قسم الأطفال الطابق الثاني عشر
كان الممر ضيقاً، مبلطاً ببلاط أبيض كان يلمع ذات يوم تحت أضواء الفلورسنت، لكنه الآن متسخ، مشقق، ومغطى بطبقات من الغبار الأسود كأنه رماد جنازة قديمة. الجدران كانت مزينة برسوم أطفال باهتة: شمس صفراء، وردة حمراء، أرنب يبتسم ابتسامة لا تنتمي إلى هذا المكان.
لكن الجدران لم تعد تحتفظ ببراءتها.
كانت مغطاة بدماء سوداء، وبآثار مخالب، وكلمات مكتوبة بخط طفل صغير تقول: "سامحني"، "أريد الخروج"، "لماذا تركتوني هنا؟".
في نهاية الممر، وقف سيبرو.
كان يتنفس بصعوبة، لكن تنفسه كان هادئاً، منتظماً، . كانت عيناه الفارغتان تمسحان الممر أمامه، حيث كان جيش من الأرواح يتجمع في الظلام.
لم تكن أرواحاً عادية.
كانت كالأطفال، لكن وجوههم مشوهة، وعيونهم سوداء بالكامل، وأفواههم مفتوحة كأنها تصرخ دون صوت. أجسادهم كانت شبه شفافة، تموج كالدخان المتجسد، وأيديهم الطويلة تزحف على الجدران كالعناكب.
لكن سيبرو لم يختر.
"غريب..." تمتم بصوته الأجش، وهو يحرك أنبوبة خضراء بين أصابعه. "هذه الأرواح ضعيفة جداً. لم أتوقع أن أواجه هذا المستوى."
انطلقت الأرواح كالسيل.
عشرات، بل مئات، من تلك الكائنات الزاحفة اندفعت نحوه من كل اتجاه: من الممر الأمامي، من الغرف الجانبية، حتى من السقف المتشقق.
لكن سيبرو كان قد رفع يده بالفعل.
كسر الأنبوب الأخضر بين أصابعه.
انفجرت رائحة كثيفة، لونها أخضر ، كالدخان السام الذي يتنفس. لكنها لم تنتشر في الهواء فقط. لقد تجسدت.
تحولت الرائحة إلى أيادٍ شبحية، طويلة، مرنة، التفّت حول أعناق الأرواح كالثعابين التي لا تهرب. كل يد كانت تختنق روحاً، تضغط على حلقها الوهمي، وتجعلها تتلوى كالسمكة خارج الماء.
سقطت الأرواح الأولى على الأرض، ثم الثانية، ثم العاشرة. كانت جثثها تذوب كالثلج في الشمس، تاركةً خلفها بقعة سوداء على البلاط الأبيض.
"غريب..." كرر سيبرو، وهو ينظر إلى الأنبوب المكسور في يده. "أرواح ضعيفة جداً... لم أعتقد أنني سأواجه مثل هذا المستوى."
ثم أدار ظهره، وبدأ يمشي بخطى هادئة باتجاه الممر الجانبي.
"يجب أن أجد الباب."
دخل غرفة صغيرة، كانت مليئة بالدمى المحطمة، بعضها معلق على الحائط، وبعضها ملقى على الأرض كجنود سقطوا في معركة طفولية. نظر إلى كل زاوية، لكنه لم يجد شيئاً سوى الغبار والنسيان.
ثم دخل غرفة أخرى، ثم ثالثة. كان يبحث بمنهجية، كمن يعرف أنه لا يملك وقتاً للعشوائية.
ثم وجد شيئاً.
درج.
كان حلزونياً، ضيقاً، مبنياً من حجر رمادي قديم، وكانت درجاته تختفي في ظلام لا نهاية له.
"أه... درج."
رفع سيبرو حاجبه الأيسر قليلاً، وهو يتأمل الدرج كمن ينظر إلى لغز لم يحله بعد.
"أين يأخذ هذا؟"
بدأ يصعد.
كانت كل درجة تئن تحت وطأة قدميه، وكأنها تشكو من ثقل الزوار. الغبار يتطاير من حوله، وبعض الدرجات كانت مكسورة عند الحافة، .
صعد عشرين درجة، ثم ثلاثين. كان الظلام يزداد، والهواء يصبح أكثر برودة، ورائحة العفن أصبحت أكثر كثافة.
ثم وصل إلى بابه.
غرفة واسعة، مختلفة تماماً عن باقي الممرات. كانت غرفة صف دراسي، مائدة كبيرة في المنتصف، وكراسٍ خشبية قديمة موزعة حولها. على الجدران، كانت توجد لوحات أطفال، مرسومة بألوان زاهية متناقضة مع رطوبة المكان وعفنه. وفي وسط كل اللوحات، رسم طفل صغير يقف وحده، ويداه ممتدتان .
لكن سيبرو لم ينظر إلى اللوحات.
كان ينظر إلى الكرسي.
على الكرسي، جلس طفل.
لم يكن مثل الأرواح الضعيفة التي واجهها في الممر. كان جسده واضحاً، ملموساً تقريباً. كان يرتدي لباساً مدرسياً أزرق داكن، ويحمل حقيبة صغيرة على ظهره، ويداه مستندتان إلى ركبتيه.
كان وجهه طفولياً، بريئاً... لكن عينيه كانتا ثقيلتين، عميقتين،
وقف سيبرو عند المدخل، عيناه الفارغتان تدرسان الطفل ببرود جراحي.
"هاي... من أنت؟" سأل بصوته الأجش. "هل أنت أحد الممتحنين؟ أظن أنني دخلت قسماً آخر."
ثم نظر إلى الجدار على يساره.
كان مكتوباً عليه: "قسم الأطفال".
عبس سيبرو قليلاً.
"لا... لم أغادر قسمي. إذاً..."
رفع عينيه إلى الطفل، وقال بنبرة أصبحت أكثر حدة:
"أنت روح."
وقف الطفل ببطء.
كانت حركته غير طبيعية، كمن يفتح جسده كالدمية بعد سكون طويل. وقف، واستقام، وأمال رأسه قليلاً إلى الأمام، وكأنه يحيي ضيفاً غير مرغوب فيه.
"أهلاً وسهلاً بك."
توقفت كلماته في الهواء كالجرس البطيء.
ثم، دون أي مقدمات، انخفض رأسه أكثر، وقال بصوت أصبح أكثر برودة من الجليد:
"يشرفني أن أقتلك."
لم يكمل سيبرو تعجبه.
كان الطفل أمامه. كان أمام وجهه مباشرة، وقبضته الصغيرة تتجه نحو وجهه كالصاروخ.
بوم!
انطلقت قبضة الطفل في وجه سيبرو بقوة هائلة.
لم يشعر سيبرو بالضربة فقط... بل شعر بجسده كله يطير.
تطاير إلى الخلف كالدمية التي قطع خيطها، وسقط على الدرج الحلزوني. بدأ يتدحرج، كل درجة كانت تضربه كالسكين، جسده يرتطم بالحجر الجاف، وعظامه تصرخ من الألم.
تدحرج عشرين درجة، ثلاثين، ...
ثم سقط في الأسفل.
"م... ما هذا بحق الجحيم؟!" تمكن سيبرو من النهوض، وهو يلمس وجهه المتورم. "كيف..."
لكن الكلمات لم تكتمل.
ظهر الطفل خلفه كالشبح.
لكمة أخرى.
في ظهر سيبرو.
بوم!
انطلق سيبرو كالمقذوف، لقد انطلق كالمقذوف عبر الممر الطويل، جسده يرتطم بالأرضية وينزلق لعدة أمتار قبل أن يتوقف.
وقف بصعوبة، وهو يمسح الدم عن شفته الممزقة. عيناه كانتا تحترقان هذه المرة، ليس خوفاً، بل فضولاً وتركيزاً.
"سرعة..." همس، وهو يضع يده على الأرض ليتوازن. "سرعة لا تصدق."
لكن الطفل كان قد ظهر مرة أخرى.
هذه المرة، بينما كانت قدم سيبرو لا تزال في الهواء من حركة قفزه الأخيرة، أمسك به من كاحله.
رفعه إلى الأعلى كالدمية.
ثم رماه.
بااانغ!
ارتطم سيبرو بالأرض بقوة، وشعر وكأن عموده الفقري قد تحطم إلى قطع. الدماء بدأت تخرج من أنفه وفمه، وأذناه تطنان كالنحل الغاضب.
وقف الطفل فوقه، ووضع قدمه الصغيرة على صدره، وبدأ يمشي ببطء، وكأن سيبرو ليس أكثر من حصيرة تحت قدميه.
"روح قوية..." همس سيبرو بين أنفاسه المتقطعة. "أقوى بكثير من مجموعة الضعفاء الذين واجهتهم."
دفع نفسه للنهوض، ورجف جسده كالقصب في العاصفة.
رفع رأسه ببطء، ونظر إلى الطفل الذي كان قد توقف بعيداً عنه.
"هاي... أيها المتعجرف الصغير."
ضحك سيبرو ضحكة جافة،
"لقد دست عليّ بقدمك العفنة... سأقطعها لك."
توقف الطفل عن المشي.
ثم، في لحظة، كان أمام سيبرو مرة أخرى، قبضته تتجه نحو وجهه بسرعة البرق.
لكن هذه المرة، كان سيبرو جاهزاً.
قبل أن تصل القبضة إلى وجهه، كسر سيبرو الأنبوب الأصفر الذي كان يخفيه في يده.
انفجرت رائحة كثيفة، كالغبار المنثور، تغطّي كل شيء في الهواء. سقط الغبار الأصفر على جسد الطفل كالمطر الخفيف، وتسلل إلى أنفه وعينيه.
تراجع الطفل فوراً.
خطوة، ثم أخرى، ثم ثلاث. ابتعد مسافة عشرة أمتار، وهو يمسك أنفه بقوة، وعيناه الدامعتان تحدقان في سيبرو بحقد لم يره من قبل.
"هذا السم..." قال سيبرو، وهو يمسح الدم عن خده. "...سوف يؤثر على سرعته المجنونة."
بدأ الطفل يسقط على ركبته، ويتقيأ دماً أسود كثيفاً.
وقف سيبرو ، ينظر إليه ببرود المحقق الذي وجد الدليل.
"لا تمت بهذه السرعة. لقد استعملت أنبوب السم الكبريتي فقط." ، . "لم أرَك بعد بقية روائحي. فأنا أمتلك تسعة منها."
ضحك ضحكة قصيرة، كمن يستمتع بالعرض.
"دعني أفكر... أنت روح، لا تتأثر بالروائح الحسية. إذاً... المفاجأة أن لدي خمس روائح أخرى تؤثر فيك."
اتسعت عينا الطفل، وبدأ جسده يهتز بغضب كامن. نهض ببطء، وحاول استعادة توازنه.
"لن أدعه يهاجم."
همس سيبرو، وهو يجهز الأنبوب الأزرق في يده.
"سأهاجم أنا أولاً."
انطلق الطفل إليه.
لكن سيبرو كسر الأنبوب الزرقاء قبل أن يصله.
صقيع الاختناق.
انفجر ضباب أزرق كثيف في كل الاتجاهات، يتجمد الهواء حول الطفل، وتتساقط بلورات الجليد من السقف كالنجوم الساقطة. والزجاج المكسور تحول إلى جليد يتلألأ على الأرض.
تراجع الطفل إلى الخلف، لكنه كان بطيئاً هذه المرة.
استغل سيبرو الفرصة.
أنفاس الفناء.
كسر الأنبوب الأخضر.
انفجر اللون الأخضر على شكل يد عملاقة، شبحية، ملتفة حول عنق الطفل. ضغطت عليه بقوة، وأسقطته أرضاً، وبدأت تخنقه وتعرصه على البلاط المتجمد.
"أنت روح قوية جداً، سريع للغاية. أسرع مني بمراحل." قال سيبرو وهو يقترب ببطء. "لكن مهارة السرعة التي لديك لا تصلح ضدي أبداً. أنا آسف حقاً على هذا العذاب... لكن، لسوء حظك، لم أتعلم كيف أتحكم بروائحي بشكل جيد. لو كنت أتقنتها، لكنت قضيت عليك بسرعة لكي لا تتألم."
الطفل كان يكافح، عروقه تبرز كالحبال، وجسده يرتعش كالورقة في العاصفة. لكن اليد الخضراء كانت أقوى منه، تضغط بلا هوادة.
فتح سيبرو كفه، وبدأ أنبوب أصفر يتشكل بين أصابعه ببطء.
"حسناً... حان وقت موتك."
كسر الأنبوب.
انفجر اللون الأصفر، وتضاعف كالنار التي تلتهم الهواء. تدفق نحو الحائط، وبدأ يتشكل على شكل زهور متعفنة، منتشرة في كل اتجاه. كل زهرة كانت تبث رائحة كريهة، ثقيلة كالموت نفسه، وتخلق مجالاً من الخنق لا يمكن الهروب منه.
اختنق الطفل، وتحول وجهه إلى اللون الأزرق الداكن، وعيناه اتسعتا كمن يرى الموت قادماً.
ثم...
توقف.
مات.
تراجعت روائح سيبرو كالدخان الذي يتبدد في الهواء.
"هذا جيد..." همس وهو يلهث، عيناه لا تزالان مثبتتين على جثة الطفل المتلاشية. "أظن أنني بدأت أفهم مهارتي."
لكنه توقف فجأة.
على آخر الممر، كان هناك طفل آخر.
نفس الملامح. نفس الحقيبة. نفس الثياب الزرقاء. نفس العينين الثقيلتين.
وقف الطفل، وأمال رأسه قليلاً، ثم انحنى برشاقة كمن يلقي تحية على مسرح.
"شكراً لك على هزيمته."
توقف لحظة، ثم رفع عينيه نحو سيبرو.
"يشرفني أن أقتلك."
لم يكمل سيبرو تعجبه. لقد أدرك هذه المرة أن الطفل سيكون بنفس السرعة.
رمى ثلاثة أنابيب زرقاء أمامه، وكسرها في الهواء قبل أن تلمس الأرض.
صقيع الاختناق .
انفجر الضباب الأزرق كالسد الذي انهار، غطى المنطقة بأكملها، وجمد الهواء نفسه.
الطفل كان قد وصل إليه بالفعل. لكن هذه المرة، لم تكن قبضته سريعة كالسابق.
تجمدت قدمه في الجليد، والضباب الأزرق بدأ يتسلق جسده الصغير، يبطئ حركته تدريجياً.
لكن الطفل لم يتراجع.
واصل الهجوم. ضربات متتالية، لكمات على بطن سيبرو، ورأسه، وأنفه. الدماء تدفقت من سيبرو كالنوافير، لكنه لم يتوقف.
هذه المرة، تحول سيبرو من مدافع إلى مهاجم.
كسر الأنابيب الثلاثة دفعة واحدة.
الأزرق: صقيع اختناق، جمد الهواء حولهما.
الأصفر: زهرة الفناء، نمت من الجدران وأطلقت سمها.
الأخضر: أيادي الاختناق، انطلقت كالثعابين نحو عنق الطفل.
الثلاثة هاجموا معاً. الأيادي الخضراء أمسكت بالطفل، والضباب الأزرق جمد حركته، والزهور الصفراء بثت سمها في الهواء.
لكن هذه المرة، لم تصل الأيادي إلى عنقه.
سقط الطفل على الأرض، وعيناه مفتوحتان، ووجهه أزرق كالأول.
مات.
وقفت سيبرو وهو يلهث بشدة، يمسح الدم عن وجهه المتورم، جسده كله يرتجف من الجهد والمعركة.
"لقد استنشق الكثير من سم الكبريتي وصقيع الاختناق..." همس وهو يحاول استعادة أنفاسه. "هذا الطفل كان أسرع من الأول... ."
نظر إلى جثة الطفل، التي بدأت تذوب كالثلج، وحاول أن يلتقط أنفاسه قبل أن يسمع شيئاً.
خطوات من خلفه.
توقف كل شيء في داخله.
أدار نفسه ببطء، وفي آخر الممر، وقف طفل آخر.
نفس الملامح. نفس الحقيبة. نفس النظرة.
"ما هذا بحق الجحيم؟" زمجر سيبرو، وصوته أصبح خشنًا من الإرهاق. "هل تتلاعبون بي، أم ماذا؟!"
وقف الطفل، ونظر إليه ببرود مرعب. ثم، وبنفس الإيقاع، انحنى رأسه:
"أشكرك على قتلهم."
رفع عينيه، وقال كلماته المعتادة:
"يشرفني أن..."
طقققققققق!
انفجر الحائط إلى اليمين كالزجاج المحطم.
قطع كبيرة من الطوب والحجر تطايرت في كل اتجاه، وسقطت مباشرة على الطفل الثالث، ودفنته تحت الأنقاض في لحظة.
وقف سيبرو مندهشاً، ينظر إلى الفجوة التي أحدثها الحائط المنهار.
"ماذا... هناك أيضاً؟"
بدأ الغبار ينقشع ببطء، وكشفت الرياح عن شكل يقف في ظلال الفتحة.
كانت فتاة.
شعرها الطويل يرفرف خلفها كالعلم في المعركة، ونصف وجهها يلمع تحت ضوء باهت.
في يدها، كان سيف طويل، حافته ترسم خطوطاً بيضاء على الحجر.
التفتت الفتاة ببطء.
آلما.
وقفت في الفتحة، تنظر إلى سيبرو بعينين تتلألآن بوميض غريب، نصفه فرح، ونصفه فضول.
ثم... فعلت شيئاً لم يتوقعه.
ارتمت على وجهها كالطفلة، وراحت تضحك كالينبوع.
"هذا هو أسعد يوم في حياتي!" صرخت بصوت عالٍ، وقفزت قفزة صغيرة.
"أخيراً... حصلت على خصم جيد!"
وقف سيبرو، وهو يمسح الدم عن شفته الممزقة، وينظر إليها بعينين مرهقتين لكنهما لا تزالان حادتين.
"ما كان ينقصني..." . "...إلا هذه."
وقف الاثنان في نهاية الممر المتسخ، يفصل بينهما سقف منهار وأرضية مليئة بالدماء والغبار، كل واحد منهما ينظر إلى الآخر بنظرة لا تعد بوعد، بل بتحدٍ صامت.
يتبع...