة، حادًا كشفرة:
— راغنا. كفاك كلامًا.
مهارته ضعيفة جدًا. حتى لو وصل إلى أعلى مستوى ممكن فيها، فلن يتجاوز المستوى C أبدًا.
هكذا هي الحياة. تعطي شخصًا مهارة قوية، وتعطي آخر مهارة ضعيفة. وحتى لو وصل صاحب المهارة الضعيفة إلى كمال الصقل، يمكن أن يُقضى عليه على يد شخص يمتلك مهارة قوية وما زال في بداية طريقه.
تلك هي الحياة يا راغنا.
لذلك لم أرَ أوتي قويًا أبدًا… حتى بعد أن علمت أنه يمتلك التحرير. هو من أضعف المجرمين هنا.
راغنا صمت لحظة، ثم سأل السؤال الذي كان يؤرقه:
— لكن ما هدفه من تجميع تلك الكميات الهائلة من المانا؟
بلاك داون أجابت دون أن تنظر إليه:
— لا يهمني هدفه. الشيء الوحيد الذي أريده… أن يتخلص من أكبر عدد ممكن من الممتحنين.
راغنا أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بحذر:
— سيدة بلاك داون… لن أسألك عن هدفك من تقليص عدد الممتحنين، فالأمر يعود إليك في النهاية وأنت المشرفة الرئيسية.
لكن هناك سؤال طرحته عليك من قبل ولم أتلقَّ إجابة. سأطرحه الآن مرة أخرى:
لماذا ألغيت الفرع الثالث من الاختبار الأول وانتقلت مباشرة إلى الفرع الرابع؟
بلاك داون التفتت إليه بالكامل هذه المرة.
ضحكت.
ضحكة منخفضة، خبيثة، تشبه صوت شيء ينكسر في الظلام.
— أنت غبي يا راغنا. ظننتك فهمت منذ ذلك اليوم… لكن حسنًا. سأفسر.
دخول المعلمين في آخر الفرع الاول تسبب لي بكثير من المشاكل. لم أرد أصلًا أن يكون المعلمون حاضرين في الاختبار الأول. دورهم بلا فائدة هنا.
الاختبار الأول هدفه تقليص الممتحنين إلى أقصى حد ممكن. دروس المعلمين ستكون بلا معنى للذين سيموتون بعدها.
راغنا حاول الاعتراض بهدوء:
— لكن هذا الأمر أساسي. وهي تعليمات من المجلس الأعلى للاختبارات. يرون أن هذا الاختبار كسابقه، وأنه سينجح أكثر من ثلاثمائة شخص على الأقل، لذلك يجب تدخل المعلمين ليصقلوا المهارات بالتوازي مع الاختبار.
بلاك داون قاطعته بصوت أكثر حدة:
— لم أكمل بعد.
في آخر الفرع الأول دخل المعلمون وأفسدوا خطتي. أخبروا معظم الممتحنين أن هذه الغابة مهارة وليست حقيقية، وأن هناك مهارة وهم إلى جانب مهارة الغابة.
وأنت تعلم أن الفرع الثالث كان يرتكز بالكامل على مهارة الوهم وفخاخ مهارة الغابة.
بعد أن عرف الأطفال ذلك… بات نجاح نسبة كبيرة منهم أمرًا محتملًا. وهذا لا يساعدني.
راغنا صمت. ثم قال بصوت منخفض:
— أشكرك على الإجابة. لكنني ما زلت أريد أن أعرف… ما هو هدفك الحقيقي من تقليص الممتحنين إلى هذا الحد؟ اجيبيني في نهاية الاختبار
بلاك داون نظرت إليه طويلًا.
ثم ضحكت مرة أخرى.
ضحكة أبطأ هذه المرة، وأعمق، كأنها تخرج من مكان مظلم جدًا داخلها.
في الجانب الآخر من الغابة، حيث الظلام كان أشد كثافة، اشتعلت شعلة صغيرة من النار.
اللهب كان ضعيفًا، يرقص ببطء كأنه يخاف من السواد المحيط به. حوله، على الأرض المغطاة بأوراق يابسة وطين بارد، كان سون نائمًا في سبات عميق. وجهه مرتخٍ للمرة الأولى منذ أيام طويلة، وتنفسه بطيء ومنتظم كأنه استسلم أخيرًا للتعب الذي كان يحمله.
أمامه، جلس أوتي.
فتح عينيه بصعوبة بالغة. الألم لم يكن مجرد ألم. كان شيئًا ينبض في عروقه، يزحف تحت جلده، يذكره في كل ثانية أنه ما زال حيًا رغمًا عن كل شيء. حاول أن يتحرك، فشعر كأن كل عضلة في جسده ترفض الانصياع. ظهره يحترق، وصدره يضيق، ورأسه يطنّ بصوت مكتوم.
نظر إلى الشعلة أولًا. ثم إلى سون. ثم إلى بضع عصافير مشوية موضوعة بعناية على حجر مسطح بجانب النار. كانت لا تزال دافئة. شخص ما جلس هنا، انتظر، اصطاد، نظف، وشوى… بينما هو كان غائبًا عن الوعي.
تمتم بصوت مبحوح، مكسور، كأنه يخرج من حلق مليء بالرمال:
— أوه… ما هذا الألم؟
سون… أنت إذن من ساعدني.
وشويت لي هذه العصافير… هل هذا كله من أجلي؟
رفع يده ببطء شديد، لمس جانب وجهه حيث كانت الدماء قد جفت وتيبست على جلده. أصابعه ارتجفت. لم يكن الارتعاش من البرد فقط.
ثم أضاف بصوت أخفض، أقرب إلى الهمس الموجوع:
— لكن كيف؟
أنت تساعدني بصدق…
وفي المقابل أنا… أخدعك.
بدأت الدموع تنزل.
لم تسقط دفعة واحدة. نزلت ببطء، واحدة تلو الأخرى، كأنها تتردد قبل أن تغادر عينيه. شعر بحرارتها على خديه الباردين، فكرهها. كره أن يبكي. كره أن يشعر. كره أن يكون ضعيفًا بهذا الشكل أمام طفل كان من المفترض أن يكون فريسته.
أطبق قبضته على التراب بشدة حتى غاصت أظافره في الطين.
— آسف يا سون…
آسف.
لم أرد أن نصل إلى هذا الحد.
صوته انكسر في منتصف الجملة. ابتلع ريقه بصعوبة، ثم تابع، كأن الكلمات كانت تخرج رغمًا عنه:
— لماذا تساعدني؟
أنا مجرم. في النهاية… أنا مجرم.
لماذا لم تقتلني من البداية؟ كان بإمكانك. كنت ضعيفًا، فاقدًا للوعي، بين يديك. لماذا تركني حيًا؟ لماذا جلست هنا وسويت لي طعامًا كأنني… كأنني شخص يستحق ذلك؟
رفع رأسه نحو الظلام الذي يحيط بهما. عيناه كانتا محمرتين، والدموع ما زالت تسيل بصمت.
— لماذا يا سون؟
يا لني من أحمق… أحمق بلا مشاعر.
لماذا أفعل كل هذا؟ لماذا أستمر في الكذب حتى وأنا أرى أنه يثق بي؟.
لماذا؟
أطبق عينيه بشدة. صورة أخرى حضرت في ذهنه رغمًا عنه. صورة لم يطلبها، لكنها كانت دائمًا هناك، في الخلفية، تنتظر أن يضعف ليظهر.
وجه.
صوت.
اسم.
فتح عينيه من جديد. الدموع هذه المرة نزلت أغزر، وأحرّ.
— آه… تذكرت.
كل هذا… من أجلك.
ران.
نطق الاسم كأنه ينطق جرحًا مفتوحًا. صوته ارتجف هذه المرة بوضوح، وفقد أي محاولة للسيطرة.
— أعدك…
أعدك أنني سأخرج من هنا.
سأخرج مهما كان الثمن.
وسأجدك.
أطرق رأسه نحو الأرض. كتفه كانت ترتجف الآن، ليس من الألم الجسدي فقط، بل من شيء أعمق، شيء كان يكبته منذ سنوات طويلة وبدأ أخيرًا في التصدع.
الشعلة الصغيرة استمرت في الرقص بينه وبين سون النائم.
والظلام من حولهما كان يسمع كل شيء… ولا يقول شيئًا
أطرق رأسه نحو الأرض. كتفه كانت ترتجف الآن، ليس من الألم الجسدي فقط، بل من شيء أعمق، شيء كان يكبته منذ سنوات طويلة وبدأ أخيرًا في التصدع.
الشعلة الصغيرة استمرت في الرقص بينه وبين سون النائم.
والظلام من حولهما كان يسمع كل شيء… ولا يقول شيئًا.
مرّت دقائق ثقيلة.
أوتي رفع رأسه ببطء. الدموع جفت على خديه وتركت أثرًا مالحًا. الألم في جسده ما زال موجودًا، لكنه لم يعد يسيطر على تفكيره كما كان قبل لحظات. شيء آخر بدأ يزحف إلى مكانه… القلق.
وضع يده على صدره، فوق المكان الذي كان الخزان الإلكتروني يستقر فيه يومًا ما. شعر بفراغ غريب هناك. ليس فراغًا جسديًا فقط، بل فراغًا أعمق. كأنه فقد جزءًا من نفسه إلى الأبد.
تمتم بصوت خافت، موجّهًا الكلام إلى النار أكثر مما يوجهه إلى نفسه:
— توقعت أنني سأفقد مهارتي…
لكنني لم أكن أتخيل أن الأمر سيكون بهذا الشكل.
أغمض عينيه لحظة. تذكر لحظة التحرير. تلك الدفعة الهائلة من المانا التي خرجت منه دفعة واحدة، كأنها كانت تنتظر سنوات طويلة لتتحرر. تذكر كيف امتلأ العالم من حوله بقوة لم يكن يعرف أنه يمتلكها… ثم كيف انهار كل شيء بعدها. كيف شعرت نواة المانا لديه بأنها تتمزق من الداخل.
فتح عينيه من جديد. النظرة فيها كانت مختلفة الآن. لم تعد نظرة الندم فقط. صارت نظرة شخص يحسب الخسائر.
— هذا أمر خطير الآن.
نظر إلى سون النائم. وجه الفتى كان هادئًا بشكل غير مألوف. كأنه لم يعد يحمل ذلك الثقل الذي كان يلاحقه طوال الأيام الماضية.
— سون وفريقه لديهم نقطة واحدة… ( هو لا يعلم بعد أن الفريق نجح)
هذا يعني أنه سيتجه إلى مجرم آخر قريبًا. وسيطلب مني مساعدته مرة أخرى.
ابتسم ابتسامة مرة، قصيرة، لا تصل إلى عينيه.
— لكنه لا يعلم…
أنا فقدت مهارتي.
تمامًا.
وضع يده مرة أخرى على صدره، كأن يتأكد من الفراغ. ثم أضاف بصوت أخفض:
— إذا طلب مني المساعدة… فسأكون عاجزًا. سأضع نفسي في ورطة لا أخرج منها. وإذا اكتشف أنني لم أعد قادرًا على قراءة الأفكار… فقد يقتلني في مكاني. أو يتركني هنا لأموت ببطء.
رفع رأسه نحو الظلام الكثيف الذي يحيط بالشعلة.
— يجب أن أبعده عن أي مجرم.
بأي طريقة.
أقنعه بالعودة إلى فريقه في أسرع وقت ممكن. قبل أن يقرر البحث عن فريسة جديدة. قبل أن يطلب مني شيئًا لم أعد أملكه.
نظر إلى سون مرة أخيرة. هذه المرة كانت النظرة معقدة. فيها امتنان حقيقي… وفيها خوف… وفيها حسابات باردة لشخص اعتاد أن يعيش على الحافة.
همس أخيرًا، بصوت يكاد لا يُسمع:
— آسف يا سون…
مرة أخرى.
لكنني لا أستطيع أن أخسر الآن.
ثم أمسك بعصا رفيعة، وحرك الجمر قليلًا ليبقي الشعلة حية.
والليل استمر في الصمت.