قسم الصدرية الطابق الخامس

كان الحائط يرتجف.

ثم، انفجرت منه دائرة سوداء هائلة، كثقب أسود ولد في قلب الخرسانة. سقط الجزء المقطوع من الحائط ككتلة حجرية، محدثاً صوتاً مدوياً عندما ارتطم بالأرضية.

دخل جين من الفتحة.

ابتسم ابتسامة خفيفة، ويداه في جيوبه، ونظراته تتجول في الممر الطويل. كانت عيناه حادتين، تمسحان المكان بسرعة، وتحللان كل التفاصيل كآلة دقيقة.

وقف للحظة، ورفع حاجبه.

كان مشهد الممر أمامه مذهلاً.

الأرواح كانت ميتة مكدسة فوق بعضها البعض في كل مكان. على الأرض، فوق بعضها، على الجدران، حتى من السقف كانت تتدلى كالعناكب العملاقة. "من يكون صاحب هذا القسم يا ترى؟" تمتم جين، وهو يتأمل تلك الأرواح المتجمدة. "لكن... لا يهم. طالما أنه لم يشعر بوجودي."

بدأ يمشي ببطء بين الأرواح المكدسة، كمن يمشي بين تماثيل في متحف مظلم.

"يجب أن أعثر على الباب. فالباب هنا سهل الإيجاد على غريب القسم... هذه هي القاعدة."

ابتسم ابتسامة ماكرة، وهو يتجاوز روحاً كانت تتجه نحوه ببطء شديد.

"باب سهل الإيجاد... نعم..."

قاطعته خطوات قدميه صوتاً خفيفاً، فجأة سمع صوت:

"من يكون هذا الشخص اللطيف الذي دخل قسمي؟"

وقف جين.

رفع عينيه ببطء، وإذا بفتى يجلس في الظلام على كرسي خشبي، يداه متشابكتان تحت ذقنه، وابتسامة خبيثة ترتسم على شفتيه.

كان باكس.

"آه..." قال جين، وابتسامته لم تتغير. "أنت هنا إذاً، باكس. صاحب القسم."

خرج باكس من الظلام ببطء، ووقف أمام جين، ينظر إليه بعينين تلمعان بذكاء مريض.

"جين..." قال بصوت هادئ، كمن يخاطب صديقاً قديماً. "هل تعلم أن دخولك قسمي كان خطأ فادحاً؟"

ضحك جين ضحكة خفيفة، وخلع يديه من جيوبه.

"خطأ؟ لا أظن ذلك. أنا هنا لأفوز، وإذا كان قسمك يمنعني من ذلك... فسأمر من خلالك."

ساد الصمت بينهما، ثقيلاً، كالحبل المشدود فوق الهاوية.

"باكس..." قال جين، وهو يدرس خصمه بعينيه. "هل استطعت ترويض الأرواح هنا؟ أظنك قضيت عليها بالكامل في هذا القسم. جيد."

لم يبتسم باكس. ظل وجهه جامداً، كالحجر.

"هذا ليس وقت المزاح يا جين. لقد دخلت قسمي، وهذا يعني أنك خصم. وأي خصم يجب أن يُقتل... لأضمن فوزي."

رفع جين يديه ببطء، وأشار إلى الأرواح المتجمدة حولهما.

"لا تكن جدي إلى هذه الدرجة، باكس. إنها مجرد لعبة. الأقوى بيننا هو من سيفوز. دع التفكير جانباً، ودع القتال يتحدث."

لكن باكس لم يتراجع.

أخذ وضعية القتال، وقدماه تباعدتا، ويداه ارتفعتا إلى مستوى صدره، وعيناه لم تفارقا جين للحظة.

"اسلوبك خبيث جداً." قال جين، ونبرته أصبحت أقل مرحاً.

"على ماذا تتكلم؟" سأل باكس، وعيناه تضيقان.

"أشعر..." قال جين، وهو يلفّ نظره حوله. "أشعر أنك زرعت شيئاً ما في كل القسم. أظنها فخاخ... محكمة لقتل كل من دخيل."

تجمدت ملامح باكس للحظة، ثم عادت إلى طبيعتها.

"وكيف عرفت ذلك، وأنا لم أضع أي نقطة مانا في تلك الفخاخ؟"

ابتسم جين.

"إنها حاسة سادسة يا باكس. تستيقظ إذا كان هناك من يريد قتلي." توقف للحظة، ثم أضاف: "إذاً... هذه مهارتك؟ لا، هذا احتمال ضعيف. الاحتمال الأقوى أن مهارتك ضعيفة، وأنك لم تصقل مانتك بشكل جيد، لهذا تلجأ إلى الفخاخ."

ضحك باكس ضحكة جافة، كصوت الحصى يتكسر تحت الأقدام.

"تقدم لي احتمالاتك البائسة، وتنتظر الإجابة؟ هذا أمر مضحك جداً." توقف باكس، ثم أضاف بنبرة أصبحت أكثر حدة: "هاي جين... لا تراوغ. هدفك واضح: إما أنك تريد فهم مهارتي لتعلم ما يحدث حولك، أو أنك تريد تشتيتي لأفقد التركيز."

رفع جين حاجبه.

"أنت أيضاً قدمت احتمالين. لأكن صادقاً: أحدهما صحيح." بما أنك تخفي تدفق المانا الخاصة بك، وتخفي هالتك، أصبحت غير قادر على التعامل معك. خاصة مع مهارتك التي أجهلها صمت باكس للحظة، ثم قال: لا تضحكني أرجوك. المانا تتدفق منك بشكل عادي، وهذا يعني أنك مثلي تماماً. كلانا لا نريد إظهار مهارتنا." توقف، ثم أضاف: "لا، بل نحن نعلم أن من يفهم مهارة الآخر سيفوز. أهذا احتمال صحيح؟"

"أنت متلاعب أيضاً يا باكس." قال جين، وصوته أصبح أكثر برودة. "توهمني بإقناع كلامك، وتضرب احتمالاً وتؤيده، لتكون نسبة حدوثه متكاملة... هذا لن ينفع معي."

في داخله، فكر جين:

"مع أنه على صواب في نصف كلامه... أنا أجهل مهارته، وأجهل قوته بسبب تدفق ماناه الطبيعي. أي حركة خاطئة يمكن أن تقضي عليّ مباشرة. وبالمقابل... هو مثلي تماماً."

رفع جين عينيه نحو باكس، وابتسم.

"هل نبدأ القتال إذاً؟"

"نعم." قال باكس، وهالته بدأت ترتفع. "مستعد. هيا، هاجم."

بدأت المانا تتدفق من جسد جين بقوة، وهالته بدأت تتوزع على المكان بشكل ثقيل جداً، كالضباب الأسود الذي يبتلع النور.

همس باكس لنفسه:

"كما توقعت... حسناً، لن أخاطر."

بدأت أيضاً هالة باكس تتدفق منه، كثيفة، حادة، كالسكين المسلول.

ثم قال باكس فجأة:

"انتشار الدخان."

في لحظة، ودون أي تحذير، انفجر المكان بدخان كثيف، أسود غامق، تغطّى كل القسم به كالبحر الهائج. لم يعد يرى جين شيئاً، ولم يعد يشعر بوجود باكس.

"ما هذا الدخان؟!" صرخ جين، وهو يدور حول نفسه.

كان الدخان كثيفاً جداً، يكاد يكون ملموساً، ورائحته كالرماد والموت والطحالب الجافة.

"باكس... لقد اختفى من أمامي، ولم أعد أستطيع استشعار وجوده."

وقف جين ثابتاً، وحاول أن يهدئ تنفسه.

"يجب أن أحذر. الدخان يغطي المكان، لا أستطيع الرؤية. لكن مجال استشعاري يمتد لعشرة أمتار... هذا جيد. من يدخل هذا المجال، سأشعر به، وسأدرك كيف أصدّه."

تقدم خطوة، ثم أخرى.

"ماذا أفعل الآن؟ هل أتقدم؟"

فجأة، ظهرت روح من بين الدخان، كالسهم المنطلق. ضربت جين من الأعلى بسرعة مذهلة.

لكن جين كان جاهزاً.

صد الضربة بذراعه، وأدار جسده بسرعة، ووجه ركلة قوية نحو الروح.

بوم!

طارت الروح بعيداً، واختفَت في الدخان كأنها لم تكن.

"ماذا...؟"

نظر جين إلى ذراعه، وإذا بمادة غريبة تلتصق به. كانت لزجة، شفافة، كالمخاط الذي يخرج من جرح قديم.

"ما هذا المخاط؟" همس، وهو يحاول مسحه. "إنه يلتصق... ولا يزول."

تصلب وجهه.

"تلك الروح، عندما لامستني، تركت هذا الشيء الغريب عليّ. ماذا يحدث هنا بحق الجحيم؟"

لكن الروح عادت مجدداً.

هذه المرة، لم ينتظر جين. اندفع نحوها بسرعة مذهلة، ووصل إليها قبل أن تهاجم. وجه لها ضربة قوية في بطنها، وابتعد بسرعة قبل أن تلمسه.

لكن المخاط كان قد انتقل إلى يديه.

"يا للهول..." همس، وهو ينظر إلى يديه المغطاتين بالمادة اللزجة. "فهمت الأمر... الأمر يعتمد على لمسها فقط. كل ما تلمسه يترك هذا المخاط."

تراجع جين خطوات، وحاول التفكير.

"إذاً... سأهرب وأبتعد عن هذا المكان. أنا أجهل تأثير هذا المخاط، ولا أستطيع التركيز داخل هذا الدخان. اولويتي هي البحث عن باكس."

بدأ جين يجري بأقصى سرعة، يدور حول الممرات في محاولة لإضلال الروح التي كانت تلاحقه كالظل.

لكن، أثناء جريه، وقعت قدمه على أرضية لم يرها.

فتحت الأرضية تحته.

هوى جين إلى الأسفل، لكنه تشبث بالحائط بسرعة مذهلة، مستخدماً المخاط الذي على يديه كلاصق قوي.

"فادني هذا المخاط!" صرخ، وهو يتدلى من الحائط. "هذا أمر مضحك..."

نظر إلى ما حوله، وإذا بالممر مليء بالفخاخ المتنوعة: أرضيات تنفتح، أسهم تنطلق من الجدران، سلاسل تتدلى من السقف.

"إنها فخاخ..." همس جين، وهو يتسلق إلى أعلى. "أظن أنني بدأت أفهم."

قفز على أرضية آمنة، ووقف ينظر إلى الممر المظلم.

"مهارة باكس هي صنع الدخان. وأظنه استعمل أقصى ما لديه ، حتى أن مانته انخفضت ولم أعد أشعر بوجوده. أيضاً، يستغل هذا الدخان ويضع فخاخاً هنا وهناك."

توقف لحظة، ثم أضاف:

"بما أن مهارته ليست هجومية... هذا الأمر ممل حقاً. لا أريد اللعب الغميضة أو ما شابه ذلك. هذا الأمر يزعجني."

نظر إلى الروح التي كانت تقترب منه مجدداً، وهي تحمل مخاطها اللزج.

"وتلك الروح تلاحقني... هذا أمر مزعج جداً."

تنهد بعمق، ورفع يديه.

"إذاً... لا خيار سوى استعمال مهارتي."

بدأت المانا تتدفق من جسده بغزارة، وهالته تغيرت، وصار ظله أطول وأكثر كثافة.

قال بصوت هادئ:

"تفعيل."

في أحد زوايا القسم، كانت عينا باكس تفتحان فجأة.

"ماذا؟" همس، وهو يشعر باختفاء مفاجئ لهالة جين. "لقد اختفى... لم يعد موجوداً. هل استسلم وخرج؟"

توقف.

"لا... هذا مستحيل. هالته اختفت في لحظة زمنية وجيزة جداً. كأنه لم يكن هنا أبداً."

نهض باكس من مكانه، وبدأ يتجول بحذر، عيناه تمسحان الدخان الكثيف حوله.

"أين هو؟ أين أنت يا جين؟"

فجأة، شعر بشيء.

شيء بارد، حاد، يخترق ظهره.

نظر إلى أسفل، وإذا بطرف سكين يخرج من صدره.

وقف جين خلفه، وسكينه مغروسة في ظهر باكس بعمق، وابتسامة باردة على وجهه.

"إذاً... أنت هنا تختبئ."

اتسعت عينا باكس صدمةً وألماً.

"كيف... كيف وصلت إلى هنا؟" سأل بصوت مبحوح.

"كان كلامك صحيحاً يا باكس." قال جين، وهو يسحب السكين ببطء. "القتال سينتهي إذا فهم أحدنا مهارة الآخر. وأنت، كشفت لي نقطة ضعف كبيرة."

تراجع جين خطوة، وترك باكس يضع يده على جرحه.

"لأن كلامك كان صحيحاً. إذا كانت المهارة ليست هجومية أو دفاعية، فهذا النوع من المهارات غالباً له أسلوب واحد. لذا، اقتربت منك بمهارتي، بعدما علمت أنك لن تشكل لي خطراً."

التفت باكس إليه، وعيناه تحترقان بالألم والغضب.

"قبل أن تقتلني... أريد أن أسألك. كيف وصلت إلى هنا؟"

ابتسم جين.

"استعملت مهارتي: التحكم في الظل. أستطيع أن أصنع ظلاً، وأندمج معه. وبهذا كان العثور عليك في غاية السهولة."

صمت باكس للحظة، ثم همس في نفسه:

"أظنه كشف فقط أسلوباً واحداً من مهارته..."

فجأة، ظهرت الروح على جانبهما، وضربت جين بسرعة.

لكن جين كان قد قفز وابتعد.

"لا أريد أن أتوسخ بمخاطك مجدداً." قال جين، وهو ينظر إلى الروح. "لكنك روح ذكية... لقد لحقتي بي بعد كل ما فعلته لك من تضليل."

همس باكس في نفسه، وهو يبتسم ابتسامة مريضة:

"بل أنا أزلت القليل من الدخان، وقدتها إلى مكاننا. وكنت أعلم أنها ستهاجم من لديه أعلى مانا."

وقف جين بين الروح وباكس، عيناه تتنقلان بينهما.

"الآن... يجب أن أقتلكما الاثنين معاً."

رفع يده، وبدأت المانا تتجمع حولها كالظلال المتماوجة.

"تعدد الظلال... تفعيل."

لكن باكس رفع يده فجأة.

"انتظر يا جين. لقد هيأت لك مفاجأة."

بدأ الدخان يتلاشى، وظهرت الغرفة بوضوح. لكنه لم يكن يتلاشى عشوائياً. كان يتجمع حول باكس، يغلفه كشرنقة صلبة.

"لقد هيأت نفسي لمثل هذه الظروف." قال باكس، وابتسامته أصبحت أوسع، أكثر جنوناً. "لقد زرعت قنبلة ذرية هنا في الغرفة."

اتسعت عينا جين للحظة، لكنه لم يجد وقتاً للرد.

"أرجوا أن تستمتعوا." همس باكس.

انفجر المكان.

بوووووووووووووووووم!

موجة صدمة هائلة، كالشمس التي انفجرت في قلب المستشفى، دمرت كل شيء. الطابق الخامس بأكمله، بكل أقسامه، تحول إلى غبار وحطام ونار. الجدران انهارت، السقف انهار، الأرضية انهارت، كل شيء انهار في ثانية واحدة.

سقط باكس من الطابق الخامس إلى الرابع، جسده يغطيه المخاط والدخان كدرع واقٍ، وهو يضحك كالمجنون في منتصف السقوط.

ارتطم بالأرضية بقوة، لكنه نجا.

وقف باكس، وهو يمسح الغبار عن وجهه، وابتسامته لم تفارق شفتيه.

"لقد تخلصت من ذلك المزعج جين..." همس. "أشعر أنني نزلت في قسم ممتحن أضعف مني. هذا أمر جيد..."

بدأ يمشي باتجاه الممر الجديد، وعيناه تلمعان بشر خبيث.

"لنبدأ في زرع الفخاخ."

##### غرفة المراقبة

كانت الشاشات ترتجف، والغبار يتصاعد من شاشة الطابق الخامس التي لم تعد تظهر سوى حطام.

قفزت مين من مكانها، ووجهها شاحب.

"هذا الطفل..." صرخت. "هذا الطفل غبي! لقد فجر كل الطابق!"

بدأت أصابعها تتحرك بسرعة على مجسد المستشفى الذهبي، ونظرت إلى بلاك داون بعينين مرتجفتين.

"لكني كنت في كامل تركيزي... لقد أوقفت الانفجار! منعته من الامتداد إلى الأقسام المجاورة، وحاصرت الإشعاع، وأغلقت الطابق المدمر من كل جهاته ليبقى محصوراً هناك!"

وقفت بلاك داون، وعبس وجهها.

"هذا جيد. أحسنتِ صنعاً."

التفتت إلى الشاشات الأخرى، عيناها تمسحان كل قسم.

"أريد تركيزاً أكثر. الاختبار لم ينتهِ، ولا تعلم ما قد يحدث آخر."

لكن في الزاوية، كان باكولا جالساً، وعيناه مثبتتان على الرمز الذي رسمه على الأرض. يداه كانتا ترتجفان، ووجهه أصبح شاحباً أكثر من المعتاد.

"سيدة بلاك داون..." قال بصوت يرتجف.

التفتت إليه بلاك داون ببطء، ونبرتها أصبحت أكثر حدة:

"ماذا هناك أيضاً؟"

"لا أدري..." همس باكولا، وعيناه لم تفارقا الرمز. "لكنه مجرد شعور. أرى أن هناك روحاً استيقظت لتوها... لا أستطيع السيطرة عليها بالكامل."

تقدمت بلاك داون نحوه، ونظرت إلى الرمز. كانت عيناها تضيقان.

"هل هي خطيرة إلى هذا الحد؟"

رفع باكولا عينيه، :

"سأجرب السيطرة عليها... لكي لا تسبب مشاكل."

"افعل." قالت بلاك داون، وصوتها أصبح جليدياً. "أريد كل شيء تحت السيطرة."

2026/08/12 · 63 مشاهدة · 1844 كلمة
Foha
نادي الروايات - 2026