كانت الأرض ساكنة كالقبر، والرياح الحارة تمر بين الممتحنين كأنفاس وحش نائم. كل فريق كان في زاوية منعزلة، يلتقط أنفاسه قبل العاصفة القادمة.
وفي زاوية بعيدة، تحت ظل صخرة عملاقة، كان سون راقداً على الأرض بلا حراك. وجهه شاحب كالثلج، وجفناه مغلقتان بإحكام، وكأن روحه قد سافرت إلى عالم آخر.
جلس سيبرو بجانبه، ينظر إليه بعينين فارغتين كالمحيط الهادئ. كان يمسك بكأس ماء بلاستيكي، وأصابعه الرفيعة تلتف حوله بهدوء. ثم، دون مقدمات، أمال الكأس على رأس سون ببطء.
شششششش...
الماء البارد انسكب كشلال صغير، يتدفق عبر شعر سون الأسود، ويتسلل إلى جبينه ووجناته، وقطراته تتلألأ كاللآلئ في ضوء الشمس .
ارتجف جسد سون كمن أصيب بصاعقة، وتحركت جفناه ببطء.
"آيل..." تمتم سيبرو بصوته الأجش "إنه يستيقظ."
هرول آيل نحوهم. كان يتنفس بصعوبة، ووجهه يقطر عرقاً وخوفاً. جثا على ركبتيه أمام سون، وهز كتفيه برفق ثم بحدة.
"سون! انهض! انهض أرجوك!" كان صوته يرتجف كالورقة في عاصفة "لقد نمت كثيراً!"
فتح سون عينيه ببطء. كان النور يؤذيه، ورأسه يئن كجرح قديم. نظر إلى آيل بعينين ضائعتين، ثم إلى سيبرو الذي كان يحدق فيه بصمت.
"آيل..." همس سون، وصوته كالصدى في كهف مظلم "كم نمت؟"
نظر آيل إلى ساعته، ثم عاد لينظر إلى سون.
"ساعتان... أو أقل قليلاً."
حاول سون الجلوس، لكن جسده خانه. شعر وكأن كل عضلة فيه قد تحولت إلى حجارة ثقيلة. ضغط على أسنانه، وتكئ على ذراعيه، ثم نهض أخيراً بصعوبة بالغة، كشيخ أنهكته السنين.
"والاختبار...؟" سأل وهو يمسح الماء عن وجهه بكفه المرتجف.
"لم يبدأ بعد." قال آيل وابتسامة خفيفة رسمت على شفتيه "انظر... بلاك داون تخرج من الخيمة. دعنا نذهب."
حاول سون أن يخطو خطوة، لكنه توقف فجأة. أغمض عينيه بإحكام، ويداه قبضتا بقوة. شعر وكأن صدره فارغ تماماً، ككهف مهجور لا حياة فيه.
"أشعر..." همس لنفسه، وصوته مكسور "...أنني فقدت كل مهارتي."
نظر إليه سيبرو بعينيه الفارغتين، ولم يقل شيئاً. لكن في أعماق تلك العيون، كان هناك فضول خفي، كمن يرى شيئاً لا يفهمه بعد.
تجمع الممتحنون أمام الخيمة الضخمة كالجنود قبل المعركة. كانوا مئتين وستين شاباً وفتاة، كل واحد يحمل في عينيه خوفاً وأملاً، وكل واحد يعلم أن هذا اليوم قد يكون الأخير له.
خرجت من الخيمة خمسة أشخاص بخطوات ثقيلة.
في المقدمة كانت بلاك داون، ملكة الخفاء. مظلتها السوداء مطوية تحت إبطها. عيناها تلمعان كنجمين في ليل دامس
خلفها، كانت مين تمشي بخجل، وعيناها تتلفت في كل اتجاه كأرنب خائف. شعرها يتمايل مع كل خطوة، ويديها المرتجفتان تشدان على ثوبها .
إلى اليمين، كان راغنا يسير كالجدار الصامد. عضلاته تبرز من تحت قميصه الأسود،
أما الرجل الرابع، باكولا، فكان كالظل. لا يكاد أحد يلاحظه. كان يرتدي عباءة سوداء، ووجهه نصفه مغطى بغطاء، ولا تظهر منه إلا عينان رماديتان باركتان كقمر الشتاء.
والرجل الخامس، كان بالتأكيد أورو. جسده النحيل كالعود، وبشرته الداكنة تلمع كالفحم، وعيناه البنفسجيتان تتألقتان بطاقة غريبة. كان واقفاً بجانب بلاك داون، ينتظر الأمر كالسيف المسلول.
صعدت بلاك داون على منصة صغيرة، ونظرت إلى الحشد بعينين لا تعرف الرحمة.
"حان الوقت." صوتها كان كالصقيع، يخترق العظام "بدأ الاختبار الثاني. لقد أتى أورو الآن."
صمتت للحظة، وتركّت الكلمات تتردد في أذهان الممتحنين.
"لكن..." ابتسمت ابتسامة باردة "...هناك قاعدة أريد أن أضيفها."
ساد الهمس بين الممتحنين. وجوه شاحبة، عيون متسعة، قلوب تدق كالطبول.
تقدم راغنا خطوة، وفتح فمه ليعترض.
"سيدة بلاك داون..."
رفعت بلاك داون يدها ببطء، وأشارت إليه بالصمت. كان الأمر كافياً لإسكات الجميع. حتى الرياح توقفت.
"لا تخافوا." قالت ونبرتها أصبحت أقل حدة قليلاً "هذه القاعدة وضعت في الأصل لكي تساعدكم على اجتياز الاختبار. سأفسرها."
"بما أن الباب الموجود في كل قسم سيكون صعب العثور عليه، لذلك يستطيع أي شخص لم يعثر على بابه أن يقتحم القسم المجاور له عن طريق كسر الحائط. لأن الباب الموجود في القسم المجاور سيكون سهل الإيجاد على غريب قسم لكنه صعب على صاحب القسم."
رفعت إصبعها السبابة.
"واحذروا: إذا عثر شخص ما على بابك في قسمك، وخرج منه ... فأنت خاسر. حتى لو تبادل شخصان الأقسام وخرجا، سيكونان خاسرين معاً. يعني يجب أن تقاتله لتحمي بابك"
توقفت، وتركت الكلمات تترسب في أذهانهم.
"وهناك شيء آخر: لنفترض أن صاحب القسم عثر على بابه وخرج واجتاز الاختبار. سوف يُقفل ذلك القسم تلقائياً، ولن يستطيع أي شخص الدخول إليه من أي جهة. يعني... إذا خرجت من الباب، أنت فزت، وقسمك سيبقى محفوظاً."
ساد الصمت المطبق. كل ممتحن كان يحلل الكلمات، يحسب الاحتمالات، يخطط لمكاسبه.
مد جين يده،
"أريد أن أسأل... عن دور السيدة مين، صاحبة مهارة المتاهة."
التفت راغنا إليها، وابتسم ابتسامة خفيفة.
"سوف يتم دمج المستشفى مع مهارتها. هي التي ستقفل الأقسام وتفعل لكم متاهة لكي لا تجدوا الباب. يعني... كل مستشفى سيتحرك تحت أمرتها."
ضحكت مين ضحكة عالية، لكنها كانت كضحكة طفل مرعوب. عيناها لمعتا بجنون خفي، وقالت بصوت كأنه يخرج من عالم آخر:
"أليس هذا جيداً؟ أنا متشوقة لفعل ذلك... يا أطفالي."
زحف البرد في ظهور الممتحنين. هالة تلك المرأة كانت غريبة، كأنها تمتزج بالجنون والخوف معاً.
أدارت بلاك داون ظهرها، وتوجهت نحو أورو.
"هيا أورو. انقل الممتحنين إلى أماكنهم. ونحن إلى غرفة التحكم. ثم عد إلى المعلمين وانقلهم إلى المنظمة، لأن دورهم لم يحن بعد."
توقفت فجأة، وكأنها تذكرت شيئاً مهماً.
"آه... كدت أنسى." نظرت إلى الممتحنين بعينين حادتين "الاختبار ليس مفتوحاً. إنه 30 ساعة فقط. سنبدأ من الساعة 14:00 اليوم... إلى الساعة 20:00 غداً."
صدمت الأرقام الجميع. ثلاثون ساعة فقط، وكل شيء ينتهي. النجاح أو الفشل، الحياة أو الموت.
تقدم أورو من ورائها، ورفع يده اليمنى ببطء. أصابعه الطويلة المرتجفة بدأت تلمع بضوء بنفسجي غامض.
فجأة، اندفعت هالة سوداء مكثفة من جسده كله. لم تكن كالنار أو الماء، بل كالظلام المتجسد، كالثقب الأسود الذي يبتلع كل شيء. بدأت الدوائر السوداء تتشكل تحت أقدام كل ممتحن ولجنة، تدور كأنها فم وحش جائع.
رفع أورو رأسه إلى السماء، وعيناه البنفسجيتان تتألقان كنجمين، وصاح بصوت كالرعد من بعيد:
"تفعيل!"
في لحظة، ابتلعت الدوائر السوداء كل الموجودين. اختفوا كأنهم لم يكونوا هناك أبداً، وتركوا وراءهم فقط الارض الصامتة والرياح التي لا تكف عن العبور.
سقوووط سقط سون...
ليس كالسقوط من السماء، بل كمن يغرق في بحر من الظلام. شعر بجسده يتمزق ويعاد تجميعه في نفس اللحظة، وكأن روحه تمر عبر ثقب إبرة.
ثم، فجأة، وقع على الأرض بقوة.
"آوخ!" صرخ سون، وهو يلمس رأسه الذي اصطدم بالبلاط المتسخ.
رفع عينيه ببطء، ودوّخه المشهد. كان في ممر طويل جداً، سقفه عالٍ ومتشقق، وجدرانه مطلية بلون أخضر باهت متقشر. النوافذ المكسرة تترك الضوء الأصفر للغروب يتسرب إلى الداخل، والغبار يطفو في الهواء كجزيئات من نجوم ميتة.
المكان كان هادئاً... هادئاً بشكل مخيف.
الغرف المفتوحة على جانبي الممر تكشف عن فوضى عارمة: أسرة مقلوبة، أدوات طبية مبعثرة، حقن مكسورة، وأنابيب زجاجية متناثرة كأسنان وحش. ورائحة... رائحة كريهة، خليط من العفن والدماء القديمة والموت.
"إنه مكان مخيف." همس سون لنفسه، وصوته كان كالصدى في كهف مهجور "روائح كريهة... سأرى ما يوجد في آخر الممر."
بدأ يمشي ببطء، خطواته حذرة على الأرضية المبلطة المتشققة. كل خطوة كانت تترك أثراً في الغبار السميك، وكأنه أول من دخل هذا المكان منذ قرون.
"أتوقع أن هذا القسم صغير..." تمتم وهو ينظر إلى جدار الممر يختفي في الظلام البعيد.
توقف فجأة، وعيناه اتسعتا.
"أوه... أسحب كلامي."
انفتح أمامه ممر آخر، طويل مثله تماماً، يتشعب في اتجاه آخر. ثم آخر، وآخر. المكان كان كمتاهة لا نهاية لها.
"ماهذا القسم؟ إنه ضخم!" قالها سون وهو يشعر بقلبه ينبض أسرع قليلاً.
دخل غرفة عشوائية، لكنه توقف عندما شعر بشيء تحت قدمه. نظر إلى الأسفل، وتجمد الدم في عروقه.
كركركر...
صوت العظام وهو يتحطم تحت حذائه. جمجمة بشرية، نصفها مكسور، كانت مستلقية على الأرض كذكرى لموت قديم.
"أوععع!" تراجع سون بسرعة، وقلبه كاد أن يتوقف "عفست على هذا العظم!"
نظر حوله، وإذا بالغرفة مليئة بأدوات التشريح: مشرط صدئ، مناشير عظمية، مقصات جراحية، وطاولة حديدية في المنتصف تحمل بقايا قطعة قماش ملطخة ببقع داكنة.
"إذاً... هذا القسم كان للجراحة على ما أعتقد."
جلس على كرسي صدئ، وترك نفسه يستريح للحظة. الجدران من حوله كانت تتحدث بصمت عن آلام لا تُحصى، وعن أرواح رحلت في صمت.
"أين سأجد هذا الباب الملعون؟" فكر في نفسه "أوف... سأجلس هنا لاستريح قليلاً، فالاختبار لم يبدأ بعد."
لكن الفكرة لم تتركه. نهض فجأة، وعيناه تتقدان بذكاء مفاجئ.
"لا... ماذا أقول؟ إذا بدأ الاختبار، ستهاجم الأرواح بالتناوب، وهذا سيعيقني عن البحث. لأنني سأبقى أقاتل فقط. لذلك... يجب أن أبحث عنه الآن، قبل البداية."
وقف، لكن تنهد بعمق.
"حسناً... لا يهم. سأنسى الموضوع. سأستريح إلى بداية الاختبار، فأنا متعب للغاية."
في غرفة التحكم...
كان الظلام سيد الموقف. لا نور، لا صوت، فقط ظلام كثيف كالقطن، وأربعة أشخاص يتخبطون فيه.
"آييييه!" صرخت مين، وهي تتشبث بذراع بلاك داون "أين نحن؟ أين أنت يا بلاك؟ أرجوك تعالي واحميني!"
صوت بلاك داون جاء بارداً كالثلج:
"القائدة بلاك داون... أيتها الغبية."
"أرجوكم!" بكى مين بصوت طفولي "أخرجوني من هنا! هل ستخرج الأرواح هنا أيضاً؟!"
تنهدت بلاك داون بعمق، وهمست في نفسها:
"سوف أضرب نفسي بعد انتهاء هذا الاختبار... لأنني اخترت مين بيدي."
سمع راغنا كل شيء، وقرر أن يتدخل. لم يقل كلمة، فقط مد يده في الظلام، وبحث عن مفتاح الضوء. أصابعه لامست المفتاح...
طق.
ضغط عليه.
زيييييييييييييييه!
انفجرت الأضواء البيضاء في كل مكان، وكشفت عن غرفة تحكم ضخمة مليئة بشاشات مراقبة وأجهزة كمبيوتر. عشرات الكاميرات كانت تبث صورة كل قسم من المستشفى، وكل ممتحن كان مرئياً كالنملة تحت المجهر.
لكن مين لم تنظر إلى الشاشات.
"يااااااااي!" صرخت مين صرخة خارقة، وارتمت في حضن بلاك داون "الضوء! النور! آيييييه!"
هالة القتل لبلاك داون انفجرت كموجة صادمة، غطت كل زاوية من الغرفة. التفتت ببطء شديد نحو راغنا، وعيناها تتقدان بنار الجحيم.
"أيها المغفل..." قالت بصوت كالسيوف المتقاطعة "...كان يمكنك أن تخبر مين بأنك ستفتح الأضواء."
تراجع راغنا خطوة إلى الخلف، ورفع يديه باستسلام.
"آسف سيدتي، آسف!" التفت إلى مين، وحاول أن يهدئها "عفواً سيدة مين... هل أساعدك في التخلص من الصرصور؟"
توقفت مين عن البكاء فجأة، ونظرت إليه بعيون مشتعلة غضباً.
"أيها الأبله! لن تخيفني مرة أخرى!"
لكن راغنا ابتسم ابتسامة خبيثة، وأشار إلى قدمها.
"انظري إلى حذائك... إنه فوقه."
نظرت مين إلى الأسفل، وإذا بصرصور أسود اللون، كبير ككف الرضيع، واقف بكل وقاحة على حذائها الأبيض النظيف.
فتحت مين فمها، لكن لم يخرج أي صوت. عيناها تدحرجتا إلى الخلف، وجسمها ارتخى كالدمية المقطوعة.
ثم... أغمي عليها.
ضحك راغنا بصوت عالٍ، ضحكة خرجت من أعماق صدره كالرعد.
"هاهاهاهاهاهاها!"
لكن صوته لم يدم طويلاً، لأن صوت بلاك داون انفجر في سماعة الغرفة، ووصل إلى كل قسم من المستشفى في نفس اللحظة:
"راغنااااااااااااااااااااا!"
اهتزت الجدران من هول الصوت، والكاميرات ارتجفت على الحواسيب، والممتحنون في كل قسم توقفوا ورفعوا رؤوسهم خائفين.
بعد دقائق، فاقت مين من إغمائها. كانت تجلس على كرسي، وجهها شاحب كالورق، وتشرب ماءً ببطء كالمريض.
نظرت بلاك داون إلى ساعتها، ثم قالت ببرود:
"لقد مرت خمس دقائق على وضع الممتحنين في أقسامهم. مين... هل فعّلتِ مهارتك لإخفاء الباب؟"
نظرت مين إليها بعينين بريئتين، وهزت رأسها ببطء.
"لا... لم أفعل."
رفعت بلاك داون يدها إلى جبهتها، وأغمضت عينيها.
"سوف أموت بجلطة اليوم... سوف أموت بجلطة اليوم..."
لكن مين قفزت فجأة، وعيناها تألقتا بحماس طفولي.
"لا تخافي يا سيدة بلاك!" قالت وصوتها يرتجف من الحماس "عندما أفعل مهارتي، سأغير كل الأبواب وأخفيها! سيكون الأمر رائعاً!"
فتحت بلاك داون عينها اليسرى، ونظرت إليها بشك.
"هذا جيد... إذاً دعينا نبدأ الآن."
قفزت مين إلى منتصف الغرفة كالطفل، وأغمضت عينيها. أخذت نفساً عميقاً، ثم...
فووووووووووووووش!
هالة صفراء كثيفة انفجرت من جسدها كالشمس عند شروقها. لم تكن كالنار أو الماء، بل كالضوء المتجسد، كالذهب السائل. تدفقت الهالة من كل مسام جسدها، وبدأت تتجمع أمامها، تتشكل ككائن حي.
ثم، فجأة، تجسدت الهالة أمامها كنسخة مصغرة للمستشفى بأكمله. كل غرفة، كل ممر، كل باب، كل نافذة... كانت مرئية بوضوح، تتحرك وتتنفس كأنها حية.
اهتز المستشفى بالكامل. صوت هزيم كالرعد البعيد، واهتزاز كزلزال خفيف، ثم...
ساد الصمت.
فتحت مين عينيها، وابتسمت ابتسامة النصر.
"انتهيت. سيدة بلاك... لقد فعلت المهارة على المستشفى بالكامل. وهذا..." أشارت إلى المجسد الذهبي أمامها "...هو المجسد الكامل للمستشفى."
جلبت كرسياً وجلست أمام المجسد. رفعت يدها الصغيرة، وأشارت بإصبعها السبابة إلى أحد الممرات في المجسد. ثم...
تحرك الممر في المستشفى الحقيقي.
كان الأمر كالسحر، كأنها تلعب بلعبة أطفال، لكنها هنا كانت تغير مصائر البشر.
"حسناً..." همست مين بعينين مجنونتين "الآن سأبدأ بالتلاعب."
نظرت بلاك داون إلى باكولا، الذي كان جالساً في ركن الغرفة كالتمثال. لم يتحرك منذ دخلوا، وكأنه ليس جزءاً من هذا العالم.
"باكولا... حان دورك."
كانت عباءته السوداء تلامس الأرض، وعيناه الرماديتان تلمعان في الظلام. لم يقل كلمة، فقط رفع إصبعه إلى فمه.
قضم.
مزق باكولا الجلد من إصبعه ببطء، دون أن يبدو عليه الألم. الدم الأحمر الداكن بدأ يتدفق من الجرح، قطرات ثقيلة كالزئبق الأحمر.
أخذ باكولا إصبعه الملطخة بالدماء، وبدأ يرسم على الأرض. كان الرسم دقيقاً، محسوباً، كأنه يكتب لغة الكون نفسه. مثلث متساوي الأضلاع، داخل كل زاوية رسم دائرة صغيرة، وفي المنتصف دوامة لولبية.
وضع باكولا يده في وسط المثلث، وأغمض عينيه. ثم بدأ يرتل...
كانت الكلمات غريبة، لم تفهمها بلاك داون ولا راغنا ولا حتى مين. لم تكن من لغة بشرية، بل كانت كهمس الأرواح، كصوت الرياح في وادي الموتى. ارتفع دخان رمادي كثيف من المثلث، يتصاعد كالثعبان الذي ينهض من سباته.
باكولا رفع رأسه ببطء، وعيناه الرماديتان تتقدان كنجمين، ثم قال كلمة واحدة:
"إيقاظ."
ساد الصمت للحظة. لم يحدث شيء. فقط دخان رمادي يتصاعد من المثلث،
ثم...
"عوووووووووووووووووووووووول!"
صرخة أرواح، آلاف الأرواح، تتعالى من تحت الأرض ومن فوق السقف ومن كل زاوية في المستشفى. كانت الصرخة كالموت نفسه، تخترق الجدران وتشق الجماجم وتزلزل القلوب.
ارتجفت مين على كرسيها، ووجهها أصبح أزرق كالسماء قبل العاصفة.
"هل... هل تستطيع تلك الأرواح أن تأتي إلى هنا؟" سألت بصوت يرتجف كالطفل الخائف.
ابتسم باكولا ابتسامة باردة، وقال بصوته الأجش:
"بالطبع... فهذه الغرفة في الطابق السفلي من المستشفى."
تحول وجه مين إلى اللون الأزرق الداكن، وأصابعها بدأت ترتعش كالعصي في الزلزال.
لكن بلاك داون وضعت يدها على كتف مين، ونظرت إليها بعينين ثابتتين.
"مين... أيتها الغبية، لا تخافي. انظري..." أشارت إلى نفسها وإلى راغنا وباكولا "...نحن الثلاثة معك."
في قسم الجراحة، كان سون جالساً على كرسي صدئ، يتأمل الجدران المتقشرة والضوء الأصفر الذي يتسلل من النوافذ المكسورة.
كان يفكر في كل ما حدث: في التدريب، في تاي، في المهارة المفقودة، في الباب الملعون الذي يجب أن يجده. لكن فجأة...
"عووووووووووووووووووووول!"
صرخة الأرواح اخترقت المكان كالسيف المسلول، جعلت الكرسي يرتجف والغبار يتطاير من السقف. شعر سون بقشعريرة تسري في عموده الفقري، وقلبه توقف للحظة.
ثم... تكلمت ساعته.
"تم الآن الإعلان عن بدء الاختبار الثاني. حظاً موفقاً."
قفز سون من كرسيه كالنمر المنطلق، واتخذ وضعية الاستعداد. كان جسده منهكاً، ومهارته مفقودة، لكن روحه كانت كالنار التي لا تنطفئ.
"هيا تعالي..." همس سون بصوت منخفض، وعيناه تتألقان ببريق التحدي "...أيتها الأرواح الضعيفة."
لكن الصوت الذي جاء من مكان ما في القسم لم يكن ضعيفاً.
"ممممم..." كان صوتاً عميقاً، كصوت رجل عجوز يشتهي الطعام "...فاكهة طازجة..."
ساد الصمت للحظة، ثم عاد الصوت، هذه المرة أقرب، وأكثر وضوحاً:
"...يالا حظي الجيدة اليوم."
تحجر دم سون في عروقه، وعيناه اتسعتا. شعر بثقل في الهواء، كأن شيئاً ما كان يقترب من الظلام.
رفع رأسه ببطء، ونظر إلى نهاية الممر المظلم. هناك، في الظلام الكثيف، كان هناك شيء يتحرك. شيء طويل، ونحيل، وعيناه تتألقان كنجمين في ليل دامس.
ابتسم سون ابتسامة باردة، وقبضت يداه بقوة.
"أهلاً بك... في قسم الجراحة."
... يتبع ...