قبل خمس دقائق من تحرك الجدران

الطابق الحادي عشر قسم العناية المركزة

كان الممر طويلاً، مظلماً، ومغطى بآثار معركة شرسة. الجدران كانت مشققة، والأرضية مغطاة بدماء سوداء، وبقايا أرواح تمزقت كالورق القديم.

في نهاية الممر، جلس ممتحن على الأرض، يستند إلى حائط متهدم.

كان جسده ممزقاً، ثيابه بالكاد تغطي جروحه العميقة. دماؤه كانت تتجمع تحته كبركة صغيرة، وتنفسه كان ثقيلاً، متقطعاً، كمن يكافح ليبقى على قيد الحياة.

"أشعر..." همس بصوت مبحوح، وعيناه تائهتان في الظلام. "أشعر أنني لن أجد هذا الباب أبداً."

تنهد بعمق، وأغمض عينيه للحظة.

لكن فجأة، شعر بشيء.

ضغط هائل، لا يمكن وصفه، كأن جبلاً كاملاً سقط فوقه.

بوم!

سقط الممتحن أرضاً، ووجهه يلامس البلاط البارد. حاول أن يرفع رأسه، لكن جسده لم يستجب. كان كأن كل عظمة في جسده تحولت إلى رصاص.

"م... مستحيل..." همس بصعوبة. "ما هذه الهالة؟!"

أدار رأسه ببطء شديد.

وهناك، على بعد خطوات قليلة، وقف رجل.

لم يكن رجلاً عادياً.

كان ضخماً، أطول من أي إنسان عادي، وجلده رمادي كالرماد، وعيناه تحترقان بلهب أسود. من جسده، كانت تتصاعد هالة سوداء كثيفة، كالدخان المتجسد، تضغط على المكان بثقل لا يطاق.

روح .

كانت قد استيقظت.

بدأ الممتحن يزحف على الأرض، يحاول الهروب، لكن جسده كان كالحديد تحت مطرقة الجاذبية. كل حركة كانت تكلفه جهداً خارقاً.

وصل الروح إليه.

لم يقل كلمة.

رفع يده الضخمة، ووضعها حول رأس الممتحن.

عصر.

طق.

انفجر الرأس كالبطيخة الناضجة، وتناثر الدم و العظام في كل اتجاه.

وقف الروح فوق الجثة، ورفع رأسه نحو السقف.

ثم ابتسم.

ابتسامة لم تكن بشرية.

كانت ابتسامة وحش استيقظ بعد نوم طويل، وجد نفسه في بيت مليء بالفرائس.

"أخيراً..." همس بصوت عميق كالهاوية. "خرجت."

ثم انطلق.

لم يمشِ. بل ركض كالمجنون، وكأن جسده لا يطيع قوانين الفيزياء. كان يكسر الجدران بجسده العاري، ويتحرك بين الأقسام بسرعة لا تصدق، متجهاً نحو الممتحنين الآخرين.

كلما وجد أحداً، كان يقتله.

بيده العارية.

بدون مهارة.

بدون جهد.

مجرد قتل.

غرفة المراقبة

كان باكولا يرتجف.

لم يكن خائفاً فقط. كان جسده كله يهتز كالورقة في العاصفة، وعيناه مثبتتان على الرمز الذي رسمه على الأرض. الرمز كان يتلألأ بضوء أسود، وكأنه يحترق من الداخل.

ثم نهض فجأة.

"سيدة بلاك داون!" صرخ، وصوته مبحوح من الذعر.

التفتت بلاك داون إليه ببطء، وعيناها تضيقان.

"ماذا؟"

"الروح... لقد خرجت عن السيطرة تماماً!"

تجمدت ملامح الجميع.

"راغنا!" أمرت بلاك داون بصوت حاد. "بدّل الشاشة! أريد أن أرى ماذا يحدث!"

هرع راغنا إلى لوحة التحكم، وضغط على الأزرار بسرعة. الشاشات بدأت تتغير، وتظهر مشاهد من أقسام مختلفة.

ثم توقفوا عند مشهد.

مشهد لا يصدق.

الروح كانت تجري كالمجنون، تصطدم بالجدران، وتقتل الممتحنين واحداً تلو الآخر. كل ضربة كانت تقتل، وكل حركة كانت تحطم.

وقف الجميع مذهولين.

"باكولا..." قالت بلاك داون، وصوتها أصبح جليدياً. "كيف حدث هذا؟"

ارتجف باكولا، وبدأ يتكلم بسرعة، وكأنه يبرر نفسه:

"حاولت السيطرة عليه! لكنه أعلى مني مستوى... إنه تقريباً من مستوى S!" توقف للحظة، ثم أضاف: "إنه يمص المانا من جسدي تلقائياً! أظن أنه يمتلك نواة مانا، يخزن ما يمتصه، وينتج بها مانا جديدة. لهذا تفوق عليّ!"

نظر إلى بلاك داون بعينين توسلتين.

"الحل الوحيد هو أن أتوقف عن مهارة الإيقاظ."

"مستحيل." قالت بلاك داون ببرود. "الاختبار لم ينتهِ بعد."

تقدم راغنا خطوة، ونظر إلى باكولا.

"إذا أوقفت مهارتك، هل يختفي؟"

هز باكولا رأسه.

"لا. فقط أوقف المانا المتدفقة مني، وأفصلها عن جميع الأرواح. لكن الأرواح ستبقى حية بالمانا المخزنة... حتى يتم قتلها جميعاً."

نظر راغنا إلى بلاك داون، وعيناه تحترقان بقرار.

"سيدة بلاك داون، هذا هو الحل. بعد ذلك، سيعيد باكولا مهارته بعد أن نقضي على الروح."

لكن باكولا قاطعه:

"هذا مستحيل!" صرخ. "لن أستطيع استعمال مهارتي لأيام بعد أن أوقفها! إنتاج المانا من البداية أمر مرهق للغاية!"

رفعت بلاك داون يدها، وأسكتت الجميع.

ثم قالت بصوتها البارد:

"لا."

نظرت إلى الجميع بعينين حديديتين.

"لا توقف مهارتك. هذا سيسبب ضرراً كبيراً للاختبار."

"لكن سيدة بلاك داون!" صرخ راغنا، وأشار إلى الشاشة. "انظري! إنه يرتكب مجزرة!"

نظرت بلاك داون إلى الشاشة للحظة، ثم التفتت إلى مين.

"مين. هل تستطيعين إيقافه؟ هل تستطيعين سجنه في غرفة؟"

ارتجفت مين، ونظرت إلى المجسد الذهبي أمامها.

"سأحاول... لكنه سيكسر الجدران بسهولة."

توقفت للحظة، ثم أضافت:

"لكن... جاءتني فكرة."

نظر الجميع إليها.

"سأحرك المستشفى بأكمله."

اتسعت عيون الجميع.

"سأدخله في متاهة متحركة. كلما كسر جداراً، سيظهر أمامه جدار آخر. وسأدفع أمامه أقساماً فارغة، لكي لا يجد ممتحنين."

"هذا جنون!" صرخ راغنا. "سوف يختل الاختبار! الأقسام ستنفصل وتتركب مرات عدة، وهذا سيجعل الأمر أصعب على الممتحنين!"

لكن مين ابتسمت ابتسامة خبيثة.

"سأظهر جميع الأبواب."

ساد الصمت.

"هذه ميزة جيدة. سيرون الأبواب، لكن عندما أحرك المستشفى، سيصعب عليهم الوصول إليها. هذا يوازن الصعوبة، ويبقي الاختبار في مستواه."

نظر الجميع إلى بلاك داون.

وقفت بلاك داون، وعيناها تتنقلان بين الشاشة حيث يقتل الروح، وبين مين وباكولا.

كان عليها أن تختار.

ثم، بعد لحظات من الصمت الثقيل، قالت:

"حسناً."

نظرت إلى مين.

"فكرتك أفضل. طبقيها."

ابتسمت مين ابتسامة عريضة، جنونية تقريباً.

"يا سلام!" صرخت، ورفعت يديها فوق المجسد الذهبي. "هذا أمر جنوني! أنا جاهزة!"

بدأت المانا تتدفق منها بطريقة ضخمة، وهالتها غطت الغرفة بأكملها.

"تحكم!"

بدأ المشهد الأسطوري.

الجدران تحركت.

الأرضية تحركت.

السقف تحرك.

كل شيء تحرك.

بدأ المستشفى يعيد تشكيل نفسه بسرعة هائلة، كآلة عملاقة تعيد ترتيب أجزائها. الجدران كانت تنهار وتبنى في نفس الوقت، والممرات كانت تلتوي وتنعطف، والأقسام كانت تفتح وتغلق كفم وحش جائع.

الروح وقفت، ونظرت حولها بدهشة.

ثم ضحك.

"هذا كل ما لديكم؟"

بدأ يكسر الجدران مجدداً.

لكن هذه المرة، كلما كسر جداراً، ظهر جدار آخر خلفه. وكلما تقدم، وجد نفسه في قسم جديد، ممتلئ بممرات لا نهاية لها.

كان المستشفى يقاتل الروح.

لكن الروح كان يقاتل المستشفى.

وبينهما، كان الممتحنون يركضون في حالة من الفوضى، يحاولون البقاء على قيد الحياة.

$$$$$$$$$$$$$

الطابق الثالث قسم الجراحة

كان كل شيء يتحرك.

الجدران تتحرك، الأرضية تتحرك، السقف يتحرك.

وقف سون على جدار متحرك، وروح الأخت بجانبه، كلاهما يقفزان من قسم إلى آخر، محاولين البقاء على أقدامهما.

كان جسد سون منهكاً تماماً.

دماؤه تجف على جلده، وجروحه العميقة لا تزال تنزف، وعيناه تائهتان من التعب والارتباك.

"ما هذا الذي يحدث؟!" صرخ فوق صوت تحرك الجدران. "كل شيء يتحرك! هل زادت المشرفة قانوناً آخر؟!"

لكن قبل أن يحصل على إجابة، تحرك الجدار الذي أمامه.

انزلقت قطعة ضخمة من الخرسانة إلى الأسفل.

ورأى سون ما كان خلفها.

وقف غاندي هناك.

اتسعت عينا سون.

اتسعت عينا غاندي.

ثم ابتسم غاندي ابتسامة عريضة، كالذئب الذي وجد فريسته بعد بحث طويل.

"يا لحظي الجيد." قال بصوت مليء بالسخرية.

"أنت..." همس سون، وقبضتاه تشدتان.

"هذا هو القدر يا سون." قال غاندي، وهو يتقدم خطوة.

"في النهاية، تقابلنا."

توقف، ونظر إلى سون بعينين باردتين.

"سون ريوجي. ابن موريس."

ثم نظر خلف سون، إلى روح الأخت التي كانت واقفة بجانبه.

"أوه... أظنك ضممت صديقاً جديداً."

ضحك ضحكة قصيرة، وأشار إليهما بسخرية.

"لا بأس. ربما إذا واجهتماني أنتما الاثنان معاً، قد تتمكنان من هزيمتي."

$$$$$$$$$$$$$$$

الطابق الثاني قسم العظام

لم يعد القسم قسماً متكاملاً.

بسبب تحرك الجدران، أصبح مجموعة من الأبنية المتحركة، المتداخلة، التي لا تتوقف عن التغيير.

في وسط هذه الفوضى، وقف أليكس.

كان يلهث بشدة، ودماؤه تتساقط من جروحه العميقة. سيفه الفضي كان لا يزال في يده، لكن يده كانت ترتجف.

أمامه، وقف بيتو.

هادئاً، بارداً، وكأنه لم يتعب بعد.

"قدمك اليسرى ومفاصل يدك اليمنى..." قال بيتو، وصوته جافاً كالورق القديم. "لا تستطيع تحريكها. ومع ذلك، تريد أن تكمل."

نظر إلى أليكس بعينين لا تعكسان أي مشاعر.

"هذا أمر لا يصدق."

أليكس نظر إليه بحقد وغضب شديدين، لكنه لم يستطع الرد.

كانت كلمات بيتو صحيحة.

كان جسده ينهار.

لكنه لم يستطع الاستسلام.

$$$$$$$$$$$$

غرفة المراقبة

كانت مين تجهد نفسها.

وجهها شاحب، والعرق يتصبب منها، ويداها ترتجفان فوق المجسد الذهبي.

"سيدة بلاك داون..." قالت بصوت مبحوح. "لا جدوى من هذا."

نظرت إلى الشاشات، حيث كان الروح لا يزال يقتل.

"لقد حاولت حصاره من كل الجهات، لكنني ارتكبت الكثير من الأخطاء. لقد استطاع الوصول إلى أكثر من عشرين ممتحناً وقتلهم."

ارتجفت، وأضافت:

"إنه يندفع بشراهة قاتلة..."

تقدم باكولا خطوة، وعيناه مثبتتان على الشاشة.

"إنها روح قوية جداً..." همس. "أظن أنها تعود لشخص كان قوياً للغاية. لكن لا أعلم كيف وصل إلى هنا، وعلق في هذا المستشفى."

نظر راغنا إلى بلاك داون، وعيناه تحترقان.

"سيدتي... ماذا نفعل؟"

وقفت بلاك داون، وأخذت مظلتها السوداء من الحائط.

"سأتدخل." قالت بصوت حازم. "سأقضي عليه بنفسي."

"لكن!" صرخت مين. "ممنوع على اللجنة التدخل! هذا يعد مساعدة للممتحنين!"

"ليس هناك حل آخر." قالت بلاك داون، وتوجهت نحو الباب.

لكن راغنا وقف أمامها.

"سيدة بلاك داون..." قال بصوت منخفض. "لا تذهبي."

نظر إليها .

"سأذهب أنا."

"لا." قالت بلاك داون. "لقد قررت."

"أرجوكِ سيدتي." قال راغنا، وصوته أصبح أكثر إلحاحاً. "سأذهب أنا. لا يمكنني..."

توقف للحظة، ثم أضاف:

"لا يمكنني أن أترككِ تذهبينِ. ماذا سيقولون عني باقي الفرق؟ أني تركت قائدتي تذهب، و أنا من مستوى S؟ سيقولون أنني ضعيف، وستنتشر الكثير من الإشاعات."

نظر إلى عينيها بصدق.

"أرجوكِ سيدتي."

صمتت بلاك داون للحظة، ثم قالت:

"حسناً، راغنا. سأسمح بذلك."

رفعت إصبعها:

"لكن أرجوك، التزم بما سأقوله."

"بالطبع."

"استخدم فقط نصف قوتك. لا تكثر. لأنه إذا فعلت، سينفجر المستشفى."

نظرت إليه بعينين حادتين.

"وإذا كان الخصم أقوى من نصف قوتك... سأتدخل أنا."

أومأ راغنا.

"أوافق. أنا تحت أمركِ يا سيدتي."

التفتت بلاك داون إلى مين.

"انقلي راغنا إلى الروح."

ابتسمت مين ابتسامة متعبة، وأشارت إلى الباب.

"هيا راغنا... اخرج من الباب وابدأ بالجري إلى الأمام."

لم تنتظر حتى تنهي كلامها. كان راغنا قد اندفع خارج الباب، وبدأ يجري بسرعة لا تصدق.

تحركت الأرضية والجدران من حوله، كأنها تصنع له درجاً إلى الأعلى.

صعد، وصعد، وصعد...

حتى وصل.

وقف أمام الروح .

توقف كل شيء.

الأرضية توقفت عن التحرك. الجدران توقفت عن التحرك. حتى الهواء توقف عن الحركة.

وقفت الروح، ونظرت إلى راغنا بعينين تحترقان بفضول.

"أنت..." قال بصوته العميق. "أنت خصمي."

ابتسم ابتسامة عريضة.

"هذا أمر جيد."

لكن راغنا كان ينظر إليه ببرود قاتل.

يتبع...

2026/08/17 · 31 مشاهدة · 1552 كلمة
Foha
نادي الروايات - 2026