السماء لم تعد سماء.

تحوّلت إلى طبقات من الحديد المتحرك، عشرات—بل مئات الطائرات تشقّ الهواء، محمّلة بمترشحين لا يجمعهم شيء سوى هدف واحد… والجهل بما ينتظرهم.

داخل إحداها، كان الضجيج كثيفًا كالدخان.

أصوات متداخلة، ضحك، صراخ، توتر، ومقاعد بالكاد تكفي هذا العدد.

كل شيء يوحي بأن المكان مؤقت… وأن الهدوء رفاهية غير موجودة هنا.

في الصف الخلفي، جلس سون ريوجي.

بهدوء غريب، فتح كتابه ووضعه أمامه، كأن الفوضى من حوله لا تعنيه.

عيناه تتحركان بين السطور، لكن ذهنه… في مكان آخر.

"أراد توديعي…"

توقفت عينه عن القراءة لثانية.

"يا له من منافق."

قلب الصفحة ببطء.

"يكرهني… أنا متأكد. لا أفهم لماذا يمثل أمام تلك الشمطاء."

زفر بصمت، دون أن يرفع رأسه.

"تبا… مللت."

أصوات الأطفال كانت الأعلى.

ضحكات، جدالات تافهة، حماس أعمى…

لكن خلف هذا الضجيج، كان هناك شيء آخر.

شيء لا يُسمع… بل يُشعَر.

رفع عينيه قليلًا، دون أن يحرّك رأسه.

راقب من حوله بنظرة جانبية حذرة.

"هناك طاقات غريبة…"

بعضهم عاديون، يمكن قراءتهم بسهولة.

لكن آخرين…

"…هؤلاء ليسوا مزحة."

شعور خفيف بالضغط مرّ في صدره، ليس خوفًا… بل تنبيه.

"يجب أن أحذر."

توقفت عينه فجأة.

"أوه… تذكرت."

صورة مرت في ذهنه.، حضور ثقيل، شيء كاد يخنق المكان عندما دخلت.

"بلاك داون…"

شدّ أصابعه على حافة الكتاب دون أن يشعر.

"تلك الحمقاء… حضورها كان عنيفًا."

"خطرة… جدًا."

أغمض عينيه للحظة، كأنه يستعيد الإحساس.

"هكذا يكون أحد من تصنيف S…"

فتح عينيه ببطء.

"غريب…"

نظرة خفيفة، شبه ساخرة، مرت على وجهه.

"أبي من نفس التصنيف… لكني لم أشعر بشيء."

سكون داخلي قصير.

"ربما… لأنني اعتدت عليه."

"عرفت هالته منذ كنت صغيرًا… لم تعد تؤثر."

ثم

توقف.

إحساس مختلف.

ليس عامًا… بل موجّه.

رفع عينيه هذه المرة بالكامل، ببطء محسوب.

شخص كان يحدّق به.

منذ متى…؟ لم يعرف.

لكن النظرة كانت ثابتة… ثقيلة.

"هالته… قوية."

قبل أن يفعل أي شيء، تحرك ذلك الشخص نحوه.

خطوات واثقة، لا تتردد.

توقف أمامه.

"أهلاً، هل لي أن أسألك؟"

سون أغلق كتابه بهدوء، ورفعه قليلًا، ثم قال دون أن يغير نبرته:

"عرّف بنفسك أولًا."

ابتسامة خفيفة ظهرت على وجه الطفل.

"أنا غاندي… أحد الممتحنين هنا."

توقفت عينا سون عند كلمة ممتحن.

لكنه لم يعلّق.

"لقد لفتّ انتباهي منذ أن رأيتك مع السيد موريس…"

انحنى قليلًا، بنظرة فضول صريحة.

"هل أنت قريبه؟"

نظرة سون لم تتغير.

"ولماذا يهمك هذا؟"

غاندي ابتسم أكثر.

"شخص مثل موريس… مشهور عالميًا. طبيعي أن يثير الفضول حول من يحيط به."

صمت قصير.

"أنا… سون إب—"

"ألم تعرفه؟"

صوت آخر قطع الجملة.

التفت الاثنان.

شاب كان يقف على بعد خطوات، ينظر بابتسامة خفيفة.

"إنه ابن السيد موريس. رأيته معه في الأخبار العام الماضي."

اقترب قليلًا، وكأن الأمر مسلٍ بالنسبة له.

"غريب، أليس كذلك؟ شخص مشهور… يدفع ابنه لاجتياز اختبار قد لا يخرج منه حيًا."

الصمت تغيّر.

أصبح أثقل.

غاندي نظر إلى سون مجددًا… لكن هذه المرة، النظرة مختلفة.

أعمق… وأبرد.

"ابنه إذًا…"

ابتسامته اتسعت.

"جيد."

تقدم خطوة.

"يعني أنك ستكون خصمًا جيدًا."

سون عقد حاجبيه قليلًا.

"ماذا تقصد؟"

ضحكة قصيرة خرجت من غاندي.

"أنت ابن شخص قوي…"

توقف، ثم أضاف بنبرة أخف، لكنها أكثر حدة:

"وأنا… أكره الأقوياء."

توقف للحظة، ثم ضحك فجأة.

"لا… ليس كرهًا."

اقترب أكثر، صوته انخفض.

"حاولت تحريف شعوري… لكني لم أستطع."

عيناه ثبتتا على سون.

"كيف تجرؤ… على دخول هذا الاختبار؟"

نبرة سون بقيت ثابتة:

"وما العيب في ذلك؟"

غاندي ضحك، لكن هذه المرة بوضوح استهزاء.

"تسأل عن العيب؟"

انحنى قليلًا، صوته أصبح أكثر خشونة.

"أنت ابن موريس… حتى لو فشلت، ستنجح."

توقّف، ثم أضاف ببطء:

"هذا ما يجعلني أشمئز من أمثالك."

شدّ بيده على الكرسي المجاور، و—

ضربة.

اهتزّ الكرسي بقوة، وارتجف الصوت حولهما.

بعض الرؤوس التفتت… ثم عادت لتتجاهل.

غاندي اقترب من أذن سون، صوته بالكاد يُسمع:

"اسمع…"

"عند النزول من الطائرة… ستقول أنك تستسلم."

صمت.

"وإن لم تفعل…"

توقف لثانية، ثم همس:

"سأقضي عليك."

ابتعد قليلًا، وابتسم.

"هذا وعد… من شخص يعبد المساواة."

"ماذا تفعل؟!"

صوت حاد قطع التوتر.

فتاة اندفعت نحوهما، خطواتها سريعة وخفيفة، شعرها الأبيض يتحرك خلفها، وعلى ظهرها سيف أطول مما ينبغي أن يُحمل بهذه البساطة.

أمسكت بذراع غاندي وسحبته بقوة.

"ابتعد عن الفتى!"

ثم التفتت إلى سون بسرعة، انحنت قليلًا.

"نحن آسفون جدًا، أرجوك اعذره… إنه يفتعل المشاكل في كل مكان."

"آلما، لا تتدخلي." قالها غاندي ببرود.

"بل سأتدخل." شدّت ذراعه أكثر.

"هيا."

حاول المقاومة لثانية… ثم ترك نفسه يُسحب، لكن نظرته لم تغادر سون.

حتى وهو يبتعد.

عاد الضجيج كما كان.

أو ربما لم يتوقف أصلًا.

سون بقي جالسًا.

ثابتًا.

كتابُه ما زال مغلقًا بين يديه.

نظر إلى الأمام بصمت.

"ممتحن…"

ثم أغمض عينيه لثانية.

"يعبد المساواة…"

فتحها ببطء.

جلَس سون ثابتًا، لكن داخله لم يكن كذلك.

"ما به هذا الأحمق…"

عيناه لم تتحركا، لكن تركيزه كان حادًا.

"يفتعل المشاكل دون سبب… لا، ليس هكذا."

"إنه خطر."

مرّت لحظة قصيرة.

"هالته…"

شعر بها بوضوح الآن، بعد أن اقترب.

لم تكن مجرد قوة… بل شيء أثقل، كأنه يضغط على الهواء نفسه.

"أثقل هالة بين الممتحنين في هذه الطائرة."

أغلق عينيه لثانية، يستعيد الإحساس.

"قوي… جدًا."

ثم—

صورة أخرى.

شعر أبيض، سيف طويل، حركة سريعة.

"وتلك الفتاة…"

فتح عينيه ببطء.

"آلما…"

اسمها مرّ في ذهنه بشكل مختلف.

أهدأ.

"اسم جميل…"

لكن الشعور لم يكن كذلك.

"هالتها… غريبة."

"ليست أثقل… لكنها غير مفهومة."

صمت داخلي قصير.

ثم… شيء تغير.

زاوية فمه ارتفعت قليلًا.

"بدأت أتحمس."

شدّ أصابعه على الكتاب دون أن يشعر.

"أريد مواجهتهما."

"أريد أن أعرف… ما نوع مهاراتهما."

تسارعت أفكاره، لكنها لم تكن فوضوية—بل حادة.

"تهديده…"

توقّف.

"أعجبني."

ابتسامة خفيفة، باردة.

"أخيرًا… خصم."

ثم

شيء أعمق، أكثر ظلمة، مرّ في ذهنه دون مقاومة.

"أريد قتله…"

تخيّل للحظة—

صرخة، دم، نهاية بطيئة.

"أغرس سكينًا في قلبه…"

توقّف.

فتح عينيه بالكامل.

الصورة اختفت… لكن الإحساس بقي.

"أهلاً."

الصوت جاء فجأة.

سون التفت بسرعة، جسده تحرك قبل عقله.

"هاا—!" ثم توقف، وزفر بضيق.

"لقد أفزعتني."

الشاب الذي أمامه رفع يديه قليلًا بابتسامة معتذرة.

"آسف، يبدو أنك كنت غارقًا في التفكير."

توقف لحظة، ثم قال:

"بالمناسبة، اسمي آيل."

سون نظر إليه بنظرة حذرة، لم تختفِ تمامًا.

"وماذا تريد أنت أيضًا؟"

توقف جزء من الثانية، ثم أضاف بحدة خفيفة:

"قتلي؟"

آيل ضحك بخفة، يهز رأسه.

"لا، اهدأ. لست هنا لذلك."

اقترب خطوة صغيرة، لكن دون أن يفرض نفسه.

"جئت فقط… لأخفف عنك قليلًا."

أشار برأسه إلى الاتجاه الذي اختفى فيه غاندي.

"لا تأخذ كلامه بجدية. هو فقط… لا يتحمل رؤية أشخاص مثلك."

توقّف، ثم أضاف بنبرة أهدأ:

"يغار. لأنك ابن موريس."

سون أبقى نظرته عليه لثوانٍ… ثم أشاح بوجهه.

"لا يهم."

نبرته عادت باردة.

"لست خائفًا منه."

توقّف، ثم قال وكأنه يغلق الموضوع:

"بل… نسيت أمره أصلًا."

آيل لم يجادله.

"حسنًا… كما تريد."

لكن نظرته أصبحت أكثر جدية قليلًا.

"مع ذلك… هناك شيء يجب أن تعرفه."

سون لم ينظر إليه هذه المرة، لكنه كان يستمع.

"هذه الطائرة…"

توقف لحظة، ثم أكمل:

"ليست عادية."

صمت.

"إنها من أخطر الطائرات."

هذه المرة، التفت سون ببطء.

"كيف؟"

آيل اقترب قليلًا، وخفّض صوته.

"تحمل أربعة ممتحنين…"

نظره تحرك حوله بسرعة، كأنه يتأكد.

"يمكنك القول إنهم… من الأقوى."

توقف.

"ألم تشعر؟"

سون لم يجب فورًا.

ثم قال بهدوء:

"شعرت… منذ أن صعدت."

عيناه ضاقت قليلًا.

"هالاتهم… نية القتل فيها واضحة."

آيل أومأ.

"تمامًا."

أشار برأسه نحو اليمين.

"انظر هناك."

سون حرّك عينيه فقط.

فتى بشعر أخضر، يجلس بهدوء، ملامحه عادية… أكثر من اللازم.

"اسمه سيبرو."

قال آيل بصوت منخفض.

"يُقال إنه صياد الروائح."

توقف لحظة.

"لا أعرف الكثير… لكن المؤكد أنه خبير في السموم."

سون لم يعلّق، لكنه لم يبعد نظره.

"وغاندي… وآلما…"

أكمل آيل.

"أنت رأيت بنفسك."

ثم أشار إلى جهة أخرى.

"وهناك…"

فتى يجلس بجانب النافذة، يضع سماعات، رأسه مائل قليلًا، كأنه منفصل تمامًا عن العالم.

"بيتو."

نبرة آيل انخفضت أكثر.

"غريب الأطوار."

توقف، ثم أضاف:

"حتى الممتحنون يبتعدون عنه."

صمت قصير.

"لا أعرف السبب… لكن هذا بحد ذاته سبب كافٍ للحذر."

عاد الصمت.

سون أعاد نظره إلى الأمام ببطء.

كل تلك الأسماء…

كل تلك الهالات…

مرت في ذهنه كأنها قائمة أهداف.

"شكرًا على المعلومات." قالها أخيرًا.

نبرة صوته هادئة… أكثر من اللازم.

ثم أضاف:

"لكن… لن أحتك بهم."

صمت.

ابتسامة خفيفة، بالكاد تُرى، ظهرت على وجهه.

"…ليس الآن."

بقي جالسًا، نظره ثابت نحو الأمام، لكن ما حوله بدأ يتلاشى تدريجيًا.

"الصوت مزعج…"

"لا… ليس الصوت."

"الناس."

"كثيرون… يتحركون بلا معنى."

"لو اختفى نصفهم الآن… لن يتغير شيء."

صمت قصير.

"بل ربما يصبح المكان أفضل."

"هذا التفكير…"

"يعود مجددًا."

"لم أطلبه."

"لكنه دائمًا هنا."

"غاندي…"

"خطواته كانت مستقرة."

"لا تردد."

"شخص اعتاد على الأذى."

"أو… على إلحاقه."

"ضرب الكرسي دون تردد."

"لم ينظر حوله."

"لم يهتم."

"إما غبي…"

"أو واثق أنه لا أحد سيوقفه."

"الأرجح… الثاني."

"لكن أسلوبه مباشر."

"يهدد بصوت منخفض…"

"ثم يبتسم."

"سيء في الإخفاء."

"جيد في الضغط."

"لو واجهته الآن…"

صمت.

"سأفوز؟"

"لا."

"ليس بعد."

"لكن يمكنني جرحه."

"بعمق كافٍ."

"أين؟"

"الرقبة؟ لا."

"محمي."

"الصدر؟"

"مباشر أكثر من اللازم."

"الجانب."

"تحت الضلع الثالث."

"دخول مائل… ثم سحب."

"سينزف ببطء."

"سيتفاجأ."

"سيحاول الكلام."

"لن أعطيه الوقت."

صمت.

"…"

"لماذا أفكر بهذا الشكل؟"

"لا يهم."

"آلما…"

"سحبته بسهولة."

"لكنه لم يقاوم بجدية."

"إذن…"

"إما أنه يحترمها."

"أو…"

"يخشى إزعاجها."

"سيف على ظهرها."

"ليس للزينة."

"خطواتها خفيفة."

"لكن ثابتة."

"خطيرة."

"لكن ليس مثل غاندي."

"مختلفة."

"لو قاتلتها…"

"لن تندفع."

"ستنتظر."

"وهذا مزعج."

"الانتظار… سلاح الأقوياء."

"سيبرو…"

"لم يتحرك."

"حتى عندما التفت الجميع."

"شخص لا يهتم بالضجيج…"

"يعني أنه معتاد على ما هو أسوأ."

"سموم…"

"إذن القتال ضده… ليس قتالًا."

"خطأ واحد… وينتهي الأمر."

"ممل."

"لكن خطير."

"بيتو…"

صمت أطول.

"الجميع يتجنبه."

"حتى الممتحنون."

"هذا ليس طبيعيًا."

"ليس خوفًا عاديًا."

"هذا… نفور."

"كأن الاقتراب منه فكرة سيئة… حتى دون سبب."

"أريد أن أراه يفتح عينيه."

"ربما…"

"لن يعجبني ما سأجده."

صمت.

"أربعة."

"وكل واحد… مشكلة مختلفة."

"جيد."

"الاختبار لن يكون مملًا."

"أما أنا…"

"ما مستواي؟"

"سؤال غبي."

"لا يهم."

"المهم…"

"كم يمكنني أن أكسرهم… قبل أن يُكسر شيء داخلي؟"

صمت قصير.

"ذلك الإحساس…"

"عاد قبل قليل."

"عندما تخيلت طعن غاندي."

"لم يكن مجرد خيال."

"كان… واضحًا."

"أقرب من اللازم."

"وكأنني… فعلته من قبل."

توقف.

"…هل فعلت؟"

صمت.

"لا أتذكر."

"أو… لا أريد أن أتذكر."

"لكن جسدي… يتذكر."

"الزاوية."

"الضغط."

"الانسحاب."

"كل شيء كان دقيقًا."

"هذا ليس طبيعيًا لطفل."

"ولا يهم."

"في هذا المكان…"

"الطبيعي… يموت أولًا."

صمت.

"قال لي أن أستسلم."

"مضحك."

"لا أستسلم."

"أنا… أُنهي."

"لكن ليس الآن."

"لا داعي للعجلة."

"الفرائس التي تركض…"

"تتعب أسرع."

"والأقوياء…"

"يرتكبون أخطاء عندما يثقون أكثر من اللازم."

صمت.

"سأراقب."

"أتعلم."

"أنتظر."

"ثم…"

"أختار."

"من سيكون الأول اوفففف اضن أنني مجنون ."

نهض سون بهدوء.

لم يلفت الانتباه، لم ينظر حوله، فقط تحرك كما لو أن الأمر عادي.

خطواته كانت خفيفة بين المقاعد، متوازنة، لا استعجال فيها.

"أحتاج أن أتحرك قليلًا…"

"الجلوس طويلًا… مزعج."

مرّ بجانب بعض المترشحين، أصواتهم ما زالت مرتفعة، نفس الفوضى، نفس الضجيج.

لم يتغير شيء.

أو هكذا بدا.

وصل إلى نهاية الممر، حيث الباب المعدني الضيق.

دفعه ببطء.

صرير خافت.

أغلقه خلفه.

الهدوء.

مختلف تمامًا.

مساحة ضيقة، إضاءة باهتة، وصوت الطائرة أصبح مكتومًا، كأنه بعيد.

وقف أمام المغسلة، نظر إلى انعكاسه.

صامت.

"…"

"هادئ."

"أكثر من اللازم."

مد يده، فتح الماء قليلًا.

صوت خفيف انساب في المكان.

نظر إلى يده.

ثم—

"توقيت سيء."

توقف الماء.

ببطء… رفع رأسه.

لم يكن وحده.

انعكاس آخر ظهر خلفه.

واقف.

ثابت.

ينظر إليه مباشرة.

غاندي.

لم يلتفت سون فورًا.

بقي ينظر عبر المرآة.

"دخل… دون صوت."

"لم أشعر به."

صمت.

"سيء."

ثم أدار جسده ببطء.

واجهه.

المسافة بينهما قصيرة.

أقصر مما ينبغي.

غاندي لم يبتسم.

وجهه هذه المرة… خالٍ تمامًا.

"ظننت أنك ستتجاهل كلامي."

صوته منخفض.

هادئ.

لكن أثقل من السابق.

سون لم يرد فورًا.

فقط نظر إليه.

"وأنا ظننت… أنك تكثر الكلام فقط."

صمت.

زاوية فم غاندي تحركت قليلًا.

"لا أحب التكرار."

خطوة للأمام.

المسافة تقلصت أكثر.

"لهذا… جئت أوضح."

سون لم يتحرك.

"توضّح؟"

غاندي اقترب أكثر.

قريب… لدرجة أن صوته لم يعد يحتاج حتى أن يُرفع.

"هذا ليس تحذيرًا."

توقف.

"بل… قرار."

صمت.

الهواء أصبح أثقل.

واضح.

"اضغط الآن…"

"لو هاجم… المسافة مثالية."

"الرقبة مكشوفة."

"لكن—"

توقفت الفكرة.

"لا."

"ليس وحده."

لحظة.

إحساس.

خلفه.

خفيف… لكنه موجود.

"خطأ."

عيون سون لم تتحرك… لكن تركيزه تغيّر.

"كنت أعرف."

"وجوده هنا… غير منطقي وحده."

غاندي لاحظ التغير الطفيف.

ابتسم.

"شعرت بها؟"

لم يجب سون.

لكن نظرته أصبحت أضيق.

غاندي مال قليلًا، صوته انخفض أكثر:

"جيد."

"هذا يعني أنك لست غبيًا."

"تأخرت."

صوت هادئ جاء من الخلف.

أنثوي.

واضح.

انعكس في المكان الضيق كأنه أقرب مما هو عليه.

سون لم يلتفت فورًا.

"خطوتها…"

"لم أسمعها."

"لا اهتزاز."

"لا صوت."

ثم—

استدار.

ببطء.

آلما كانت هناك.

واقفة أمام الباب.

تسد الطريق بالكامل.

شعرها الأبيض ساكن، عيناها ثابتتان، والسيف على ظهرها… أقرب مما يجب.

تنظر إليه.

ليس بعدائية.

لكن—

ليست نظرة اعتذار هذه المرة.

صمت.

ثلاثتهم في مساحة ضيقة.

لا مجال للحركة.

لا مجال للهروب.

"مكان مناسب."

قالها غاندي بهدوء.

"لا أحد سيزعجنا."

سون لم يرد.

عيناه تحركتا بينهما.

"اثنان."

"مساحة مغلقة."

"خطأ."

لكن—

زاوية فمه ارتفعت قليلًا.

"أخيرًا…"

غاندي لاحظ.

ابتسم.

"ما المضحك؟"

صمت قصير.

ثم—

صوت سون خرج هادئًا… أكثر من اللازم:

"كنت أظن… أنني سأضطر للبحث عنكما."

توقفت اللحظة.

آلما ضيّقت عينيها قليلًا.

غاندي… سكت.

لثانية.

ثم—

ابتسم.

ببطء.

"أنت…"

توقف.

"أكثر إثارة للاهتمام مما توقعت."

الصمت عاد.

لكن هذه المرة…

أثقل.

سون لم يتحرك.

لكن داخل عينيه…

شيء تغيّر.

هدوءه لم يعد فقط برودًا.

بل—

ترقّب.

"الآن…"

"لا مجال للتراجع."

غاندي أخذ نفسًا خفيفًا.

"آخر فرصة."

آلما لم تتكلم.

لكن يدها…

اقتربت قليلًا من مقبض سيفها.

سون نظر إليهما.

ثم—

أغلق عينيه لثانية.

"جيد."

فتحها.

"ابدؤوا."

2026/03/19 · 129 مشاهدة · 2193 كلمة
Foha
نادي الروايات - 2026