القسم القلب الطابق السابع
كان غاندي يسير في الممر الضيق بخطى واثقة، أصابعه تلعب بجمجمة الروح التي قطعها قبل لحظات. حكّها على الحائط الأبيض المتقشر وكأنها طباشير، تاركاً خلفه خطاً أحمر دموياً.
"آآه..." تمتم بصوته الأجش، ونبرته تحمل مللاً ممزوجاً بحسرة الطفيلي الذي لم يجد ما يقتله اليوم. "أشعر بالملل... والإحباط."
نظر إلى الجمجمة التي أصبحت صلعة ناعمة بين يديه، ثم ألقى بها إلى الخلف كأنها قشرة فاكهة فاسدة.
"حتى الأرواح التي ظننتها أقوى من سابقاتها... كانت ضعيفة."
توقف فجأة، ورفع عينيه نحو السقف المتشقق حيث كان الغبار يتساقط كالثلج الأسود.
"أين أنت يا سون...؟ أريد أن أواجه فريسة جيدة. لكني لا أشعر بوجودك."
"أظن أن تلك المرأة، مين... تحجب إحساس المانا بين الأقسام. تريد أن نبقى عمياناً، لا نعرف من يقف خلف الجدران."
نظر إلى الحائط أمامه، ثم رفع قبضته وضرب بقوة. ارتطم الحائط بصوت ثقيل، لكنه لم يتشقق.
"...كما توقعت. كل الجدران هشة، لكن الجدار الفاصل بين الأقسام... صلب للغاية."
ضيّق عينيه، وبدأت المانا تتجمع في قبضته ككرة من نار باردة، ثم ضرب ثانية.
طق... طق... تَقَقَقَقَقَقَق!
انفجرت شقوق عميقة في الحائط، ثم تهاوت قطع من الطوب تاركةً فتحة واسعة. تقدم غاندي ببطء، عيناه تمسحان الممر الجديد.
لا شيء.
فقط غبار يتصاعد، وممر طويل منعزل.
ثم... سمع صوتاً.
كان يأتي من إحدى الغرف، أنيناً خافتاً، كمن يكافح لالتقاط أنفاسه. ابتسم غاندي ابتسامة الذئب التي وجدت فريستها.
تقدم نحو الباب، ودفعه بأطراف أصابعه.
وقف آيل هناك.
كان جسده ممزقاً، ثيابه شبه منعدمة، ودماؤه تخلط بين العرق والجروح العميقة. كان أنهى معركته مع روح عنيفة قبل دقائق، وكان لا يزال يلهث محاولاً التقاط أنفاسه.
رفع آيل رأسه ببطء، وعيناه اتسعتا عندما رأى من يقف أمامه.
"أنت إذن..." قالها غاندي وكأنه وجد هدية غير متوقعة. "...لا بأس. في النهاية، كنت سأقتلك في ذلك اليوم. لكن ها هي الفرصة تأتي إليّ وحدها."
آيل ابتلع ريقه، وأمسك بسكينه الجراحي بقوة أكبر، لكن يده كانت ترتجف.
"لقد وقعت في ورطة حقيقية..." همس في نفسه.
"اهجم يا آيل." قال غاندي، ونظرته تعلوها شهية الصياد. "أريد أن أرى ماهية مهارتك."
"لماذا أتيت إلى هنا؟" سأل آيل، محاولاً كسب الوقت، وتبدو نظراته قاسية.
انفجر غاندي ضاحكاً، كطفل وجد لعبة جميلة.
"هذا سؤال مضحك! أتيت لأعثر على الباب وأفوز. أليست هذه هي اللعبة؟"
آيل تنهد، ونظر إلى السقف للحظة، ثم أعاد نظره إلى خصمه القاتل.
"لا أظن أن لدي فرصة أمامك. أستسلم. اعثر على بابك في هذا القسم، واخرج... وسأكون الخاسر."
صمت غاندي للحظة، وكأن المفاجأة أوقفته.
"أتهزأ بي؟ أتستسلم بهذه السهولة؟ ظننتك مثل ذلك الأحمق، سون."
اقترب منه خطوة، ثم قال بنبرة أصبحت أكثر برودة:
"لأصارحك، آيل. لا أريد الفوز الآن. أريد أن أقتل كل من يعترض طريقي، واحداً تلو الآخر... حتى أصل إلى صديقك المغرور، وحينها سأحطمه."
ارتجف آيل داخلياً، لكنه لم يظهر خوفه. قال بصوت أكثر صلابة مما توقع:
"إذاً... ليس هناك حل آخر سوى المواجهة."
أومأ غاندي ببطء، كمن يبارك قراراً محتماً. ساد الصمت بينهما، حاملاً توتراً كالخيط المشدود.
"إذاً سأهاجم." قالها غاندي أخيراً، . "أنت لا تريد، وأنا لا أريد الانتظار."
قفز غاندي كالصاروخ، واندفع نحو آيل بسرعة خاطفة. وجه لكمة قوية نحو وجهه، لكن آيل راوغ بمرونة مفاجئة، وانزلق تحت ذراع غاندي ليلامس يده بأطراف أصابعه.
"شلل."
توقفت يد غاندي فجأة، كأنها تحجرت في الهواء. استغل آيل الفرصة، ورفع قدمه وسددها بقوة نحو بطن غاندي.
لكن الأخير ابتسم، ومد يده الثانية بسرعة لا تصدق، وأمسك بقدم آيل ببرودة. ثم ضربه بقبضته الأخرى على صدره، دافعاً إياه عبر الغرفة.
ارتطم آيل بمجموعة من الأدوات الطبية، وتناثرت المشرط والمناشير حوله كأوراق الخريف. سقط على الأرض، يلهث، ويسحب الهواء بصعوبة.
حرّك غاندي يده التي بدأت تعود للحياة تدريجياً، وكأنها تستعيد تدفق الدماء بعد صقيع طويل. نظر إلى آيل بعينين تقديران.
"شلل، إذاً؟ مهارة جيدة. أحببتها." تنفس عميقاً ثم قال: "بما أنك أظهرت لي مهارتك، فمن واجبي أن أحترمك وأظهر مهاراتي."
نهض آيل ببطء، ومسح الدم عن شفته الخدش. نظر إلى غاندي بحذر متزايد.
"مهارات...؟"
"نعم." قال غاندي بفخر الطفل الذي يظهر ألعابه لأول مرة. "أنا متعدد المهارات، يا آيل. أظنك أحادي المهارة، أليس كذلك؟ سأستعمل مهارة واحدة فقط، لتكون المواجهة عادلة."
"أرجوك ذلك." كانت كلمات آيل جافة، لكنها حملت تحدياً خفياً. التقط آيل رداءً جراحياً أخضر كان معلقاً على الحائط، وأرسله نحو غاندي كالشراع الطائر. ثم أتبعها بثلاثة سكاكين جراحية، أرسلها خلف الرداء كالأفاعي الخفية.
غاندي لم يتحرك.
نظر إلى السكاكين وهي تخترق الرداء وتخرج من الجانب الآخر، متجهة نحوه.
قال آيل بصوت حازم: "شلل."
استمرت السكاكين في طريقها. اخترقت السكين الأولى يد غاندي اليمنى. والثانية يده اليسرى. والثالثة قدمه اليمنى.
شلت الأطراف الثلاثة فجأة.
ظهر آيل أمام غاندي كالشبح، وضرب لكمة قوية في بطنه، جمع فيها كل قوته الجسدية المتبقية.
لكن فجأة، تشنج جسد آيل كأن صاعقة مرت به. سقط على الأرض ممسكاً بطنه، واللعاب يتدفق من فمه كالزبد، ووجهه شحب بلون الموت.
"ماذا...؟ الألم..." همس بصعوبة، وكأن كل عضلة في جسده تمزق من الداخل.
انحنى غاندي فوقه، وهو يخلع السكاكين من جسده ببطء. نظر إليه بنظرة طبية باردة.
"مهارتك جيدة جداً يا آيل. أظن أن كل جسم تلمسه، يمكنك أن تفعل عليه مهارتك لثوانٍ..." توقف، ثم أضاف: "أريد أن أعرف كل أساليبها. أرني المزيد."
"ماذا فعلت بي؟"
"ألم أقل لك؟" غاندي وقف منتصباً، وراح يشرح كمعلم يلقي آخر محاضراته. "ظننتك عرفت مهارتي الأولى. سأشرحها لك الآن، لتتجنبها ويصبح قتالنا أجمل."
ثم أشار إلى جسده:
"مهارتي الأولى هي الانعكاس الفوري. تعكس أي ضرر جسدي يلحق بي إلى مصدره. عندما ضربتني... شعرت بكل الألم الذي كنت ستشعر به لو لم أستخدمها."
نهض آيل بصعوبة، يتجرع الألم.
"إذاً... تعكس فقط الهجمات الجسدية."
"للأسف." غاندي رفع حاجبه بسخرية. "هذه نقطة ضعف جيدة. استعملها ضدي، بما أنني سأواجهك بهذه المهارة فقط."
"أنت تستفزني كثيراً يا غاندي. حقاً، أنت بشع."
"لا تلمني." ضحك غاندي، لكن عينيه بقيتا باركتين. "هذه خلطتك أنت. دخلت هذا الاختبار وأنت ضعيف، لا تملك مانة مستقرة. لم تتقن المرحلة الأولى من صقل المانا... كيف تلمني على ما أقوله؟ هذا عجزك وضعفك."
صمت لحظة، ثم همس بنبرة قاتلة:
"لا يهم الآن. في التالي... ستموت هنا."
واصل غاندي، وصوته أصبح أكثر نعومة، وكأنه يعد وعداً حميماً:
"لا تقلق. سأرسل إليك سون أيضاً. سأعثر عليه، وسأقتله بعدك."
لكن هذه الكلمات كانت كالإبرة التي ثقبت كبرياء آيل. لمعت عيناه بوميض لم يرهما غاندي من قبل.
تغيرت هالته، وصارت أضيق وأكثر كثافة.
أمسك آيل بطاولة جراحية ثقيلة، وسحبها خلفه كالدرع. ثم نظر إلى غاندي بعينين تحترقان بعزم الجياع، وصرخ:
"شلل!"
انتشر مجال أزرق خفيف من جسده، شل حركة غاندي بالكامل. كان المشهد مذهلاً: غاندي كالتمثال، عيناه وحدهما تتحركان بتعجب حقيقي.
قفز آيل عالياً، وضغط الطاولة بكل ثقله، وهو يصرخ:
"إذا كنت لا أستطيع لمسك، فلماذا لا أستخدم الطاولة؟!"
نظر غاندي إليه من تحت الطاولة الهاوية، وهمس بصوت مكسور بالشلل:
"إذاً... تستطيع أيضاً تشل مجالاً كاملاً..."
ارتطمت الطاولة برأس غاندي بضربة هائلة. كسرت حافته، وتناثر الخشب في كل مكان. لكن مجال الشلل انهار معها، لأن مانا آيل لم تكن كافية للاستمرار.
غاندي لم يتحرك.
لكن آيل كان قد سقط بدلاً منه.
ارتطم آيل بالأرضية بقوة، والدماء تتساقط من أعلى رأسه كالنافورة الحمراء. عيناه اتسعتا، وكأنه لم يصدق ما حدث.
"كيف... كيف حدث ذلك؟" صرخ، وهو يضع يده فوق جرحه. "لا... دم كثير..."
غاندي مشى نحوه ببطء. لم يتعجل. كان يريد أن يتذوق اللحظة.
"أنت استعملت قوتك الجسدية لرمي الطاولة... فعكس الضرر إليك. قلت لك..." توقف فوق آيل، وأطل عليه من علو. "...مهارتي تعكس الهجمات الجسدية. ألم تسمعني؟"
وضع غاندي يده فوق صدر آيل، والشمس تلمع في عينيه كالنار.
"تضخم."
تضخمت يده إلى خمسة أضعاف حجمها، حتى غطت صدر آيل بالكامل كقبضة عملاق.
"هذه مهارتي الثانية. لا تحتاج أن تعرف ما هي... لأنك ستموت هنا."
بدأ يعصر.
طق... طق... طق...
كانت العظام تتكسر تحت قبضته كالأغصان اليابسة. احتضن آيل الألم بصمت، لا يستطيع حتى الصراخ، وعيناه تتسعان أكثر فأكثر.
وقف غاندي فجأة، وترك جسد آيل يرتطم بالأرض كالدمية الممزقة. نظر إلى جسده المشوه، وعبس كمن ينظر إلى طبق لم يعجبه.
"انتهيت من هذا."
ثم أدار ظهره، ومشى باتجاه الفتحة التي أحدثها في الحائط.
"سأتقدم إلى القسم المجاور. أتمنى أن أجد ذلك الأحمق،
سون. اشعر بالملل أكثر هذه المرة ''
اختفى في الظلام، تاركاً وراءه جسد آيل يئن بصوتٍ بالكاد مسموع، والغرفة تنزف صمتاً : سون إقتله أرجوك أنا اعتمد عليك
ثم و كأن روحه طارت ، توقف عن الحركة