في اليوم التالي
كانت الغابة هادئة بشكل غير طبيعي.
على قمة شجرة عملاقة، جلس سيبرو وحده.
كانت الأغصان تمتد فوقه كأنها سقف لا نهاية له، بينما امتدت الغابة تحت قدميه إلى مسافات لا يستطيع بصره بلوغها.
أخضر.
أخضر في كل اتجاه.
منذ ساعات، لم يرَ شيئًا سوى الأشجار.
لا أصوات.
لا مجرمين.
لا ممتحنين.
فقط الرياح وهي تمر بين الأغصان.
أسند سيبرو ظهره إلى الجذع، ثم رفع يده أمام عينيه.
— يجب أن أتعلم التحكم بالرائحة بشكل أفضل...
حرك أصابعه ببطء.
— وإلا فسأواجه مشاكل حقيقية في الاختبارات القادمة.
توقف.
— رغم أنني لا أعرف أصلًا ما الذي ينتظرنا.
— لكن هناك شيء واحد متأكد منه...
نظر إلى الأفق.
— الاختبارات القادمة لن تكون أرحم من هذه.
ثم بدأ يعد الأسماء في ذهنه.
— غاندي...
صورة الرجل ظهرت في ذهنه.
— آلما.
ثم أليكس.
تغيرت ملامحه.
— وجين.
أغمض عينيه.
— وهناك آخرون.
تنهد.
— الكثيرون هنا أقوياء أكثر مما يظهرون.
ثم ظهر اسم آخر في ذهنه.
سون.
ابتسم سيبرو قليلًا.
— ولا يجب أن أنساه.
صبي غريب.
بارد.
وفي أحيان كثيرة...
غير مفهوم.
— ما زال في بداية تعلم استخدام مهارته، ومع ذلك...
فتح سيبرو عينيه.
— أشعر أنه يخفي شيئًا.
فجأة—
[طننننننننن!]
انطلق صوت من الساعة .
رفع سيبرو رأسه.
ثم جاء صوت واضح :
«"بأمر من المشرفة الرئيسية للاختبارات، السيدة بلاك داون..."»
توقفت أصوات الرياح.
«"تعلن انتهاء الاختبار الأول."»
ساد الصمت.
ثم:
«"اختبار النجاة."»
«"عدد الناجحين: مئتان وستون ممتحنًا."»
«"تهانينا للناجين."»
تنفس سيبرو براحة.
— انتهى أخيرًا...
ثم أضاف الصوت:
«"يرجى الانتظار حتى صدور التعليمات التالية."»
رفع سيبرو حاجبه.
— الانتظار؟
نظر حوله.
— لا تقل لي إن الاختبار الثاني سيقام هنا أيضًا.
وفي اللحظة نفسها...
طَق.
تحركت شجرة.
ثم أخرى.
طَق... طَق... طَق...
بدأت الأصوات تأتي من جميع الاتجاهات.
تجمد سيبرو.
— ماذا...
نهض بسرعة.
ثم شعر بشيء غريب.
الأرض.
كانت تتحرك.
— مستحيل.
نظر إلى الأشجار.
بدأت المسافات بينها تتقلص.
الأشجار نفسها كانت تنكمش.
الغابة...
كانت تتقلص.
— ماذا يحدث بحق الجحيم؟!
قفز سيبرو من أعلى الشجرة.
وفي اللحظة التي لامست فيها قدماه الأرض—
بدأ كل شيء ينهار إلى الداخل.
الأشجار.
الأغصان.
الجذور.
الجبال الصغيرة.
حتى المسافات التي فصلت الممتحنين عن بعضهم...
اختفت.
في ثوانٍ معدودة، أصبحت الغابة التي امتدت لآلاف الكيلومترات...
قطعة أرض صغيرة.
وقف الممتحنين للناجحين في مكان واحد.
وجوه مذهولة.
أسلحة مرفوعة.
أعين تبحث عن تفسير.
ثم...
ظهر رجل.
لم يرَه أحد يقترب.
كان يقف وسط الغابة.
مد يده.
وفجأة...
بدأت الأشجار كلها تتحرك باتجاهه.
كأن الأرض نفسها تُسحب.
فوووووش!
انضغطت الغابة.
وانكمشت.
ثم أصبحت...
مكعبًا صغيرًا.
وضعه الرجل في راحة يده.
لم يبقَ شيء من الغابة.
فقط أرض قاحلة.
وحولها جبال ترابية ضخمة.
كانت هذه هي الأرض الأصلية للمكان.
الغابة التي عاش فيها الممتحنون طوال الاختبار...
لم تكن سوى أثر مهارة.
لم يقل أحد شيئًا.
كل الأنظار اتجهت نحو الرجل.
ثم تقدمت مجموعة من المشرفين.
في المقدمة كانت بلاك داون.
هالتها لم تتغير.
بل على العكس...
كانت هالة القتل الصادرة عنها واضحة لدرجة أن بعض الممتحنين شعروا بها دون أن يعرفوا السبب.
قالت ببرود:
— تهانينا.
توقفت.
— لقد اجتزتم الاختبار الأول.
نظرت إلى ممتحننين أمامها.
— مئتان وستون شخصًا. — عدد جيد.
تقدم راغنا بجانبها.
— سيدتي بلاك داون...
التفتت إليه.
— ماذا؟
— هل تسمحين لي بإخبارهم بالقرار الذي وصلنا من المجلس؟
— تكلم يا راغنا.
تقدم راغنا خطوة.
— بما أن عدد الناجين هذا العام أقل من المعدل المعتاد...
نظر إلى الممتحنين.
— قرر المجلس الأعلى للاختبارات منح الناجين من الاختبار الأول لهذا العام أفضلية خاصة.
بدأ الهمس ينتشر بين الحشد.
تابع:
— إذا فشل أحدكم في بقية الاختبارات، فلن يضطر إلى إعادة الاختبار الأول في الدورة القادمة.
رفع أحد الممتحنين يده.
— بمعنى أننا اجتزنا هذا الاختبار مسبقًا في المرة القادمة؟
— بالضبط.
تحدثت بلاك داون ببرود:
— يكفي.
نظر إليها راغنا.
— لم أكمل الشرح.
— والقرار ممل بما يكفي.
ثم استدارت نحو الممتحنين.
— والآن...
أشارت إلى الرجال الواقفين خلفها.
— سأعرفكم على لجنة الاختبار.
تقدم رجل ضخم نسبيًا.
— هذا بيتر.
أشار إلى نفسه.
— أهلًا.
قالت بلاك داون:
— صاحب مهارة السجن.
ساد الهمس.
— وهو المسؤول عن إنشاء البيئة التي عشتم فيها.
ثم أضافت:
— فرد من فرقة أجنحة الحرب، تصنيف S.
بقيت بعض العيون معلقة به.
ثم أشارت إلى رجل آخر.
— وهذا وايت.
تقدم الرجل.
— مرحبًا.
— تصنيف A.
ثم نظرت إلى الممتحنين.
— وهو المسؤول عن الوهم الذي واجهتموه في بداية الاختبار.
رفع غاندي يده.
— لدي سؤال.
قال راغنا:
— تفضل.
— الرصاصات التي هاجمتنا بعد سقوطنا من الطائرة...
توقف.
— هل كانت من صنع هذا الرجل أي أنها وهمية؟
أجاب وايت:
— نعم.
— لكنني شعرت بهالة.
ابتسم وايت.
— لأنها لم تكن وهمًا كاملًا.
تغيرت بعض الوجوه.
— أضفت إليها كمية صغيرة من المانا.
رفع غاندي حاجبه.
— إذًا يمكن للوهم أن يقتل؟
— إذا كان المستخدم يعرف كيف يجعله مقنعًا بما يكفي...
ابتسم وايت.
— نعم.
سكت غاندي.
أما سون...
فلم يكن يستمع إليهم.
كان ينظر إلى مكان آخر.
بين أفراد اللجنة.
السيد تاي.
تغيرت ملامحه.
هو هنا؟
لكن قبل أن يتحدث...
قالت بلاك داون:
— لننتقل إلى الاختبار الثاني.
سكت الجميع.
— هذه المرة لن يكون الاختبار مقسمًا إلى مراحل.
أخرجت ورقة.
— اختبار واحد.
ثم قالت:
— سيتم نقلكم إلى قلب السافانا الأفريقية.
بدأ الهمس.
— هناك مستشفى مهجور.
— مهجور منذ سنوات طويلة.
— المكان ليس عاديًا.
نظر إليها الممتحنون.
— توجد فيه قوة روحية كبيرة.
تغيرت ملامح البعض.
— وسوف يتم إيقاظ الأرواح الموجودة داخله.
انتشر الصمت.
ثم ضحكت بلاك داون.
— لا تنظروا إليّ هكذا.
أشارت إلى نفسها.
— ستُنقلون إلى أقسام مختلفة من المستشفى.
— كل قسم يحتوي على غرف وممرات.
— وسيتم إغلاق القسم بواسطة مهارة المتاهة.
ثم قالت:
— بعد ذلك، ستُستخدم مهارة الإيقاظ. — وستستيقظ الأرواح.
بدأ بعض الممتحنين يبتلعون ريقهم.
ضحكت بلاك داون.
— لا تقلقوا.
ثم ابتسمت ابتسامة جعلت الأمر أسوأ.
— مستوى تلك الأرواح ليس مرتفعًا.
— معظمها لا يتجاوز مستوى المجرمين الذين واجهتموهم في الاختبار الأول.
أحد الممتحنين:
— معظمها؟
ابتسمت.
— لا تسأل أسئلة لا تريد إجاباتها.
ثم تابعت:
— هدفكم بسيط.
رفعت إصبعًا.
— ادخلوا.
رفعت إصبعًا ثانيًا.
— ستواجهكم الأرواح المستيقظة
ثم رفعت الثالث.
—اعثروا على الباب ، اخرجوا
— هذا كل شيء.
وفي تلك اللحظة—
جاء صوت من الخلف:
— هاااااااااي!
اقترب صوت الضحك.
— بلاك! صديقتي العزيزة!
استدارت بلاك ببطء شديد.
كانت ملامحها تقول إنها على وشك قتل شخص ما.
— أيتها الحمقاء...
ظهرت امرأة تلوح بيدها.
— وصلت!
— لا تقاطعيني.
— لكنني اشتقت إليك!
— لم أشتق إليك.
التفتت بلاك داون إلى الممتحنين.
— هذه مين.
أشارت إليها.
— صاحبة مهارة المتاهة.
ثم قالت:
— تصنيف S.
— ومن فرقة أجنحة الحرب.
ابتسمت مين.
— تشرفت.
ثم أشارت بلاك إلى رجل جالس بعيدًا.
— أما ذلك الرجل...
كان الرجل جالسًا بهدوء، وكأنه غير مهتم بما يحدث.
— فهو باكولا.
رفع يده دون أن ينظر إليهم.
— مهارة الإيقاظ.
— تصنيف A.
— ومن فرقة الذئب الأسود.
ثم أضافت:
— هناك شخص ثالث سيشارك معنا.
نظر الجميع حولهم.
— أورو.
— صاحب مهارة الانتقال اللحظي.
— تصنيف A.
قالت:
— وهو المسؤول عن نقلكم إلى المستشفى.
صمتت.
— لكنه لم يصل بعد.
رفع راغنا حاجبه.
— ألم يكن من المفترض أن يكون هنا؟
— قال إنه سيفحص شيئًا.
ثم تنهدت.
— سننتظر.
رفع غاندي يده مجددًا.
— لدي سؤال آخر.
نظرت إليه بلاك داون.
— هذا الولد لديه أسئلة أكثر من اللازم اليوم.
قال راغنا:
— دعيه.
ثم نظر إلى غاندي.
— اسأل.
— لماذا معظم أفراد اللجنة ينتمون إلى أجنحة الحرب؟
تغيرت ملامح بعض الممتحنين.
فقال راغنا:
— سؤال جيد.
ثم أشار إلى أعضاء الفرقة.
— أجنحة الحرب ليست فرقة هجومية بالمعنى التقليدي.
— مهاراتهم مصممة لصناعة الظروف التي تحتاج إليها الفرق الأخرى.
أشار إلى بيتر.
— سجن.
ثم إلى وايت.
— وهم.
ثم إلى مين.
— متاهة.
— إلى آخره.
ابتسم.
— يستطيعون تغيير المكان، تقييد الحركة، توفير المعلومات، نقل الأشخاص، صناعة الأوهام...
ثم قال:
— باختصار، هم لا يقاتلون
— أحيانًا...
نظر إلى الجميع.
— هم من يساعدون الفرق على تجهيز المكان المناسب للمهمة
قالت بلاك داون:
— انتهى الدرس.
ثم أشارت إلى المنطقة المقابلة.
— اجلسوا وانتظروا أورو.
استدارت.
واتجهت نحو خيمة ضخمة كانت تُبنى في الجهة الأخرى.
كانت أجزاء الخيمة تتجمع بسرعة مذهلة.
وفي غضون دقائق...
أصبحت مكتملة.
تبعها أعضاء اللجنة والمدرسون.
لكن سون لم يتحرك.
بقي واقفًا.
وعيناه مثبتتان على شخص واحد.
تاي.
ثم جاء صوت خلفه:
— هاي، سون.
استدار.
كان سيبرو.
— أنت.
—قتلت مجرم إذًا؟
قال سون ببرود:
— بالطبع.
ثم أضاف:
— لقد تفوقت عليك.
ابتسم.
— أيها الغبي.
رفع سيبرو حاجبه.
— لا تتفاخر.
— آيل أخبرني بكل شيء.
توقف.
كان سيبرو على وشك الرد.
— في الحقيقة...
لكنه توقف.
لاحظ شيئًا.
كان سون ينظر خلفه.
استدار سيبرو.
كان أليكس هناك.
بعيدًا.
واقفًا وحده.
لم يتحرك.
لكن سون ظل يحدق فيه لثوانٍ.
ثم—
جلس ثلاثة أشخاص بجانب سيبرو.
غاندي.
آلما.
باكس.
تغير وجه سون مرة أخرى.
لاحظ غاندي ذلك.
ابتسم.
— يبدو أنني لست الوحيد الذي لفت انتباهه أليكس سيلفا.
سون:
— ماذا تريدون؟
جلس غاندي براحة.
— لا شيء.
— إذًا لماذا جلستم هنا؟
نظر سون إلى المساحة الواسعة حولهم.
— المكان كبير.
— اذهبوا إلى مكان آخر.
ضحك غاندي.
— لا تقلق.
ثم قال:
— لن أقاتلك الآن.
ابتسم.
— سأفعل ذلك في الاختبار الثاني.
نظر سون إليه.
— لا أظن أنك ستصل إليّ.
ساد الصمت.
قال باكس:
— إذًا أنت سون.
التفت إليه.
— ومن أنت؟
— باكس.
أشار إلى غاندي وآلما.
— أنا معهم.
ثم أضاف:
— رغم أنني أفضل العمل وحدي.
قال غاندي:
— هو عضو في فريقي.
— لكنه يكره العمل الجماعي.
نظر باكس إليه.
— لأنني لا أثق بأحد.
قال سيبرو في نفسه:
مثلي تمامًا.
ثم نظر إلى باكس.
يبدو أنه لا يستطيع التحكم بمهارته بالكامل.
لو استخدمها وسط فريقه... قد يؤذيهم.
لكن صوت آلما قطعه.
— الجميع هنا يتحدث عن أليكس.
نظرت إلى سيبرو.
— لكنني لا أهتم به.
ثم ابتسمت.
— أنت أكثر إثارة للاهتمام.
رفع سيبرو حاجبه.
— أنا؟
— نعم.
مالت آلما قليلًا.
— مهارتك غريبة.
— والأغرب أنها خطيرة.
صمتت.
— من الصعب التنبؤ بما ستفعله حتى لو كان خصمك يمتلك خبرة كبيرة.
ضحك غاندي.
— آلما...
نظر إليها.
— لا تضحكيني.
ابتسم.
— إذا كانت هناك مهارة غامضة فعلًا ويستحيل التنبؤ بها...
وأشار إليها.
— فهي مهارتك.
اختفت ابتسامتها.
— ماذا قلت؟
— لا شيء.
وقف سون.
— هذه الجلسة مملة.
نظر إليه غاندي.
— إلى أين؟
— أريد التحدث مع السيد تاي.
ثم سار بعيدًا.
لكن غاندي وقف خلفه.
— سون.
توقف.
— ماذا؟
قال غاندي:
— منذ اللحظة التي التقيتك فيها...
اشتدت ملامحه.
— وأنت هدفي الوحيد.
ساد الصمت.
— سأقتلك.
التفت سون إليه.
— لماذا؟
— ستعرف عندما نلتقي في الاختبار الثاني.
اقترب غاندي خطوة.
— أعدك.
ثم ابتسم.
— سأخبرك وقتها لماذا أريد قتلك.
نظر سون إليه للحظات.
ثم استدار.
— لا يهمني.
— ماذا؟
واصل المشي.
— لا يهمني سبب كرهك لي.
توقف للحظة.
ثم قال دون أن يلتفت:
— الشيء الوحيد الذي أعرفه...
— أنني سأجتاز الاختبار الثاني.
— حتى لو اضطررت إلى قتلك.
غادر.
بقي غاندي واقفًا مكانه.
لم يعد يبتسم.
كانت عيناه تتبعان سون حتى اختفى بين الممتحنين.
ثم قال بصوت منخفض:
— إذًا لن تكون مجرد مواجهة...
شد قبضته.
— ستكون حربًا.
وفي الجهة الأخرى...
كان سون يقترب من السيد الخيمة.
بينما كان أليكس يقف بعيدًا...
يراقب الجميع بصمت.
والاختبار الثاني...
لم يبدأ بعد.