الطابق الرابع
كان الممر مظلماً، مليئاً بالغبار المتطاير وبقايا الانفجار الذي هز الطابق الخامس قبل لحظات. الجدران كانت مشققة، والأرضية مغطاة بحطام الخرسانة والزجاج المكسور. رائحة البارود والدماء كانت تملأ الهواء، ثقيلة، خانقة.
وقف باكس في منتصف الممر، وهو يمسح الغبار عن وجهه، وابتسامة النصر لا تزال مرسومة على شفتيه.
"لقد تخلصت من ذلك المزعج..." همس، وهو ينظر إلى الفتحة التي أحدثها سقوطه من الطابق الخامس. "الآن، سأجد ممتحناً ضعيفاً في هذا القسم، وسأنهي كل شيء بسهولة."
بدأ يمشي بخطى واثقة، كمن يملك المكان.
لكنه توقف فجأة.
كان هناك شخص يقف في آخر الممر.
شخص مألوف جداً.
شاحب، غاضب، ثيابه ممزقة، وجسده كله مغطى بالجروح والدماء. عيناه كانتا تحترقان بغضب لم يره باكس من قبل.
جين.
اتسعت عينا باكس، وتراجع خطوة.
"يا حظي السيء..." تمتم بصوت يرتجف. "إذاً لم تمت أيها البائس..."
خطى جين خطوة إلى الأمام. جسده كله كان يرتجف، لكن ليس من الخوف. من الغضب. هالة القتل كانت تتوهج حوله كالنار السوداء، تضغط على المكان بثقل لا يطاق.
"سأقتلك يا باكس."
صوته كان هادئاً، لكنه كان يحمل برودة لا توصف.
"لا أريد الفوز في هذا الاختبار. لا أريد الباب. لا أريد شيئاً."
"سأنتقم منك. هذا هو فوزي."
ضحك باكس ضحكة متوترة، محاولاً أن يخفي خوفه.
"حقاً؟ أنت تخيفني... بهذا المظهر البائس!"
لكن جين لم يضحك.
رفع يده، وبدأت المانا تتجمع حوله كالدوامة السوداء.
"نسخ الظل."
انفجر جسد جين إلى عشرة نسخ، كلها متطابقة، كلها تحمل نفس الغضب، نفس القتل. خمسة منها هاجمت باكس مباشرة، والخمسة الأخرى اختفت في الجدران والأرضية والسقف، كالثعابين التي تنتظر الفريسة.
صاح باكس:
"الدخان!"
انفجر الدخان الكثيف من جسده، وغطّى المكان بأكمله. في لحظة، اختفى باكس من مكانه، وظهر في غرفة جانبية، انتقل عبر الدخان .
"لن تهرب مني هذه المرة." قال جين، وصوته يأتي من كل مكان.
"انقسام الظل."
من عشرة نسخ، أصبحت عشرون. كلها دخلت الجدران، كلها انتشرت في كل مكان. كانت تبحث عن باكس في كل زاوية، في كل غرفة، في كل ممر.
باكس كان يظهر في غرفة، ثم يختفي، ثم يظهر في أخرى. الدخان كان ينتشر في كل مكان، يملأ القسم بأكمله. الأرواح التي كانت نائمة في الزوايا استيقظت، وبدأت تصرخ من كل الاتجاهات، كجوقة من الموتى الأحياء.
القسم كله كان يعمه الفوضى.
في غرفة صغيرة، وقف باكس فجأة.
لم يختفِ.
ظل واقفاً في وسط الغرفة، يتنفس بصعوبة.
بدأت الظلال تظهر من الجدران، تحوم حوله كالذباب الجائع. ثم، من بينها، ظهر جين.
وقف جين أمام باكس، ينظر إليه بعينين جليديتين.
"لماذا توقفت؟" سأل جين، وصوته ساخر. "هل جهزت فخّك هنا؟ أم زرعت قنبلة أخرى؟"
تقدم خطوة نحو باكس، ونبرته أصبحت أكثر حدة.
"لا تكن غبياً يا باكس. هذه الأساليب لن تجدي نفعاً مرة أخرى."
رفع باكس يديه، وابتسم ابتسامة متعبة.
"بل مللت حقاً يا جين."
تنهد، وجلس على حافة طاولة مكسورة.
"أنت وأنا مثل بعضنا إلى حد ما. أنت تستطيع إنتاج العشرات من الظلال والتنقل فيها كيفما تشاء، وأنا أستطيع التنقل في الدخان كيفما أشاء."
أشار إلى نفسه، ثم إلى جين.
"نحن الاثنان يصعب علينا أن نتقاتل، لأننا لا نستطيع إيذاء النسخة الأصلية للآخر. كلانا سريع، كلانا خفي، كلانا لا يمكن الإمساك به."
ظهر ظل من خلف باكس، ووجه سكيناً نحو ظهره.
لكن باكس اختفى في لحظة، وظهر في زاوية الغرفة، متكئاً على الحائط.
"لن تستطيع الاقتراب مني مثل سابقاً. الآن، فهمت مهارتك جيداً يا جين."
مد يده نحو جين، وعيناه تلمعان بذكاء.
"إذاً، سأقترح عليك فكرة."
جين وقف ثابتاً، ينظر إليه بفضول حذر.
"إذا كنت تريد قتلي، يجب أن تواجهني في بيئة مفتوحة. هنا، في هذه المتاهة، لن تستطيع إيجادي أبداً."
توقف لحظة، ثم أضاف:
"لذا، يجب أن نترك القتال جانباً، ونبحث معاً عن الباب. بما أنه ليس قسمنا، يمكننا الفوز معاً. كلانا يخرج، كلانا ينجح."
ساد الصمت.
جين ظل واقفاً، ينظر إلى باكس، ووجهه لا يعبر عن شيء.
ثم قال:
"أنهيت كلامك؟"
تراجع باكس خطوة، وعيناه تضيقان.
"لم أفهم..."
"أنت ضعيف يا باكس." قال جين، وصوته أصبح أكثر برودة.
"لا قوة لديك سوى الكلام الفارغ."
رفع يديه.
"سأقتلك. والآن."
انفجرت الظلال من كل مكان.
من الجدران، من السقف، من الأرضية. كلها اندفعت نحو باكس كالسيول السوداء، كل تحمل سكيناً، كل تحمل موتاً.
صرخ باكس:
"أنت أحمق! إذاً، إلى اللقاء!"
اختفى في لحظة، وظهر في غرفة أخرى.
لكنه عندما ظهر، كان هناك ظل ينتظره.
غرز السكين في كتفه.
"آآآه!" صرخ باكس، وهو يمسك جرحه، وعيناه تتسعان بصدمة.
"ك... كيف؟!"
اختفى مجدداً، وظهر في غرفة أخرى.
مرة أخرى، ظل ظهر من تحته. غرز السكين في قدمه هذه المرة.
"آآآه!"
كررها عدة مرات. كلما اختفى، كان ظل ينتظره، يطعنه في مكان جديد.
لم يعد باكس قادراً على المشي.
وقف أخيراً في أحد الممرات، يتنفس بصعوبة، ودماؤه تتساقط على الأرض كالنافورة الحمراء.
من السقف، بدأ ظل يتشكل ببطء. تشكل على هيأة جين.
نزل جين ببطء، ووقف أمام باكس، ينظر إليه من علو.
"أيها الغبي."
ابتسم جين ابتسامة باردة.
"أين ذهب ذكاؤك الآن؟ ها أنت ذا أمامي، لا حول لك ولا قوة."
تراجع جين خطوة، ونظر إلى جسد باكس المدمى.
"أتعتقد أنني سأخسر أمامك؟ هذا مستحيل. الحشرات يجب أن تُدعس في النهاية."
نهض باكس بصعوبة، وهو يضحك.
ضحكة متقطعة، كصوت الزجاج المكسور.
"هههه..."
مسح الدم عن شفته، ونظر إلى جين بعينين تلمعان بجنون أخير.
"لم أخسر يا جين."
رفع يديه، وصرخ بأعلى صوته:
"انفجار الدخان!"
انفجر الدخان.
لكن هذه المرة، لم يكن القسم فقط.
كل المستشفى.
من الطابق الأول إلى الأخير، في كل قسم، في كل زاوية، تسرب الدخان الأسود من الجدران، من الأرضيات، من الأسقف.
كانت الشاشات في غرفة المراقبة تغطى بالضباب، والمشرفون يقفون في دهشة.
اختفت هالة باكس، وظهر في الطابق الأول.
لكن في لحظة ظهوره، كان هناك ظل ينتظره.
وقف جين أمامه، وسكينه مغروسة في قلب باكس.
"أيها الغبي." همس جين، وصوته كان هادئاً، كمن ينهي درساً طويلاً.
"لست وحدك الذي يستطيع تسريب مهارتك في مجال مفتوح. ظلالي تستطيع التحرك بحرية أيضاً."
نظر باكس إلى السكين في صدره، ثم رفع عينيه إلى جين.
كانت عيناه تلمعان بوميض أخير من الاعتراف.
"إذاً..." همس بصوت ضعيف. "خسرت في النهاية... وفزت أنت."
تنهد، وابتسم ابتسامة مرهقة.
"لسوء حظي، كان خصمي أنت... أيها الأحمق."
سقط باكس على الأرض، وعيناه لم تغمضا.
مات.
وقف جين فوقه، ينظر إليه بصمت.
لم يقل شيئاً.
أدار ظهره، وبدأ يمشي.
هالته كانت لا تزال مشتعلة، لكن عينيه كانتا فارغتين.
$$$$$$$
الطابق الثاني قسم العظام
كان الجدار يهتز ببطء.
ثم، انفجر.
سقطت قطع كبيرة من الخرسانة، وتطاير الغبار في كل اتجاه. من الفتحة، خرج أليكس بخطى واثقة، وسيفه الفضي الضخم مستند على كتفه، يتلألأ في الظلام كالقمر في ليلة سوداء.
لكنه توقف فجأة.
كان هناك شخص يقف أمامه.
ممتحن هادئ جداً، يديه مشبكتان خلف ظهره، يرتدي جاكتاً أسود وقبعة سوداء تغطي نصف وجهه. وقف كالتمثال، لا يتحرك، لا يتكلم.
رفع أليكس حاجبه، ونظر إليه بعينين تلمعان بفضول.
"إذاً أنت..."
توقف، وعيناه تضيقان.
"بيتو."
رفع بيتو رأسه ببطء، ونظر إلى أليكس بعينين لا تعكسان أي مشاعر.
"أليكس سيلفا."
صوته كان هادئاً، جافاً، كالورق القديم.
"أرجوك، عد إلى قسمك. لست في مزاج يسمح لي بالقتال."
ضحك أليكس ضحكة خفيفة، وأسند سيفه على الأرض.
"هذا سيء. لم أجد الباب في قسمي، لذا..."
رفع سيفه، وأشار به إلى بيتو.
"هذه المعركة لا مفر منها لنجاحي."
وقف بيتو ثابتاً، وعيناه لم تتغيرا.
ثم، وببطء شديد، أخرج يديه من خلف ظهره.
"إذاً..." همس. "أهجم."
يتبع...