خرج سون من الغرفة بحذر، وخطواته خفيفة كالقط على البلاط المتشقّق. نظر إلى آخر الممر، حيث كان الظلام كثيفاً كالدخان، ولا يرى شيئاً سوى ظلال مرتعشة.
ثم...
انطلق شيء من الظلام كالسهم، طويل ولزج وردي اللون، كأنه ثعبان عملاق يندفع بسرعة البرق.
"باوووف!"
ضرب اللسان جسد سون بقوة هائلة، وقذفه عبر الهواء كالدمية الممزقة، ليصطدم بجدار نهاية الممر بعنف.
"أووخ!" تأوه سون، وهو يتلمس ظهره المصاب. شعر وكأن عموداً فقرياً قد تحطم إلى قطع صغيرة. رفع رأسه ببطء، ونظر إلى مصدر الضربة بعينين حادتين.
"ما هذا الشيء؟!" همس سون، وهو يمسح دماءً خفيفة عن شفته "أوه... ضربة قوية جداً!"
بدأ المخلوق يخرج من الظلام ببطء، ا. توسعت عينا سون وهو يرى الجسد بالكامل لأول مرة.
كان مخلوقاً عجيباً، لا يشبه أي شيء رآه في حياته. طوله كان متراً واحداً تقريباً، لا يملك يدين ولا ساقين. كان جسده مجرد كتلة من الرؤوس، رؤوس بلا عيون، بلا آذان، بلا أنوف. كل ما كان فيها كان أفواهاً كبيرة، تتحرك وتتنفس كالحيوانات الجائعة.
ثم تكلمت الرؤوس بصوت واحد، كأنها جوقة من الشياطين:
"أيها الصغير... هل أنت تائه؟ سوف أساعدك."
وقف سون مندهشاً، لكنه لم يظهر الخوف. بدلاً من ذلك، سأل ببرود:
"إحدى الأرواح إذاً... لكنني كنت أتوقع أن تكون الروح على شكل بشر."
ارتجت الرؤوس غضباً، وتكلمت من جديد بصوت أعلى:
"شكل بشر؟ ياااه! تلك الحيوانات القذرة! لا شكراً، لا أريد ذلك!"
ابتسم سون ابتسامة ساخرة، ونظر إلى الروح بعينين باركتين كالثلج.
"آه... تريد أن تتجرد من أصلك، وتنكر أنك كنت مثلهم؟" ضحك سون ضحكة قصيرة "يالك من أحمق."
ارتجت الرؤوس بعنف، والأفواه تفتحت وتغلق كالأسماك خارج الماء. صرخت الروح بصوت مبحوح:
"ماذا قلت؟! سأدمرك الآن!"
"فووووووش!"
انطلقت الألسنة من كل فم، عشرة ألسنة، عشرون، ثلاثون! كأنها ثعابين جائعة تندفع نحو سون من كل اتجاه.
تدحرج سون على الأرض بسرعة، واندفع إلى الممر الأيمن، هارباً من الهجمة القاتلة. لكن الألسنة كانت سريعة جداً، تلاحقه كالظلال، تضرب الأرض من حوله، تحطم البلاط وتكسّر الجدران.
"طق! طق! طق!"
كلما ضرب لسان شيئاً، كان يحطمه كالورق المقوى. الطاولات تتناثر، الكراسي تتكسر، والأدوات الطبية تتطاير في الهواء كالريش.
"سأستدرجه إلى تلك الغرفة التي أمامي!" فكر سون وهو يركض "إذا بقيت هكذا أتفادى وهو بعيد عني... لن أتمكن من قتله!"
ركض سون بأقصى سرعة، وقفز فوق حطام كان معترضاً طريقه، ثم التفت إلى اليمين حيث كانت غرفة مغلقة الأبواب. وصل إليها، ودفع الباب بقوة...
"طق!"
كان الباب مقفلاً بإحكام!
التفت سون إلى الألسنة التي كانت تقترب بسرعة مرعبة. لم يكن لديه وقت للتفكير. قفز إلى أعلى قليلاً، ورفع يديه أمام وجهه، كأنه سيصد الهجمة بيديه العاريتين.
"طووووووووف!"
اصطدم اللسان به كالصاروخ. شعر سون وكأن شاحنة ضخمة قد ارتطمت به. انطلق جسده إلى الخلف، وارتطم بالباب الخشبي بقوة هائلة.
"تقققققق!"
تحطم الباب إلى قطع صغيرة، وقُذف سون إلى آخر الغرفة، ليرتطم بالحائط الخلفي ويسقط على الأرض بقوة.
سقط سون على وجهه، والدماء بدأت تخرج من أنفه وفمه. ظل ساكناً للحظة، كأن الحياة قد فارقته.
دخلت الروح الغرفة ببطء، ورؤوسها تتمايل كالأفعى المنتصرة. تكلمت بصوت مليء بالغرور:
"لم أكن أتوقع أنك انتهيت بهذه السهولة... إنك ضعيف حقاً."
لكن سون، رفع رأسه قليلاً من على الأرض، ونظر إلى الروح بعينين تخبئان مكراً عميقاً. ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال:
"أظن... أنك لا تستطيع اللعب في المساحات الضيقة."
توقفت الرؤوس فجأة.
"ماذا؟" قفز سون ، واندفع نحو الروح بسرعة لا تصدق. الألسنة انطلقت من كل فم، تحاول اعتراضه، لكن سون كان كالسيف في يد محارب ماهر يتجنب كل ضربة بحركات دقيقة محسوبة.
مرّ سون بين الألسنة كالثعبان بين الأعشاب، حتى وقف فوق الروح مباشرة.
"بوووف!"
ضرب الرأس العلوي بقوة بقبضته، وارتجت الرؤوس كلها من شدة الضربة.
"يعع!" تأوه سون وهو ينظر إلى يديه "هذا لزج!"
لكنه لم يتوقف. بدأ بضربات متتالية، قبضتاه تهبطان كالمطرقة على رأس تلو الآخر.
"بوم! بوم! بوم!"
كان كل ضربة تحطم رأسه وتجعلها تصرخ، لكن الرؤوس كانت تتجدد بسرعة.
فجأة، انطلق لسان من الرأس السفلي، خفي وسريع، والتف حول قدم سون كالثعبان.
"أوه!" صرخ سون وهو يفقد توازنه.
رفعته الروح إلى الأعلى بقوة، ثم بدأت تضربه في كل اتجاه: إلى الطاولة، إلى الحائط، إلى الأرضية.
"بووم! طق! باااااانغ!"
جسد سون كان يرتطم بكل شيء، والدماء تتناثر في الهواء. شعر وكأن كل عظمة في جسده قد تحطمت.
ضحكت الروح ضحكة عالية:
"أكنت تظن أنك استطعت هزيمتي؟ أيها المغفل!"
لكن سون، رغم الألم، لم يستسلم. في اللحظة التي مر فيها بجانب آلة طبية كبيرة، تشبث بها بكل قوته.
وقف سون للحظة، ثم لف قدميه حول اللسان وبدأ يدور حول الآلة كالرقاص.
"نصف دائرة!"
التوى اللسان حول الآلة الحادة، التي كانت شبه قاطعة كالمنشار. صرخت الروح وهي تشعر بالألم، واللسان الممزق عاد إليها بسرعة.
لكن سون لم يتوقف. قفز من فوق الآلة، ووجد مقصاً جراحياً كبيراً أمامه. أمسكه بسرعة، ووضعه في منتصف اللسان الممزق، وغرزه في الأرض بقوة، مثبتاً إياه.
ثم، اندفع نحو الروح مرة أخرى. لكن اللسان العلوي كان قد أمسك بطاولة ثقيلة، وسددها نحو سون كالقذيفة.
اصطدمت الطاولة بجسد سون بقوة هائلة. شعر وكأن صخرة قد ارتطمت به، لكنه هذه المرة لم يسقط. بدلاً من ذلك، أدار الطاولة بسرعة، مستخدماً قوة الضربة نفسها لإعادة توجيهها.
"عاااااااد!"
أعاد سون الطاولة بنفس السرعة والقوة نحو الروح. خرجت كل الألسنة لتصدها، لكن الوقت كان قد فات.
ظهر سون فجأة بجانب الطاولة، هذه المرة يحمل سكيناً جراحياً طويلاً، كالسيف. كانت عيناه تتقدان بنار القتال، وجسده كله يقطر دماً وعرقاً.
لم تستطع الروح إيقافه، لأن كل الألسنة كانت منشغلة بالطاولة. كان هناك ثغرة، ثغرة صغيرة لكنها كافية.
"غرز!"
غرز سون السكين في الرأس العلوي، ثم في الذي يليه، ثم في الثالث والرابع. كان يطعن بسرعة مذهلة، كالنحلة التي تلدغ دون توقف.
ثم ابتعد بسرعة، وتاركاً الطاولة تصطدم بالروح بقوة هائلة.
"بااااااااااااااااااااااااااانغ!"
ارتطمت الطاولة بالجسد المتلاشي، وحطمته إلى أشلاء. سقطت الألسنة على الأرض، ترتعش ثم تموت.
وقف سون، يلهث بشدة، ويمسح الدم عن وجهه بكفه المرتجف.
"انتهينا من الأول..." همس وهو ينظر إلى بقايا الروح "يجب علي أن أبحث عن الباب... لأنه على ما أظن، سوف تظهر كثير من هذه الأشكال المقززة."
أدار ظهره، وبدأ يمشي نحو مخرج الغرفة. لكن...
"هاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا!"
صرخة الروح عادت من جديد، لكنها هذه المرة كانت أقوى، أعلى، وأكثر جنوناً. الجدران اهتزت، والزجاج المكسور تطاير في الهواء.
"أيها الأحمق!" صرخت الروح بصوت جهنمي "أتظن أنك قضيت عليّ؟ سأمزقك، أيها الأحمق! لن أترك منك أي خلية سليمة!"
بدأت الروح تتوسع فجأة، كالبالون الذي ينفجر بالهواء. جسمها اللزج انتشر على الجدران الأربعة للغرفة، على السقف، وعلى الأرضية. في لحظات، تحولت الغرفة كلها إلى فم عملاق، مغلف بمخاط أحمر غامق، ورؤوس بلا عيون تظهر في كل مكان، وأفواهها تفتح وتغلق كالأسماك خارج الماء.
وقف سون في وسط الغرفة، محاطاً بالرعب من كل اتجاه. رؤوس تخرج من تحت قدميه، وألسنة تتحرك على الجدران، ومخاط لزج يقطر من السقف.
"غغغغغ..." كانت الأصوات تأتي من كل مكان.
ثم، انطلقت ألسنة من الرؤوس على الأرضية، والتفّت حول قدم سون بقوة، مثبتة إياه في مكانه كالوتد في الأرض.
"لقد انتهيت!" "لن تفلت هذه المرة!"
أحد الألسنة انطلق نحو قاطع الضوء على الحائط، ولفّ حوله بقوة. فجأة، أصبحت كل الرؤوس على السقف مكهربة، تتلألأ بضوء أزرق قاتل.
ثم...
"طقززززززززززززززز!"
انطلقت الألسنة المكهربة من السقف، تضرب سون من كل اتجاه. كل ضربة كانت كالصاعقة، تحرق الجلد وتمزق اللحم.
"آآآآآآآآآه!" صرخ سون وهو يتلوى من الألم.
ثيابه العلوية بدأت تتمزق، وجلده يحترق تحت ضربات الكهرباء. كان مثبتاً في مكانه، لا يستطيع التحرك، ولا يستطيع الدفاع، ولا يستطيع حتى أن يستعمل مهارته المفقودة.
"سأموت هنا..." همس سون، ودمعة خفيفة انسابت من عينه "ماذا أفعل؟"
لكنه عض على أسنانه، وشد قبضتيه بقوة.
"لا بأس..." قال لنفسه بصوت مبحوح "سأصمد. أشعر أن المانا تتدفق في كل عروقي... أظن أن جسدي يفعل دفاعه الأخير."
ابتسم ابتسامة مرة.
"هذا يعني... أنني سأموت حقاً."
في تلك اللحظة، بين الألم واليأس، ظهر صوت في رأس سون. ذالك الصوت الذي سمعه في الغابة
"سون... أنا هنا. انظر أمامك."
فتح سون عينيه بصعوبة. كانت رؤيته ضبابية، لكنه استطاع أن يرى كائناً صغيراً يقف على بعد خطوات منه. كان المخلوق أسود اللون، مشعراً في كل جسده، وله عينان صغيرتان تتلألآن كنجمين في ليل مظلم.
"من أنت؟" همس سون بصوت ضعيف، وصوته بالكاد يخرج من حلقه.
ابتسم الكائن الصغير، .
"لقد سألتني نفس السؤال من قبل... لا يهم من أنا. المهم أن تعيش يا سون."
"كيف؟"
"هل تتذكر آخر مرة قلت لك أنني لن أساعدك مرة أخرى إذا كنا منفصلين؟ والآن أنت على وشك الموت... يجب أن تقبل بشروطي لكي أساعدك."
توسعت عينا سون غضباً، وصرخ بصوت مبحوح:
"ابتعد! ابتعدددددد!" كان يصرخ بكل ما تبقى لديه من قوة "لا أريد شيئاً! لا أريد أن يساعدني أحد بعد الآن! لا أريييييد!"
اختفى الكائن فجأة، كأنه لم يكن هناك أبداً.
لكن...
انفجرت المانا من جسد سون كالبركان الثائر. موجة هائلة من الطاقة الزرقاء البيضاء انطلقت منه في كل اتجاه، محطمة كل شيء في طريقها.
اهتزت الغرفة بأكملها، والجدران تشققت، والزجاج تطاير في الهواء كالماس المتلألئ. الألسنة المكهربة التي كانت تضرب سون تمزقت كالخيوط الضعيفة، وتناثرت على الأرض كالديدان المحتضرة.
الروح صرخت:
"ماذاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا؟!"
وقف سون في وسط العاصفة، جسده مغلفاً بطبقة كثيفة من المانا المتدفقة كالدرع الواقي. عيناه كانتا تتقدان بضوء أزرق حاد، ونظرته تغيرت تماماً
رفع رأسه ببطء، ونظر إلى الروح بعينين لا تعرف الرحمة.
"لا أدري كيف أتت إلي هذه المانا..." "...لكن الشيء الذي أعلمه هو أنني سأقضي عليك."
انطلق سون كالصاروخ. لم يعد يحتاج إلى المراوغة بعد الآن. كان جسده مشحوناً بالطاقة، وكل ضربة كانت تحمل قوة لا توصف.
ضرب الرأس الأول بقبضته، فانفجر كالبالون. ضرب الثاني، فتلاشى كالدخان. الثالث، الرابع، الخامس...
"بوم! بوم! بوم! بوم! بوم!"
كانت ضرباته متتالية، سريعة كالبرق. كلما ضرب رأساً، كان يختفي دون أثر، كأنه لم يكن موجوداً من الأساس.
حاولت الروح الهرب. امتصت المخاط من الجدران والأرضية، وعادت إلى جسدها الأصلي الصغير. بدأت تزحف نحو الباب، تحاول الفرار من هذا الوحش الذي تحول إليه سون.
لكن سون كان قد ظهر أمامها كالظل.
"طق!"
وقفت قدماه أمامها، مانعاً طريقها. نظر إليها بعينين فارغتين، ثم رفع يده و ضرب انفجر جسد الروح كالزجاج المحطم. تناثرت أشلاؤها في الهواء، واختفى صوتها الأخير كصدى بعيد في نفق مظلم.
انتهت الروح. وقف سون في وسط الغرفة المدمرة، يلهث بشدة. جسده كان يرتجف، والمانا التي أحاطت به بدأت تتصاعد كالدخان المحترق. شعر وكأن ناراً تشتعل في عروقه، وكأن كل خلية في جسده تصرخ من الألم.
"آه!" تأوه سون وهو يمسك صدره.
المانا كانت تحرقه من الداخل. لم يكن معتاداً على هذا الكم الهائل من الطاقة. جسده كان كالكأس التي تفيض عن آخرها، والطاقة الزائدة تمزقه من الداخل.
لكن الاختبار لا ينتظر أحداً.
صرخات أرواح انطلقت من الممرات. صوتها كالعواء البعيد، يعلن عن قدوم المزيد. سمع سون خطوات ثقيلة، زحفاً على الجدران، همسات تملأ الفراغ.
رفع رأسه بصعوبة. كان جسده يحترق، لكن عينيه كانتا لا تزالان حادتين. نظر إلى الممرين اللذين كانا خلفه، وإذا بضغط هائل من الأرواح يقترب بسرعة. أكثر من روح، ربما خمس، ربما عشر... كان الظلام يتحرك كالبحر الهائج.
لكن سون لم يتراجع.
مد يده إلى الأرض، والتقط سكيناً جراحياً طويلاً كان ملقى بين الحطام. أصابعه شدت على مقبضه بقوة، والمانا بدأت تتدفق منه إلى السكين، فتلألأ بضوء أزرق باهت.
نظر سون الى الباب ، وقال بصوت جامد:
"تقدموا... أنا أنتظر."
في غرفة المراقبة...
كانت الشاشات تلمع بضوء بارد، تعرض عشرات المعارك في أقسام المستشفى المختلفة. باكولا كان جالساً في زاويته، يداه مشبوكتان، وعيناه الرماديتان تتابعان كل حركة على الشاشات. مين كانت تنظر إلى مجسد المستشفى الذهبي، أصابعها ترتعش فوقه كلما رأت ممتحناً يقترب من باب مخفي.
بلاك داون كانت واقفة أمام الشاشة الرئيسية، عيناها تضيقان كلما رأت ممتحناً ينهي قتاله بسرعة. كانت تراقب، تحلل، وتلاحظ شيئاً لا يعجبها.
التفتت فجأة نحو باكولا،
"باكولا..." "...لماذا كل الأرواح ضعيفة؟ معظم الممتحنين نجحوا في التخلص من الكثير منهم."
رفع باكولا رأسه ببطء، ونظر إلى بلاك داون بعينين لا تعكسان أي مشاعر.
"أيتها القائدة..." "...لقد وضعت حداً للأرواح. لم أخرج كل الأرواح، فقط أخرجت التي أستطيع أن أسيطر عليها."
ضاقت عينا بلاك داون أكثر،
"ماذا تقول؟ هل أنت جاد؟" تقدمت خطوة نحو باكولا، وصوتها أصبح أكثر حدة "هيا... ارفع الخط واترك كل الأرواح الموجودة تخرج."
تردد باكولا للحظة، وعيناه الرماديتان التمعتا بقلق خفي.
"أيتها القائدة... هناك أرواح قوية جداً لا أستطيع..."
قاطعته بلاك داون ببرود قاتل:
"باكولا... لا تدعني أعيد كلامي مرة أخرى."
ساد الصمت. حتى مين توقفت عن اللعب بمجسد المستشفى، ونظرت إلى المشهد بخوف.
أنزل باكولا رأسه، وهمس بصوت بالكاد مسموع:
"أعتذر منك أيتها القائدة... سأفعل ما طلبته."
رفع يده إلى فمه، وقضم إصبعه مرة أخرى. هذه المرة، كان الدم يتدفق بغزارة، كأن الجرح لم يلتئم من قبل. رسم باكولا دائرة كبيرة محيطة بالمثلث الذي رسمه سابقاً، ثم وضع يده في وسطها، وأغمض عينيه.
بدأت الكلمات الغريبة تخرج من فمه، أعمق وأكثر ظلمة من السابق. الدخان الرمادي تحول إلى أسود كثيف، وتصاعد كالسحابة الممطرة.
ثم قال كلمته الأخيرة بصوت جهنمي:
"فك القيود."
اهتزت غرفة المراقبة بعنف. الشاشات بدأت تتماوج، والصور تشوشت، والأضواء تومضت كالعيون المذعورة.
وفي كل قسم من أقسام المستشفى، شعر الممتحنون بشيء يتغير. الهواء أصبح أثقل، الظلام أعمق، والأصوات التي كانت تهمس في الزوايا أصبحت تصرخ.
الأرواح القوية كانت قد استيقظت.