بدأ الضوء يتسلل ببطء شديد من بين الأغصان المتشابكة كأصابع عجوز هزيلة. لم يكن ضوءًا قويًا، ولا دافئًا، ولا واعدًا بأي خير. كان رماديًا باهتًا، يزحف على الأرض المغطاة بأوراق ذابلة وطين جاف متشقق، كأنه يتردد في كشف ما تبقى من الليل، كأنه يخاف مما سيجده تحت تلك الطبقات السميكة من الظل.

الغابة في هذا الصباح بدت أهدأ من أي يوم مضى. حتى الرياح توقفت عن العبث بين الأغصان، والحشرات التي كانت تملأ الليل بأزيزها المتواصل صمتت فجأة، كأنها تدرك أن هذا اليوم سيكون مختلفًا. كأن الأشجار نفسها تنتظر انتهاء الفرع الرابع بصبر نافد، كمن ينتظر إسدال ستار على مسرحية طويلة مرهقة.

النار التي أشعلها سون في الليلة الماضية كانت قد ماتت منذ ساعات طويلة. لم يبقَ منها سوى دائرة رماد أسود، دائرية كفم بئر جافة، وبعض العظام الصغيرة المتفحمة التي كانت يومًا عصافير صغيرة تغرد في الفجر البعيد. كان الرماد لا يزال يحتفظ ببعض الحرارة الخافتة، لكنها كانت حرارة ذكرى أكثر منها حرارة حقيقية، كدفء جثة لم تبرد بعد تمامًا.

أوتي جلس أمامها متربعًا، ظهره محدودب قليلًا كقوس قديم أنهكه الزمن، ويده اليمنى ضاغطة على بطنه بقوة، كأنه يحاول إقناع جسده بأنه ليس جائعًا، أو كأنه يخفي شيئًا لا يريد أن يراه الآخرون. ارتدى نفس القميص الأحمر الباهت الذي يرتديه منذ أيام، ذلك القميص الذي كان لونه قانياً ذات يوم لكنه الآن أصبح شاحبًا، متسخًا، ممزقًا عند الأكمام، وحافة الياقة متآكلة من العرق والأوساخ. نصف شعره الأحمر كان قد تلاشى لونه بشكل ملحوظ، فصار مزيجًا من البني المحمر والأسود الباهت، كمن حاول أن يكون شيئًا ثم فشل في النهاية.

أكل كل شيء تركه سون له في الليلة الماضية: قطعة خبز يابسة، وبعض التوت البري ، وقليل من اللحم المشوي الذي كان قاسيًا كالحجر لكنه أنقذهم من الموت جوعًا. لكن المعدة لم تشبع. أصدرت صوتًا خافتًا مفضوحًا، ذلك الصوت الذي لا يمكن تجاهله، صوت الجوع العميق الذي يتسلل من البطن كوحش صغير يئن. قبض عليها أوتي بقوة محرجًا، كمن ضُبط متلبسًا بجوعه، كمن يخجل من حاجة جسده الأساسية.

الصوت كان كافيًا.

سون فتح عينيه دون أن يتحرك في البداية. ظل ينظر إلى السماء من خلال الفتحات الضيقة بين الأوراق لعدة ثوانٍ، عيناه الزرقاوان تلمعان كقطرتي ماء في كهف مظلم. كان جسده مستلقيًا على الأرض، ذراعاه خلف رأسه، وركبتاه مثنيتان قليلًا. بدا هادئًا كمن استيقظ لتوه من نوم عميق، لكن عينيه كانتا صاحيتين، حادتين، كمن لم ينام أصلًا.

ثم رفع رأسه ببطء، ونظر إلى الرجل الجالس أمام الرماد.

— صباح الخير يا رجل. كيف حالك الآن؟

كان صوته هادئًا، طبيعيًا، كأن الليلة الماضية لم تكن سوى حلم بعيد. كأن كل ما حدث من توتر وصراع لم يترك أي أثر على ملامحه. لكن عينيه كانتا تنظران إلى أوتي بطريقة مختلفة هذه المرة، كمن يرى ما وراء القناع لأول مرة.

أوتي رفع عينيه. الوجه كان شاحبًا أكثر من الليلة الماضية، والهالات تحت عينيه أعمق، كأنها حُفرت أثناء النوم بأظافر حادة. الجلد حول عينيه كان متورمًا قليلًا، والشفتان جافتان متشققتان، كمن نسي طعم الماء منذ أيام. عندما تحدث، كان صوته أجشًا، بالكاد يخرج من حلق يابس:

— سون… أنت الذي يجب أن يُسأل عنه. تركتك أمام ذلك المجرم عاجزًا تمامًا. وعندما نهضت… وجدتك قد أنهيت كل شيء وحدك. حقًا… أنت تفاجئني أيها الغبي.

ضحكة قصيرة، مريرة، خرجت من صدره كخنفساء تسقط على ظهرها. لكن عينيه لم تضحكا. كانتا ثابتتين، متيقظتين، تدرسان ردود فعل سون بعناية طبية.

سون جلس بهدوء، مسح راحة يديه بالتراب الجاف، ثم رفع رأسه ونظر إليه مباشرة. النظرة كانت ثقيلة، مباشرة، كمن يقرر فجأة أن يتوقف عن التظاهر.

— أوتي. هل لي بسؤال واحد؟

أوتي أغمض عينيه لحظة، ثم فتحهما بتنهيدة طويلة، كمن يعرف أن الأسئلة لن تتوقف أبدًا. كمن يشعر بالفخ يغلق حوله ببطء، لكنه لا يستطيع الهروب.

— ها قد بدأنا. اترك الأسئلة إلى وقت آخر. الآن لسنا في...

— هل المانا التي كان يتحدث عنها ذلك المجرم… هي نفسها الطاقة التي نراها في الصدور عندما يفعل أحدهم مهارته؟

الصمت امتد لثوانٍ. ثوانٍ ثقيلة كالحجارة تسقط في ماء راكد. أوتي حدّق في وجه سون ، أي شيء، أي ثغرة، أي ضعف. لكنه لم يجد سوى ذلك الهدوء المزعج الذي لا ينتمي إلى شاب في عمر سون. ثم أخرج ضحكة قصيرة خافتة، متعبة، كشخص يدرك فجأة أن اللعبة بدأت تتغير.

— أوه… ظننت أنك لا ترى ذلك. أحسنت.

المانا طاقة فطرية. يولد بها الإنسان منذ اللحظة الأولى التي يخرج فيها إلى هذا العالم صارخًا. هي المادة الخام التي تحول الإرادة والقدرة الطبيعية إلى قوة ملموسة، كالنار التي تتحول من شرارة صغيرة إلى لهب يلتهم الغابة. لكنها لا تأتي مصقولة. تكون مبعثرة في الجسد كله، كضباب لا شكل له، كألف نهر صغير يتدفق في كل اتجاه دون نظام. والصقل هو ما يجمعها ويجعلها قابلة للسيطرة، كمن يحول الألف نهر إلى قناة واحدة تتدفق باتجاه واحد.

والصقل… يمر بمراحل طويلة، وألم أكثر مما يتخيل معظم الناس. ألم يكسر العظام ويعيد بناءها، ألم يحرق الأعصاب ويشعلها من جديد، ألم يشبه الموت أكثر مما يشبه الحياة. معظم الناس يستسلمون في المنتصف. القليل من يصل إلى النهاية.

سون أنزل عينيه إلى يديه للحظة، كأنه يرى شيئًا جديدًا فيها، ثم رفعهما من جديد.

— غريب. لماذا لم يخبرني السيد تاي بأي من هذه الأشياء؟ وما هو التحرير الذي ذكره ذلك المجرم؟

أوتي هز رأسه ببطء، ونظرته انحرفت نحو الرماد الأسود. كان الرماد يتحرك قليلًا في نسمة هواء خفيفة، كأنه يحاول تشكيل شكل جديد.

— لست معلمًا يا سون. وهذه الأمور لا تُتعلم من مجرم يجلس إلى جوار نار ميتة. تُتعلم من شخص يعرف الثمن الحقيقي لكل مرحلة. من شخص دفع الثمن بنفسه، وشعر بالألم في عظامه، وبكى من الألم في ليالٍ لم ينم فيها.

ثم أضاف في داخله، بصوت لم يغادر حلقه قط، كفكرة تتشكل في الظلام:

«غريب أمر هذا الفتى… حسب كلامه، هذه أول مرة يسمع فيها عن مصدر طاقة المهارة. لكن المانا التي تتحرك في جسده لا تشبه مانا شخص يكتشف الأمر للتو. كأنه خاض تدريبًا قاسيًا دون أن يعرف الاسم. بدأ الصقل وهو لا يدري. . هذا لا يحدث بالصدفة. هذا يعني… أن هناك من بدأه في الطريق دون أن يخبره. أو أن لديه موهبة نادرة تظهر فيمن ولدوا تحت ظروف خاصة.»

رفع رأسه من جديد، وهذه المرة كانت نبرته أكثر جدية، أكثر حدة، كمن يحاول تغيير مسار النهر قبل أن يفيض:

— هاي سون. لم يبقَ سوى يوم واحد. وفريقك ما زال تنقصه نقطة. يجب أن نعود إليهم. نتعاون. أجسادنا مرهقة، وإذا واجهنا مجرمًا آخر الآن… قد لا نخرج أحياء.

كانت كلماته سريعة، متتالية، كمن يحاول إقناع نفسه قبل أن يقنع الآخر. لكن سون لم يتحرك. ظل جالسًا، ينظر إليه بعينين زرقاوين ثاقبتين كالماء المتجمد.

سون أجابه بصوت هادئ، شبه مسطح، لكنه حمل وزنًا واضحًا كحجر يُلقى في بركة ساكنة:

— لا داعي لذلك. الفريق نجح. سيبرو وآيل قتلا مجرمًا. أعتقد أنه من الأفضل أن نبقى هنا حتى نهاية الفرع. إذا تقدمنا الآن، قد نصادف مجرمًا آخر. وأنت… فقدت كل مهارتك يا أوتي.

الكلمات سقطت في الهواء كحجارة ثقيلة. سقطت واحدة تلو الأخرى، كل كلمة كانت كضربة مطرقة على صدر أوتي. سقطت في صمت الغابة الرمادي، وتركت خلفها موجات من الصدمة لم تهدأ بسرعة.

أوتي لم يتحرك في البداية. ظل جالسًا كتمثال منحوت من الحجر، وجهه متجه نحو سون لكن عينيه لم تكونا تنظران إليه حقًا. كانتا تنظران إلى مكان آخر، إلى داخل نفسه، إلى ذلك المكان المظلم حيث تنهار كل الخطط وتتحطم كل الأحلام.

ثم تغير لون وجهه تدريجيًا. أصبح أصفر أولًا، كالورق القديم، ثم مائل إلى الأخضر الباهت، كلون الجثث التي تترك في الماء لفترة طويلة. الفم انفتح قليلًا دون صوت، كسمكة أخرجت من الماء وحاولت التنفس في الفراغ. والعينان اتسعتا دون أن ترمشا، كمن يرى شبحًا ظهر فجأة أمامه.

— ماذا… قلت؟

صوته كان مبحوحًا، شبه مفقود، كمن يحاول الكلام بعد أن سُحب الهواء من رئتيه.

— المانا لديك نفدت منذ الأمس. لاحظت ذلك بوضوح. حتى إنني اختبرتك… شكلها كثيرا من افكار قتلك لكنك لم تلاحظ شيئًا على الإطلاق.

داخل رأس أوتي انهار شيء كبير بهدوء مخيف. لم يكن انهيارًا مدويًا، لم يكن تحطمًا بالصراخ والضجيج. كان انهيارًا صامتًا، كجدار يسقط في النوم، كسفينة تغرق ببطء في قاع البحر دون أن يصدر عنها أي صوت.

«ماذا؟ كل شيء… تحطم؟ علم أنني فارغ. وفازوا بالفعل. إذن لن ألتقي بآيل كما خططت. كل ما بنيته… ذهب سدى. لا. لا أستطيع أن أصدق ما أسمعه.»

كانت الأفكار تتسابق في رأسه كفئران مذعورة تحاول الهروب من حريق. كل خطة وضعها، كل حركة خطط لها، كل كلمة قالها في الليالي الماضية لتوجيه سون نحو الهدف المنشود… كل ذلك تبخر في لحظة. كالضباب الذي يختفي عندما تشرق الشمس فجأة.

— هاي أوتي. أين ذهبت؟

صوت سون جاء هذه المرة أوضح، لكنه بدا بعيدًا جدًا داخل رأس أوتي، كصوت يأتي من نهاية نفق مظلم طويل. أوتي حاول أن يجيب، لكن الكلمات لم تأت. فقط فمه تحرك دون صوت، كسمكة تلهث على اليابسة.

أوتي رفع رأسه ببطء شديد. كان الحركة ثقيلة، كمن يحاول رفع رأس من حديد. النظرة التي ظهرت في عينيه لم تعد نظرة الرجل الذي كان يشرح ويخطط ويبتسم ابتسامة جانبية. صارت نظرة شخص أُغلقت أمامه كل الطرق دفعة واحدة، ولم يبقَ أمامه إلا الحائط. نظرة حيوان محاصر، يعلم أن لا مفر، فيقرر أن يقاتل حتى النهاية.

«إذن… سأقتلك. لم يعد هناك شيء يمكن خسارته أكثر. سأهجم الآن.» قال في نفسه

نهض.

كانت ركبته ترتجفان قليلًا، ضعيفتان كسيقان قصب في عاصفة، لكنه أجبرهما على الثبات. دفع نفسه إلى الوقوف بقوة إرادة خالصة، كمن يرفع جسده من قاع بحر عميق. تقدم خطوة واحدة ووقف أمام سون مباشرة. نطق الاسم بصوت أعلى مما أراد، كأنه يدفعه من صدره بالقوة، كأن الكلمة نفسها كانت سلاحًا:

— سووون…

قبل أن يتمكن من إكمال الجملة، قطع الصوت صوت آخر قادم من بين الأشجار الكثيفة. صوت خطوات متعجلة، تخطو على الأوراق الجافة والغصينات المتكسرة. صوت لهث حاد، كمن ركض مسافة طويلة دون توقف.

— سون!

أخيرًا وجدتك!

آيل.

كان يلهث بشدة. ووجهه شاحب من قلة النوم، وملابسه التي كانت يومًا نظيفة أصبحت مغطاة بآثار الطين والأغصان والخدوش الصغيرة. كان حذاؤه الأيمن مفتوحًا عند الكعب، . ركض المسافة الأخيرة وتوقف أمامهما، يضع يديه على ركبتيه محاولًا التقاط أنفاسه، وظهره ينحني للأمام كقوس مضغوط.

— بحثت عنك منذ الأمس… لم أنم ليلة كاملة وأنا…

لم يكمل الجملة.

ملامح سون تغيرت في لحظة واحدة. كأن قناعًا سقط من وجهه، وكأن قناعًا آخر حل محله. النظرة الهادئة التي كانت في عينيه اختفت، وحل محلها شيء آخر، شيء أكثر عمقًا، أكثر كثافة. نهض ببطء، كأن جسدًا آخر حلّ فيه، كأن عضلاته أصبحت أكثر توترًا، وكأن طوله زاد بضع سنتيمترات. اتجه نحو آيل بخطوات موزونة، ثابتة، كمن يمشي على حبل مشدود فوق هاوية. والهالة حوله بدأت تتكاثف وتشتعل، ثقيلة وكثيفة، كأنها على وشك أن تتحول إلى شيء يقتل. كانت المانا تتصاعد من جسده كحرارة من حجر تحت شمس الظهيرة، تكاد تُرى بالعين المجردة.

آيل شعر بالخطر قبل أن يفهمه. تجمد مكانه، وعيناه اتسعتا. جسده تشنج كمن يستعد للهجوم أو الهروب، ويداه ارتفعتا قليلًا بشكل غريزي، كمن يحمي وجهه من ضربة قادمة.

— سون… ما بك؟ هل أنت بخير؟

كان صوته مرتجفًا قليلًا، خائفًا، كمن يرى صديقه المقرب يتحول فجأة إلى غريب.

خلفهما، أوتي كان يراقب المشهد بعينين محمرتين من التوتر والأمل الأسود المفاجئ. نبض قلبه تسارع بشكل جنوني، كطبول حرب تدق في صدره. عيناه السوداوان كانتا مثبتتين على ظهر سون، تتابعان كل حركة، كل تنفس، كل انقباض في عضلات كتفيه و هو يقول في نفسه

« يالحظي ، هل أنا احلم أو ماذا ؟ نعم… هيا. هيا اضرب. أنا متأكد أنني زرعت القاعدة جيدًا. هيا سون… أنهها.»

سون رفع يده اليمنى…

ووضعها على كتف آيل.

ثم ضحك.

ضحكة قصيرة، خشنة، خرجت من مكان عميق في صدره، كصوت حجر يُلقى في بئر عميقة. ضحكة لم تكن ضحكة فرح خالص، بل ضحكة ارتياح، ضحكة شخص وجد شيئًا كان يخشى أن يفقده. سحب آيل إليه فجأة وعانقه بقوة، كمن يعانق شخصًا كان يخشى أن يفقده للأبد، كمن يمسك بشيء ثمين كاد أن ينزلق من بين أصابعه. ذراعاه التفَّتا حول كتفي آيل بقوة، ووجهه دفن في كتفه للحظة قصيرة.

— أيها الأحمق. خفت عليك لأنني تركتك مع ذلك الغبي سيبرو. أنا آسف يا آيل.

آيل بقي متشنجًا لثانية كاملة، غير مصدق لما يحدث. جسده كان صلبًا كالخشب، وعيناه مفتوحتان على اتساعهما. ثم استرخى تدريجيًا، كمن يدرك فجأة أنه ليس في خطر، كمن يسمع صوت صديقه القديم يعود إليه. تنهد بارتياح عميق، ورفع يديه ليضعهما على ظهر سون في عناق متردد، مرتبك، لكنه حقيقي.

— سيبرو… ذهب يبحث عن مجرم آخر. لم تعجبه طريقة قتل المجرم الذي قتله.

كان صوته لا يزال مرتجفًا قليلًا، لكنه كان يهدأ تدريجيًا. ابتسامة صغيرة، شبه خجولة، ظهرت على شفتيه.

الصوتان كانا يتحدثان الآن بصوت منخفض، شبه عادي. ضحكات قصيرة متقطعة تخرج بين الفينة والأخرى، كمن يعيدان بناء جسر كاد أن ينهار.

خلفهما، أوتي لم يعد يسمع الكلمات بوضوح. كان يسمع فقط صوتًا داخليًا يصرخ حتى بحّ، يصرخ في فراغ رأسه كمجنون محبوس في زنزانة:

«لماذا لم يقتله؟ كنت متأكدًا. زرعت الفكرة بنفسي. لماذا لم تُفعَّل؟ ماذا جرى أمامي؟»

كانت يداه ترتجفان. لم يعد يتحكم فيهما. كانتا ترتجفان كأوراق شجر في عاصفة، كمن يفقد السيطرة على جسده بالكامل. شعر بنبضات قلبه تتسارع بشكل مؤلم، كأنها ستخرج من صدره في أي لحظة. عرق بارد بدأ يتسلل على جبهته، رغم برودة الصباح.

آيل التفت أخيرًا، ورأى الرجل الواقف على بعد خطوات، شاحبًا وصامتًا. رأى ذلك الوجه المتجمد، تلك العينين السوداوين الثابتتين كجثتين في قاع نهر، ذلك الجسد المرتجف قليلًا كمن يقف على حافة جرف.

— سون… من هذا الذي وراءك؟

سون أدار رأسه ببطء، كمن تذكر تفاصيل ثانوية تأخر في ذكرها. كمن كان منشغلًا بشيء أهم، ثم عاد فجأة إلى الواقع.

— آه. نسيت أن أخبرك. هذا أوتي. مجرم.

آيل تجمد مكانه تمامًا هذه المرة. لم يتحرك، لم يتنفس للحظة. عيناه اتسعتا بشكل أكبر، وقبضتاه انقبضتا بقوة.

— ماذا…؟

— لا تتعجب الآن. سأشرح لك كل شيء لاحقًا. دعني أتحدث معه أولًا.

التفت سون بالكامل نحو أوتي. النظرة التي وجهها إليه كانت مختلفة تمامًا عن كل النظرات السابقة. لم تعد نظرة الشاب الذي يستمع ويتعب ويتعلم. كانت نظرة من يرى اللوحة كاملة منذ وقت طويل، نظرة من كان ينتظر هذه اللحظة بالذات، نظرة من يمسك الخيوط كلها في يده ويعلم أنها ستنتهي هنا.

— أوتي. هل أنت متعجب مما حدث للتو؟ كنت تضن أنني سأقتل آيل ؟لا عليك سأخبرك. أنا أعرف كل شيء منذ الأمس. هدفك كان قتلنا جميعًا. أنا، وسيبرو، وآيل. هذا ما أظنه… وأكاد أجزم أنه صحيح.

أوتي لم ينطق. فمه كان مفتوحًا قليلًا، لكن الهواء لم يكن كافيًا لتكوين كلمات. فقط كان يحدق في المشهد أمامه كمن يرى آخر أبوابه تُغلق بصوت مكتوم، كمن يشاهد سقف عالمه ينهار فوق رأسه ببطء.

سون تابع، صوته هادئ وواضح، بلا شماتة ظاهرة، وبلا غضب زائد. فقط حقيقة تُروى بترتيب دقيق، كمن يقرأ تقريرًا كتبه بنفسه:

— هل تتذكر اللحظة التي خرجت فيها من بطن الحوت؟ منذ تلك اللحظة تفعلت مهارة التكيف. على عكس ما حاولذالك المجرم إقناعي به… . تفعلت وحدها. شعرت فجأة بتركيز عالٍ جدًا، وكان الهدف الأول الذي ثبت عليه… أنت. لأنك مجرم. وكنت أبحث عن أي ثغرة منذ اللحظة التي قررت فيها أن أبقيك حيًا.

توقف للحظة، كمن يجمع أفكاره، ثم تابع:

— تظاهرت بالتعب الشديد والإرهاق. طلبت منك أن تستخدم مهارتك عليّ عمدًا. وعندما فعلت… شعرت أن شيئًا ما قد أُزيح من داخل عقلي. فهمت حينها أن أسلوبك الثاني يعطل أسلوبك الأول تمامًا. لذلك بقيت أركز على كل كلمة تخرج من فمك بعد ذلك. ولسوء حظك… سمعت بالضبط القاعدة التي زرعتها. القاعدة التي كان من المفترض أن تجبرني على قتل آيل. لكنها لم تُفعَّل. لأن مهارة التكيف كانت قد وضعت تركيزها الكامن عليك .

أوتي كان يستمع، لكن كلماته كانت تسقط كالحجارة على زجاج مكسور. كل كلمة كانت تكسر جزءًا آخر من صمته، جزءًا آخر من أمله.

— ثم تركتك تفعل أسلوبك الآخر عمدًا… أسلوب مشاركة الأفكار. وتركتك تصدق أنك نجحت في تفعيل الاثنين معًا دون أن ألاحظ.

سكت سون للحظة. ترك كلماته تترسب في الهواء كالغبار بعد انفجار. ثم نظر إلى أوتي بعينين ثابتتين كالماء المتجمد، وطرح السؤال الأخير بصوت أكثر انخفاضًا، أكثر برودة:

— أريد أن أعرف شيئًا واحدًا فقط. هل كنت تكذب حين قلت إن مشرفي هذا الاختبار يساعدونني على النجاح؟

أوتي أجاب بلا مقاومة هذه المرة، كمن لم يعد يملك طاقة للكذب، كمن سقط في قاع البئر ولم يعد يرى سببًا للتمسك بالحبال.

— نعم. كان هدفي إحباطك وتشتيت تركيزك. ذلك كان يسهل عليّ إلقاء مهارتي دون أن تكون في كامل انتباهك. وهناك شيء آخر لم أقله لك… هدف المجرمين الحقيقي هو قتل ثلاثة ممتحنين. بلا الشروط الإضافية التي اختلقتها. إذا نجح أحدنا في ذلك… يُفرج عنه ويخرج من السجن.

ثم تقدم خطوة واحدة متعثرة، حتى صار على بعد ذراع واحد من سون. الرأس منخفض كزهرة ذابلة، والكتفان ساقطان كجناحين مكسورين، والصوت خرج هذه المرة كاعتراف أخير، كمن يلقي بسلاحه على الأرض ويستسلم:

— سون… اقتلني الآن. وأرحني من هذا العذاب.

سون نظر إليه طويلًا. نظر إلى ذلك الوجه الشاحب، تلك العينين السوداوين اللتين فقدتا بريقهما، ذلك الجسد المنهك الذي كان يقف بصعوبة. لم يكن في عينيه حقد صريح، ولا شفقة واضحة. فقط قرار هادئ وقاطع كالنصل، كمن ينظر إلى شجرة مريضة ويعلم أن الوقت قد حان لقطعها.

— لا أعلم القصة الكاملة التي تقف وراءك. لكن في النهاية أنت مجرم. ويجب أن تُقتل.

تحركت رجلا سون بسرعة لا تتناسب مع هدوئه السابق. كانت الحركة كظل يتحرك في نصف ثانية، كمن يضرب قبل أن يفكر. ضربتان دقيقتان على معصمي أوتي، وضربتان أخريان على ساقيه من الخلف. الجسد سقط على الأرض ككيس قُطعت أوتاره كلها في اللحظة نفسها. سقط بثقل، فأحدث صوتًا مكتومًا على الأرض الطينية. الألم جاء متأخرًا عن الإحساس ، جاء كموجة حارة انتشرت من نقاط الضرب إلى بقية الجسد، كالنار التي تبدأ من شرارة ثم تلتهم كل شيء.

سون لم ينظر إلى الجسد الممدد. التفت فقط إلى آيل، وصوته عاد باردًا وعمليًا، كمن ينهي مهمة روتينية:

— آيل. أريدك أن تريني ما تعلمته من مهارتك… على هذا الكلب.

آيل تقدم بخطوات بطيئة ثقيلة. كانت خطواته مترددة في البداية، كمن لا يريد أن يفعل ما سيُطلب منه. وقف فوق جسد أوتي لبرهة، ينظر إلى ذلك الوجه الشاحب، تلك العينين السوداوين المفتوحتين على مصراعيهما. ثم ركع على ركبة واحدة بجانبه، ووضع كفه المفتوحة على منتصف صدره.

همس بكلمة واحدة فقط، بصوت خافت بالكاد مسموع:

— الشلل.

الجسد ارتجف رجة واحدة عنيفة. كصعقة كهربائية مرت عبر كل عصب في جسده. الرئتان توقفتا عن الحركة في اللحظة نفسها، كمن أوقف محركًا كان يعمل بصعوبة. أوتي فتح فمه في محاولة يائسة لالتقاط أي هواء، لكن شيئًا لم يدخل. فمه كان مفتوحًا كسمكة على اليابسة، وعيناه اتسعتا بشكل مرعب، بياضهما بدا واضحًا حول السواد. الوجه بدأ يزرق تدريجيًا، كمن يغرق في بحر من الهواء الفارغ. العضلات في رقبته تقلصت بلا جدوى، واليدان انقبضتا ثم استرخيتا.

قبل أن يتوقف كل شيء، خرج صوت مبحوح مكسور من حنجرته المتشنجة، كلمة واحدة أخيرة كأنها نزفت من مكان عميق جدًا في روحه، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة لتخرج إلى النور:

— ران…

ثم سكن الجسد تمامًا.

سكن كهدوء البحيرة بعد عاصفة، كهدوء الليل بعد يوم طويل. العينان بقيتا مفتوحتين، لكن النظرة فيهما تلاشت كما يتلاشى الضوء في نهاية النفق. الفم بقي مفتوحًا قليلًا، كمن كان يحاول أن يقول شيئًا آخر لكن الكلمات لم تأتِ.

سون نظر إلى الجثة بضع ثوانٍ صامتة. نظر إلى ذلك الوجه الذي كان قبل دقائق يتحدث ويخطط ويكذب، أصبح الآن مجرد قشرة فارغة لا تحوي شيئًا. ثم قال بصوت فيه ضيق واضح وغضب مكتوم، كمن يشعر أن شيئًا ما لم يُنجز بالشكل الصحيح:

— أيها الأحمق يا آيل. لماذا قتلته بهذه الرحمة… وبهذه السرعة؟

آيل رفع عينيه إليه ببطء. كانت عيناه هادئتين، ثابتتين، لكن فيهما حزن خفيف لم يظهر على وجهه. الرد جاء هادئًا، ثابتًا، بلا اعتذار، كمن يقول حقيقة لا تقبل الجدال:

— ليس علينا أن نجعل من آلام الناس متعة لنا يا سون.

سون صمت.

أدار وجهه نحو الأشجار البعيدة، نحو السماء الرمادية التي كانت تبدأ في التفتح قليلًا، وتمتم بصوت لا يكاد يُسمع، كأنه يحدث نفسه أكثر مما يحدث أحدًا:

— هذا… آيل الممل الذي عرفته منذ البداية. أيها الأحمق.

ثم سار بضع خطوات بعيدًا عن الجثة، فوقف ينظر إلى الأفق البعيد. كانت الغابة حوله هادئة، وكأنها أيضًا كانت تتنفس الصعداء بعد انتهاء ما كان يجب أن ينتهي.

خلفه، بقيت الجثة ممددة على الأرض الطينية. القميص الأحمر الباهت كان لا يزال يغطي جسدها، ونصف الشعر الأحمر المتلاشي كان منتشرًا على الأرض كدماء متجمدة. والخزان الأسود الفارغ كان لا يزال في صدره الداخلي، ينتظر من يملؤه مرة أخرى، أو ينتظر أن يبقى فارغًا إلى الأبد.

في مكان أبعد بكثير، حيث الأشجار أسمك وأكثر التواءً، وحيث الضوء الرمادي بالكاد يصل إلى الأرض المخضرة بالطحالب والعفن، كان سيبرو يقف وحيدًا.

لم يكن هناك أحد معه. لا سون الذي اعتاد أن يتبعه في كل مكان، ولا آيل الذي كان يئن من التعب خلفه في أغلب الأحيان. كان وحيدًا كما كان دائمًا في أعماقه، وحيدًا كما شعر عندما وقف أمام غاندي وآلما ورأى عجزهما أمام أعينه. تلك اللحظة لم تغادر ذاكرته منذ ذلك اليوم. كلما أغمض عينيه، رأى وجههما يتلاشيان، رأى نفسه عاجزًا عن فعل أي شيء، رأى ذلك الشعور المخزي بالضعف يتسلل إلى عظامه كسم بطيء.

أمامه وقف مجرم ضخم.

كان الجسد عملاقًا، كأن الغابة نفسها أنبتته من جذورها القديمة، كأن الأرض فتحت فمها وأخرجت هذا المخلوق من بطنها الموحل. الكتفان عريضان كجذع شجرة معمّرة، عريضان لدرجة أن سيبرو بدا طفلاً صغيرًا بجانبهما. واليدان كبيرتان بما يكفي لسحق رأس إنسان بسهولة، كأنهما مصممتان خصيصًا للعنف. كل خطوة كان يخطوها، حتى تلك الخطوات البطيئة المتعمدة، كانت تجعل الأرض تهتز تحت قدميه الثقيلتين، كأن زلزالًا صغيرًا يولد ثم يموت مع كل خطوة.

المجرم نظر إليه من الأعلى، نظر إلى ذلك الوجه الشاحب، ذلك الجسم النحيل، تلك النظرة الفارغة التي لا تبدو كأنها تنتمي إلى مقاتل. ابتسم ابتسامة بطيئة مليئة بالازدراء، كمن يجد لعبة جديدة ليملأ بها وقته، كمن يرى فريسة سهلة أمامه.

— فريسة سهلة… إذن.

كان صوته عميقًا كالرعد البعيد، يهز الهواء من حوله. ضحكة قصيرة، خشنة، خرجت من صدره الواسع كصوت حجارة تتدحرج في وادٍ ضيق.

سيبرو لم يرد فورًا.

وقف هناك، ينظر إلى ذلك الجسد الضخم، إلى تلك العضلات التي تنتفخ تحت الجلد الغليظ، إلى تلك العينين الصغيرتين الحاقدتين. لكن وجهه لم يظهر خوفًا. لم يظهر شيئًا في الواقع. كان وجهه مختلفًا تمامًا عن الوجه الهادئ الذي اعتاد الجميع رؤيته. الغضب الذي حمله منذ مواجهة غاندي وآلما لم يختفِ. كان يختبئ تحت الجلد كجمر مدفون، كحمم تنتظر تحت قشرة الأرض أن تتفجر. عيناه كانتا فارغتان أكثر من المعتاد، كعينيّ دمية زجاجية، لكن في أعماقهما شيء حاد وجدّي للغاية، كمن قرر ألا يكرر الإهانة نفسها مرتين، كمن عاهد نفسه ألا يقف عاجزًا مرة أخرى أمام أي عدو.

تمتم بصوت منخفض، يكاد يكون موجهًا لنفسه أكثر مما هو موجه للمجرم، كمن يخطط بصوت مرتفع دون أن يدرك:

— حسناً… أظن أنني سأستعمل تلك الرائحة.

كانت كلماته غامضة، لكن نبرتها كانت حازمة، كمن اتخذ قرارًا لا رجعة فيه.

المجرم لم ينتظر المزيد. كان من النوع الذي لا يحب الكلام، الذي يفضل الفعل على القول. انطلق نحوه كجبل يتحرك، كمنزلق أرضي هائل يندفع ببطء لكن بثقل مميت. الأرض ارتجت تحت وقع قدميه العملاقتين، والأوراق الجافة تناثرت في الهواء من شدة الاهتزاز، كأن عاصفة صغيرة تضرب المنطقة. المسافة بينهما تقلصت بسرعة مرعبة، وسيبرو بدا كحشرة صغيرة أمام ذلك السيل الجارف من اللحم والعظم والعض

لكن سيبرو لم يتراجع خطوة واحدة.

بدا وكأن جذوره قد غُرست في الأرض كما تغرس جذور شجرة عجوز. وقف ثابتًا، ينظر إلى ذلك الجسد الضخم يقترب منه كقطار لا يمكن إيقافه. لم يرفع يده للدفاع، لم يستعد للهجوم، فقط وقف وانتظر.

أغلق يده اليمنى ببطء، كمن يغلق بابًا ثقيلًا، ثم فتحها.

ظهر بين أصابعه أنبوب أسود داكن، صغير الحجم، لكنه كان كثيفًا كأن الليل نفسه تكاثف داخله، كأن الظلام صُب في قالب زجاجي وتحول إلى مادة صلبة. الأنبوب كان يلمع بوهج خافت، كأنه يمتص الضوء من حوله بدلًا من أن يعكسه.

أطبق أصابعه عليه بقوة.

الأنبوب تكسر بصوت خافت، كصوت زجاج رقيق ينكسر تحت القدم. وخرج منه غبار أسود ناعم تناثر على راحة يده وظهرها كرماد حي، كرماد لم يبرد بعد، كرماد ما زال يحتفظ بحرارة النار التي أنتجته. الغبار بدأ يتحرك على جلده، كأنه كائن حي يبحث عن مكان ليلتصق به، كأنه يختبر سطح الجلد قبل أن يقرر الاستقرار.

ثم… ضرب الأرض بكفه المفتوحة بكل قوته.

الصوت لم يكن عاليًا. لم يكن الصوت المدوي الذي توقعه المجرم من تلك الضربة القوية. كان الصوت أشبه بصفير مكتوم، كأن شيئًا ما انتشر تحت التربة دون أن يحدث ضجيجًا، كأن الصوت نفسه ابتلعه الغبار الأسود قبل أن يخرج إلى الهواء.

في اللحظة التالية، دائرة كاملة نصف قطرها سبعة أمتار تلونت بالأسود.

لم يكن أسودًا عاديًا. كان أسودًا عميقًا، كأسود الجحيم الذي يصفه الشعراء، كأسود الثقب الذي يبتلع النجوم. انتشر اللون الأسود على الأرض كوباء، كمرض ينتشر في جسد غابة. كل ما لمسه الأسود تغير في لحظة، كأن قوانين الطبيعة توقفت عن العمل داخل هذه الدائرة.

الأشجار داخل الدائرة فقدت أوراقها دفعة واحدة، كأن خريفًا عنيفًا مرّ عليها في ثانية واحدة، كأن صيفًا كاملاً اختصر في لحظة وجيزة. الأوراق تساقطت كالدموع، وتناثرت على الأرض السوداء كطبقة ثانية من الظلام. الجذوع التوت على نفسها ببطء مؤلم، كجسد شيخ يئن تحت وطأة السنين، واللحاء تشقق كجلد جاف تشققته الشمس الحارقة لأيام طويلة. العشب الذي كان أخضرًا قبل لحظة تحول إلى عيدان يابسة هشة، تتحطم عند أدنى لمسة، كعظام طائر مات منذ زمن. والتربة نفسها انشقت وتشقق سطحها كأنها عطشت لسنوات فجأة، كأن كل قطرة ماء في محيط سبعة أمتار تبخرت في لحظة واحدة.

أما المجرم… فلم يسقط فورًا.

توقف في منتصف اندفاعته. جسده الضخم الذي كان يندفع كالصاروخ توقف فجأة، كمن صدم جدارًا غير مرئي. ارتجف ارتجافة عنيفة، كمن أصيب بصاعقة. القوة الهائلة التي كانت تتدفق في عضلاته، تلك القوة التي جعلته عملاقًا مخيفًا، بدأت تتسرب منه كماء من إناء مثقوب. شعر بها تخرج من جسده كأنها روح تغادر جسدًا يحتضر. خلال ثوانٍ معدودة، بدا كأن شيئًا ما امتص الحياة من داخله. الكتفان العريضان هبطتا كجناحين مكسورين، والظهر القوي انحنى كقوس قديم، والعينان اللتان كانتا تلمعان بشراسة غارتا وأصبحتا باهتتين كعينيّ سمكة ميتة. تحول من عملاق مرعب إلى هيكل هزيل يقف بصعوبة، كأن رائحة واحدة فقط كانت كافية لتجعله عودًا جافًا ينتظر الكسر. الجلد الذي كان مشدودًا على عضلاته أصبح مترهلًا، كبالون فرغ من هوائه.

سيبرو بقي منتصبًا داخل الدائرة السوداء، يده ما زالت ملامسة للأرض، كأنه جزء من المشهد، كأنه جذر آخر من جذور تلك الأرض الميتة. الغبار الأسود كان لا يزال يتحرك ببطء على جلده كأنه يتنفس، كأنه يعيش حياة خاصة به، كأنه يرضع من قوته ويمنحه شيئًا آخر في المقابل.

رفع رأسه قليلًا، ونظر إلى المجرم المنهار أمامه. نظر إلى ذلك الجسد الذي كان قبل لحظات مصدر تهديد مميت، أصبح الآن مجرد هيكل ضعيف بالكاد يقف. ثم تمتم بصوت خافت، فيه مزيج من التركيز والانزعاج الذاتي، كمن يلوم نفسه أكثر مما ينتصر على عدوه:

— يجب عليّ أن أتعلم… كيف أتحكم بهذه الرائحة.

كان صوته محملاً بالندم، ليس على ما فعله، بل على أنه لم يستطع التحكم به بشكل أفضل. كمن يستخدم سلاحًا لا يفهمه تمامًا، كمن يلعب بالنار ويخشى أن تحرقه.

وقف المجرم على ركبتيه الآن، يحاول التنفس بصعوبة، عيناه مفتوحتان على مصراعيهما من الرعب. نظر إلى سيبرو كمن يرى شبحًا، كمن يرى الموت نفسه يقف أمامه.

— ماذا… ماذا فعلت بي؟ كانت كلماته متقطعة، بالكاد تخرج من حنجرته الجافة. ما هذه الرائحة؟

سيبرو لم يرد. فقط وقف هناك، ينظر إليه، عيناه الفارغتان تحملان شيئًا لم يستطع المجرم تفسيره. كان ذلك الشيء مزيجًا من الحزن والغضب والتصميم، كمن فقد شيئًا ثمينًا وقرر أن يأخذه بالقوة إن لزم الأمر.

ثم أدار ظهره للمجرم، وبدأ يمشي نحو الغابة، تاركًا وراءه دائرة الموت السوداء وجثة شبه حية تلهث في وسطها.

كان يعلم أن المجرم لن ينجو. الرائحة ستستمر في امتصاص حياته حتى تبقى منه مجرد قشرة فارغة. كان يعلم ذلك لأنه جربها من قبل، لأنه رأى تأثيرها على غاندي وآلما، لأنه عاش مع هذا السلاح الملعون الذي لا يفهمه تمامًا.

لكن في طريقه، توقف فجأة.

أدار رأسه ببطء، ونظر في اتجاه بعيد، خلف الأشجار الكثيفة، خلف تلك الطبقات من الأوراق والظلال.

تمتم بصوت بالكاد مسموع، كمن يخاطب نفسه في لحظة ضعف نادرة:

— سون…

ثم عاد إلى مشيه، تاركًا وراءه المجرم المنهار، ودائرة الموت السوداء التي كانت تنتشر ببطء

كمرض عضال، وصوتًا خافتًا كان يكاد يهمس باسمه من بعيد.

2026/08/08 · 75 مشاهدة · 4489 كلمة
Foha
نادي الروايات - 2026