قسم الأطفال الطابق الثاني عشر
كان الممر طويلاً، مظلماً، وجدرانه مغطاة برسوم أطفال باهتة. شمس صفراء ذابلة، وردة حمراء ممزقة، أرنب يبتسم ابتسامة لا تنتمي إلى هذا المكان الميت.
الرسوم كانت تراقبهما.
في وسط هذا المشهد المرعب، وقف سيبرو في نهاية الممر، وأنبوب أصفر بين أصابعه، وعيناه الفارغتان مثبتتان على الفتاة التي تقف على بعد عشرين خطوة منه.
آلما وقفت في الطرف الآخر، وسيفها الطويل مستند على كتفها، وشعرها يتطاير كالعلم في مهب الريح.
كانت عيناها تلمعان كنجمين في ليل مظلم.
حدقا في بعضهما البعض.
"هاي..." قالت آلما، وصوتها كان كالجرس الخفيف في كهف مظلم. "لقد طال انتظارنا لهذه اللحظة."
"أنا لم أنتظر شيئاً." قال سيبرو، وصوته الأجش كان بارداً كالحجر. "أنت من أتيتِ إليّ."
ضحكت آلما ضحكة قصيرة، ورفعت سيفها ببطء.
"صحيح. لقد أتيتُ إليك. لأنني لم أجد الباب في قسمي ."
تحركت.
لم تكن حركتها عادية. قفزت إلى الأعلى، وارتطمت بالجدار، وبدأت تجري عليه كأنها تمشي على الأرض. شعرها الأبيض كان يتطاير خلفها، وسيفها يتلألأ كالبرق.
رأى سيبرو ذلك، لكنه لم يتردد.
كسر الأنبوب الأصفر بين أصابعه.
زهرة الفناء.
انفجرت رائحة صفراء كثيفة، وتجسدت على شكل زهور متعفنة نمت على الجدران بسرعة مذهلة. كانت تنمو من الخرسانة، من البلاط، من السقف، وتطلق سمها في الهواء كأنفاس وحش ميت.
لكن آلما لم تتوقف.
نزلت من الجدار كالسهم، و مرت عبر الزهور، التي نزلت الى أرض و سقحقت تماما
طق. طق. طق.
صوت تكسر الزهور كان كضحك ساخر.
اتسعت عينا سيبرو للحظة، لكن الصدمة لم تدم طويلاً. قبل أن يكمل تفكيره، كان سيف آلما قد غرز في كتفه الأيسر.
غرز!
ارتجف سيبرو، وشعر بألم حاد يخترق جسده. الدماء بدأت تتدفق، وسيفها انسحب بسرعة.
قفزت آلما بعيداً، ووقفت على مسافة آمنة، تنظر إليه بعينين تقديران.
"أتظن أن تلك الروائح ستصلني يا سيبرو؟" قالت، وصوتها أصبح أكثر برودة. "لقد خيبت ظني حقاً، أيها الأحمق."
بصق سيبرو دماً خفيفاً، وهو يضع يده على جرحه.
في داخله، كان يفكر بسرعة:
"لم افهم ما الذي فعلت . لماذا سُحقت تلك الزهور؟ ."
لكنه لم يظهر خوفه.
"لقد بدأتِ للتو." قال بصوته الأجش. "لا تستعجلي النهاية."
قفز نحوها.
لكنه لم يركض على الأرض.
قفز إلى الجدار، وحاول تقليد حركتها. لكنه كان بطيئاً، ثقيلاً، وكأن جسده ليس مصنوعاً لهذا النوع من الحركة.
ضحكت آلما.
"أنت مضحك يا سيبرو."
ثم قفزت إليه.
لم يعد أمام سيبرو وقت للتفكير. كسر أنبوبين في نفس الوقت.
أيادي الاختناق. صقيع الاختناق.
انفجر اللون الأخضر على شكل أيادٍ شبحية ضخمة، مسكت رقبتها قبل أن تصل إليه. وفي نفس الوقت، نزل الضباب الأزرق من السقف، جمد الهواء حولها، وبدأت ذراته تدخل رئتيها.
لكن فجأة، سقطت الأيادي على الأرض، ممزقة، كأن قوة مجهولة سحقتها.
وسقط الضباب الأزرق، كأنه يمتص بواسطة شيء غير مرئي.
وسيفها اخترق كتفه مجدداً.
في نفس المكان.
غرز!
تألم سيبرو أكثر، لكنه لم يصرخ. بدلاً من ذلك، كسر أنبوباً شفافاً كان يخفيه في يده الأخرى.
اختراق المشاعر.
انفجرت الرائحة الشفافة، عديمة اللون، لكنها كانت هناك. اخترقت جسد آلما كالسهم غير المرئي.
ارتعشت آلما فجأة، وتراجعت بسرعة، وبدأ الدم يتدفق من أنفها.
وقفت، وهي تمسح الدماء عن وجهها، وعيناه تتسعان.
"ما... ما الذي حدث؟" همست. "شعرت فجأة... كأن قلبي سيخرج من صدري. خوف... خوف غريب..."
نظرت إلى سيبرو بعينين جديدتين.
"ماذا أطلقت؟"
سيبرو وقف ثابتاً، ويده على جرحه، وصوته هادئ:
"هل تعتقدين حقاً أنني سأجيبك؟"
مسحت آلما الدم عن أنفها، وبدأت تفكر بصوت مرتفع، كمن يحلل لغزاً:
"أنبوبك الأخير لم يطلق رائحة. أطلق شعوراً. فجأة، صرت خائفة، وجسدي بدأ يرتعش."
توقفت لحظة.
"أظن أنني بدأت أفهم مهارتك الغريبة."
وقفت منتصبة، وسيفها ارتفع مجدداً.
"أنت تجسد روائح متعددة."
بدأت تعد على أصابعها:
"الأصفر: سم زهرة قاتلة. الأزرق: صقيع خانق، يدخل ذراته إلى الرئتين ويبدأ في تدميرهما. الأخضر: تجسيد للرائحة الخانقة ."
توقفت، وأشارت إلى نفسها.
"الشفاف: رائحة تخترق المشاعر، وتزرع الخوف ."
ابتسمت ابتسامة باردة.
"الآن، لا أعلم كم من رائحة تستطيع تجسيدها. لكن ما أعلمه..."
نظرت إليه بعينين حادتين.
"أنك لا تستطيع التحكم بمهارتك بشكل جيد، رغم أن مانتك مصقولة."
"هذا هراء." قال سيبرو، لكن صوته كان أقل ثقة.
"لا تنكر." تابعت آلما. "أنت تجسد روائحك على شكل أنابيب من المانا، كغلاف حماية. هذا يعني أنك لا تستطيع التحكم بها مباشرة، وإن لم تصنع هذه الأنابيب..."
توقفت للحظة.
"...قد تقتلك الروائح نفسها."
ضحكت ضحكة قصيرة.
"ومع ذلك، أرى أنك خصم قوي. ليس من السهل التغلب عليك."
نظرت إليه بعينين تقديران.
"رغم كل هذه النقاط الضعف."
غضب سيبرو. شعر بدمه يغلي، وعيناه الفارغتان أصبحتا أكثر حدة.
"أنت تتحدثين كثيراً يا آلما."
لكن قبل أن ترد، ظهر روح طفل من الظلام.
نفس الطفل. . نفس العينين الثقيلتين.
وقف خلف آلما، وسرعته المجنونة كانت كالسهم.
بوم!
لكمة قوية في ظهر آلما، وقذفتها عبر الممر.
لكن سيبرو لم يهتم بها.
كسر أنبوبين شفافين وأنبوباً أزرقاً.
صقيع الاختناق نزل على المكان، وأبطأ حركة آلما. والأنبوبان الشفافان اخترقا مشاعر آلما بالخوف والألم.
و الطفل لم يتوقف.
كان كالآلة، لا يشعر، لا يتأثر، يستمر في الهجوم.
لكمات متتالية، كلها تصطدم بآلما، وترسلها في كل اتجاه.
بوم! بوم! بوم!
سقط آلما على الأرض، وجسدها يتألم، وعيناها تلمعان بغضب مكبوت.
لكن في تلك اللحظة، وقفت .
كانت قد نهضت، ودماء خفيفة على وجهها، وعيناه تحترقان بغضب جديد.
همست في نفسها:
"اخترق مشاعري مرتين. شعرت بألم في كل جسدي، مع خوف شديد. واستنشقت الكثير من الصقيع. هذا خطر. يجب أن أحترس أكثر."
اتجهت نحو سيبرو، لكن الطفل عاد مجدداً.
وقف أمامها، كالحارس الذي لا يموت.
"ما هذا؟!" صرخت آلما. "لقد قتلت هذا الطفل مراراً!"
لكن الطفل كان أسرع.
انطلق نحوها كالصاروخ، والكمات تتدفق منه كالأمطار. آلما صدت بسيفها، وكل ضربة كانت تخترق جلد الطفل دون أن تؤثر فيه. وكأن الألم لا معنى له بالنسبة له. وكأنه آلة صنعت للقتال فقط.
تبادلا العشرات من الضربات في ثوانٍ.
الجدران بدأت تتفجر حولهما.
بوم! بوم! بوم!
رسوم الأطفال على الجدران تمزقت، والجدران نفسها انهارت، والغبار تصاعد كالسحب السوداء.
كانت آلما تتحرك بحرية، تقفز بين الجدران والسقف، وسرعتها مذهلة. لكن الطفل كان أسرع، وأخف، وضرباته موجهة إلى المناطق الحساسة من جسدها.
"يجب أن أنهي هذا القتال!" صرخت آلما.
غرست نصل سيفها في الأرض.
"عدالة الأرض!"
فجأة، بدأ الطفل يُسحب إلى الأسفل، كأن الجاذبية تضاعفت أضعاف. سحقت الأرضية جسده الصغير، وغرست آلما سيفها في رأسه.
غرز!
انتهى.
لكن قبل أن تتنفس، شعرت بشيء خلفها.
كان سيبرو.
وقف خلفها، وأنبوب أحمر بين أصابعه، وعيناه الفارغتان مثبتتان عليها.
"أنا أيضاً أريد إنهاء هذا القتال."
كسر الأنبوب.
لكن آلما كانت أسرع.
رفعت سيفها في الهواء، وموجة الجاذبية انطلقت نحو سيبرو. قفز سيبرو محاولاً الهروب، لكن الجاذبية سحبته إلى الأسفل كالصخرة.
بوم!
ارتطم بالأرض، ولم يعد يستطيع رفع رأسه.
"ما هذا؟!" صرخ، وهو يحاول رفع جسده. "أشعر أن جسدي يُسحب بالكامل!"
وقفت آلما فوقه، تنظر إليه من علو.
"لقد انتهى الأمر يا سيبرو." قالت، وصوتها أصبح بارداً كالثلج. "لا تستطيع التحرك. لقد زدت جاذبيتك إلى ثلاثة أضعاف."
رفعت سيفها فوق رأسه، وعيناه تلمعان بوميض النصر.
"هل لديك أي كلمة أخيرة؟"
لكن وجهها شحب فجأة.
بدأت تسقط على ركبتيها، وتتقيأ دماً.
"ما... ما هذه الرائحة الكريهة؟!" صرخت، وهي تمسك بطنها. "أشعر أنني سأختنق!"
نظرت إلى سيبرو بعينين مذعورتين.
"ماذا فعلت، أيها الأحمق؟!"
"أرجوكِ..." قال سيبرو بصوت ضعيف، وهو يرفع رأسه بصعوبة. "لن أطلعك على شيء."
بدأت آلما تتقيأ كثيراً، والدماء تتدفق من أنفها، وعيناها تمتلئان بالدموع.
"رائحة دماء متخثرة، وجثة ميتة..." فكرت وهي تتقيأ. "يفوحان من جسدي.....
كم من رائحة يستطيع تجسيدها؟ كيف أتخلص من هذه الرائحة؟"
نهضت بصعوبة، وهي تمسح الدم عن وجهها.
"لا خيار لي..."
رفعت سيفها نحو السماء، وعينها تلمعان بضوء أبيض.
"عدالة الأرض والسماء..." همست، وصوتها أصبح أعمق. "احكمي على هذا الجاني."
تحول السيف إلى اللون الأبيض كالثلج.
نظرت إليه آلما، وعبست.
"أبيض؟! أردته أسوداً لكي أقضي عليك..." توقفت، ثم أضافت: "...لكن لا بأس. الأبيض سيكون كافياً."
شعر سيبرو بالخطر. سحب رائحته من جسدها محاولاً تخفيف الهجوم، وبدأ يجمع كل ماناه للدفاع.
"لا أعلم ما الذي تنوي فعله..." همس.
ظهر الطفل خلفه فجأة، وبدأ يهاجمه.
بوم! بوم! بوم!
لكمات متتالية، كلها تصطدم بجسد سيبرو الذي بدأ ينهار.
"ما هذه الروح!" صرخ سيبرو. "لا تموت أبداً! ليس وقتك الآن!"
لكن آلما كانت قد غرست سيفها في الأرض.
"روح الطفل متعلقة بهذا المكان." قالت، وصوتها أصبح كالقاضي. "حتى لو قتلناها ألف مرة، ستعود. تدمير القسم هو الحل الوحيد."
سُحب سيبرو إلى الأسفل، والجاذبية تضاعفت
لم يستطع التحرك.
"لا تحاول." قالت آلما، وهي تقترب ببطء. "الجاذبية الآن عشرة أضعاف. حان وقت قتلك."
ظهر السيف من تحت سيبرو، واخترق بطنه.
غرز!
خرج السيف من ظهره، والدماء تدفقت كالنافورة.
"مقبرة السيف." همست آلما.
بدأت سيوف بيضاء كثيرة تخرج من الأرض حول سيبرو، كالأشواك الحادة التي تنمو من قلب الظلام. كانت تتجه نحوه بسرعة، وكل واحدة تحمل موتاً محققاً.
لكن في تلك اللحظة، ظهر شيء آخر على يد سيبرو.
أنبوب أسود.
"لا خيار آخر..." همس سيبرو، وعيناه الفارغتان تلمعان بوميض يأس.
وضعه تحت كفه، وبدأ يكسره.
لكن فجأة، ارتفع جدار ضخم من الأرضية، وفرق بينه وبين آلما.
ثم جدار آخر. ثم آخر.
الجدران بدأت تتحرك.
الأرضية، السقف، الممرات، كل شيء بدأ يتحرك بسرعة جنونية.
المستشفى بدأ يعيد تشكيل نفسه.
سُحب سيبرو بعيداً، وتحرر من جاذبية آلما. وقف بصعوبة، ودماؤه تتدفق من بطنه، وعيناه تبحثان عن الفتاة التي اختفت فجأة.
"أشعر أنها ابتعدت..." همس. "ماذا يحدث؟"
المكان قلب رأساً على عقب.
الأقسام بدأت تفتح على بعضها، وتنغلق، وتتحرك كقطع الأحجية العملاقة. الممتحنون بدأوا يقابلون بعضهم فجأة، والأرواح تخرج من كل الاتجاهات.
كان المستشفى يموت ليولد من جديد.
في وسط هذه الفوضى، وقف سيبرو وحيداً، يمسك بطنه الممزق، وينظر إلى الأنبوب الأسود الذي لم يكسر بعد.
"ماذا يفعل بي هذا الاختبار؟" همس بصوت بالكاد مسموع.
لكن لم يجبه أحد.