كانت الطائرة تئن كجسد يلفظ أنفاسه الأخيرة.
اهتزازها لم يعد مجرد اضطراب جوي، بل تحول إلى رعشة هستيرية تعصف بالهيكل المعدني، كل صفيحة تصرخ تحت الضغط. أجهزة الإنذار أطلقت صرخاتها الحادة المتقطعة، وكأنها تنبض بقلب خائف. تصاعد الدخان من مؤخرة المقصورة برائحة البلاستيك المحترق والوقود، وانتشرت فجوة من الذعر بين الركاب الصغار.
في دورة المياه الضيقة، حيث كان الثلاثة قد حبسوا أنفسهم في مواجهة صامتة، توقف كل شيء للحظة.
آلما، كانت تمسك بحافة المغسلة بأصابعها البيضاء. نظرت إلى السقف حيث بدأت لمبة الضوء تومض كعين مذعورة.
غاندي، ابتسم ابتسامته الباردة التي تشبه جرحًا قديمًا. كان يسند ظهره إلى الحائط، ذراعاه متقاطعتان، وكأن الاضطراب من حوله لا يعنيه.
سون، الأكثر هدوءًا بينهم، كان يقف في الزاوية، عيناه لا ترمشان. لا تخوّف، لا هلع. فقط صمت ثقيل كالحجر.
آلما همست:
— ما هذا؟ هل تعطلت الطائرة؟ أعتقد… أعتقد أننا سنسقط.
لم تترك لها صفارات الإنذار فرصة لتكمل. اخترق صوت المضيف من مكبرات الصوت الهشّة، جافًا متقطعًا، يحمل في نبرته شيئًا من الهلع المكبوت:
— الرجاء التوجه إلى الباب الخلفي… سيتم إخلاء الطائرة فورًا بسبب عطل فني… الإخلاء الإجباري… الإخلاء الإجباري…
ابتسم غاندي.
تلك الابتسامة التي عرفها سون جيدًا. ابتسامة من يعرف أنه ربح الجولة دون أن يرفع إصبعًا.
— يا له من حظ، يا سون. الطائرة تعطلت، وأنقذتك مني هذه المرة.
نظر سون إليه. لم يرد. لكن عينيه تحدثتا بوضوح: حظ سيء. كنت أتمنى لو واجهتك.
آلما كانت قد فتحت الباب بالفعل، تندفع إلى الممر دون أن تنتظر أحدًا.
الممر الضيق كان قد تحول إلى فوضى منظمة.
أطفال ، يرتدون حقائب الظهر مثبتة على أكتافهم. لكن ما لفت الانتباه حقًا كان الساعات التي يرتديها كل واحد منهم على معصمه الأيسر. ساعات غريبة الشكل، ذات واجهة سوداء غير عاكسة، وأساور معدنية تبدو أثقل مما ينبغي. لا عقارب فيها، ولا أرقام. مجرد سطح أملس يتوهج أحيانًا بضوء أزرق خافت.
أحد أفراد الطاقم وقف عند المخرج، وجهه شاحب، لكن صوته كان لا يزال متماسكًا:
— هذه الساعات هي دليلكم. لا تخلعوها مهما حدث. سنوجهكم من خلالها. الآن… اقفزوا.
لم يكن هناك وقت للخوف. الأولون قفزوا في الفجوة المفتوحة، وابتلعتهم السماء
قفز سون.
كانت اللحظة التي يصفها من جربها بأنها موت مؤقت. القدم تفقد الأرض، والمعدة تسبق الجسد، والهواء يصبح فجأة صلبًا يصفع الوجه.
لكنه سرعان ما استعاد توازنه. المظلة انفتحت فوقه بخشونة، شدت ذراعيه، ثم استقرت به في هدوء مزعج.
نظر إلى الأسفل.
وكانت الغابة.
امتدت بقدر ما يراه البصر، كبحر أخضر قاتم لا أمواج فيه. أشجارها شاهقة، متشابكة، كأنها أسنان وحش مفتوح الفم. لا أبنية، لا طرق، لا أي أثر للحياة البشرية. فقط ظلال كثيفة تخفي ما تحتها.
ثم رفع بصره إلى السماء.
وتجمد الدم في عروقه.
السماء تمطر أطفالاً.
أربعة آلاف طفل. مظلاتهم البيضاء والرمادية تملأ الأفق، تتمايل في الصمت كأسراب طيور مهاجرة لكنها لا تشبه الطيور. كانت ثقيلة، مترددة، تسقط في بطء مرعب.
همس سون لنفسه:
— كل المختبرين… من كل الطائرات… جميعهم يقفزون في الوقت نفسه؟!
عقله بدأ يعمل كآلة حاسبة باردة. لا يمكن أن تعطلت كل الطائرات دفعة واحدة. هذا ليس عطلاً. هذا…
— كمين.
لم يكد ي
نطقها حتى جاءت الرصاصة الأولى.
بوم.
لم يرَ مصدرها. لكنه رأى هدفها.
على بعد خمسين مترًا منه، طفل صغير لا يمكن أن يزيد عمره عن اثني عشر عامًا كان مظلته لا تزال منتفخة بالكامل. الرصاصة اخترقت ظهره من الخلف، وخرجت من صدره في دفقة حمراء رأها سون بوضوح مروع .
المظلة تهاوت فوقه ككفن أبيض.
سون فتح فمه ليقول شيئًا، لكن الكلمات ماتت في حلقه.
ثم جاءت الثانية. والثالثة. والعاشرة.
طاق. طاق. طاق.
الرصاص يتوالى من الأسفل، من عمق الغابة. طلقات متقاربة، دقيقة، كأنها تصدر عن قناصين مدربين. كانت تختار أهدافها ببرود: الأطفال الذين بقيت مظلاتهم مفتوحة، الذين كانوا يهبطون ببطء، والذين كانوا أسهل الأهداف في السماء المكشوفة.
صراخ بدأ يرتفع من كل مكان. صرخات خوف، صرخات ألم، صرخات أطفال يرون أقرانهم يسقطون ميتين قبل أن يصلوا إلى الأرض.
الدماء رسمت خطوطًا حمراء في الهواء، قبل أن تتساقط على قمم الأشجار كأمطار غريبة.
في الجانب الآخر من السماء، كانت آلما وغاندي يتساقطان جنبًا إلى جنب.
غاندي كان قد لاحظ ما يحدث قبل الآخرين. رأى الأنماط، حسب الزوايا، قاس المسافات بعينيه الثاقبتين خلف نظاراته. ثم قال بصوت هادئ مخيف:
— آلما… إنهم يقلصون الأعداد. انظري.
آلما نظرت. رأت جسدًا آخر يسقط. ثم آخر. ثم ثلاثة معًا.
— إنهم يستخدمون المظلات ضدنا ، كلما طال بقاؤنا في الهواء، كلما كنا أهدافًا أسهل. هذه نقطة الضعف التي راهنوا عليها.
آلما حدقت في المظلة فوق رأسها للحظة. ثم نظرت إلى الأرض التي لا تزال بعيدة جدًا، والأشجار التي بدت أكثر كثافة كلما اقتربوا.
ثم ضحكت.
ضحكت بصوت عالٍ، وكأنها في نزهة وليست في ساحة موت.
— إذن… لنتخلص من المظلة. نسقط مباشرة.
غاندي رمقها بنظرة قال فيها كل شيء: هل أنتِ مجنونة؟
— المسافة كبيرة… الأشجار كثيرة… سنموت.
هزت آلما كتفيها. ثم ابتسمت ابتسامة لم يسبق لغاندي أن رآها على وجه إنسان من قبل. ابتسامة فيها شيء من الشجاعة التي لا تعرف الحدود، وشيء من الجنون الذي يصنع الأبطال أو يقتل الحمقى.
— كن شجاعًا، غاندي. هههه… لا تخف.
وفكّت حزام المظلة.
انطلقت كصخرة نحو الأسفل، جسمها الصغير يزداد سرعة كل ثانية، وشعرها الأحمر المشتعل يرفرف خلفها كعلم تحدٍّ.
نظر غاندي إلى السماء حوله. رأى الرصاص لا يتوقف. رأى الأطفال يتساقطون. رأى الموت قادمًا من كل اتجاه.
ثم زمجر بكلمة لم يكن يعرف أنه يملكها:
— ها أنا قادم أيتها الحقيرة.
وفعلها.
من فوق، رأى سون ما حدث.
رأى آلما تسقط بلا مظلة. رأى غاندي يفعل المثل بعد لحظات. رأى بعينيه الباردتين ذلك الجنون الذي قد يكون الفكرة الوحيدة التي تعقل في هذا الموقف.
—مجانين… همس ، لكن… إنهم على حق.
عقله بدأ يحسب الاحتمالات. المظلة تعني البقاء في الهواء لمدة أطول. البقاء في الهواء يعني هدفًا ثابتًا. الهدف الثابت يعني الموت المؤكد.
النزول الحر يعني سرعة، يعني تلافي الرصاص، يعني فرصة.
لكنه يعني أيضًا الموت المحقق إذا أخطأت نقطة الهبوط.
لم يتردد طويلاً.
فك حزام المظلة.
وشعر بالهواء يصفعه كيد غاضبة، والمعدة تتخلى عنه تمامًا، والأرض تندفع نحوه بسرعة جنونية.
حوله، رأى آخرين يفعلون الشيء نفسه. ليس الكثيرين، لكن من كان يملك الجرأة، ومن أدرك أن البقاء في السماء موت محقق. بعضهم صرخ، وبعضهم صمت، وبعضهم أغمض عينيه وترك جسده للجاذبية.
أربعة آلاف طفل يتساقطون من السماء في مشهد لم تشهد له البشرية مثيلاً. بعضهم لا يزال تحت مظلاته العاجزة، يتساقطون كأوراق خريف بطيئة. والبعض الآخر انطلق كالصواريخ البشرية، يتحدون الأرض أن تستقبلهم أو تحطمهم.
والرصاص لا يتوقف.
والرائحة رائحة الدم بدأت تعبث بالهواء، تتخلل الخوف، تسكن في زوايا الرئتين.
وكانت الغابة في الأسفل تفتح فمها الأخضر العتيق، تنتظر.
في تلك اللحظات، لم يكن أحد يعلم من الذي كان يطلق النار من تحت الأشجار.
لم يكن أحد يعلم ما إذا كانت الغابة نفسها هي التي تتنفس الرصاص.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا بكل رعب:
الاختبار لم يكن قد بدأ بعد.
ما يحدث الآن كان مجرد فرز.
سقط سون.
لا يتذكر كم استغرق السقوط. الثواني امتدت كأنها دهور، والرياح صفعت وجهه حتى فقد الإحساس ب
جلده. كانت الأرض تندفع نحوه بسرعة جنونية، والأشجار تكبر في عينيه حتى صارت جدرانًا خضراء شاهقة.
في اللحظة الأخيرة، فعل ما تعلمه في تدريبات لا يتذكر متى تلقاها. استرخى جسده، لف ذراعيه حول رأسه، وترك نفسه للأغصان.
طق طق طق.
الأغصان تكسرت فوقه كأصابع عملاقة تحاول الإمساك به. كل غصن كان يسرق جزءًا من سرعته، وكل ورقة كانت تجلد وجهه. ثم جاءت الضربة الكبرى: ظهره اصطدم بشيء صلب، مبلل، يئن تحت وطأته. كانت الأرض.
لكنها لم تكن أرضًا عادية.
كانت طينًا رطبًا، ممزوجًا بأوراق متعفنة، ورائحة تخمرت فيها قرون من الموت النباتي. سون لم يتحرك للحظة. جسده كله كان يصرخ، لكنه عود نفسه على تجاهل الصراخ.
فتح عينيه.
الظلام.
ليس ظلامًا كاملاً، بل ظلام أخضر. كان الضوء يتسرب من خلال طبقات الأوراق العليا، منقّىً، شاحبًا، كأنه ضوء قاع البحر. كل شيء حوله كان ممزوجًا بدرجات الأخضر والبني: جذوع معرقة بالطحلب، جذور تتفشى على الأرض كأوردة عملاقة، أوراق ميتة تراكمت حتى صارت فراشًا نابضًا تحت جسده.
جلس سون ببطء.
ألم حاد في ضلعه الأيسر جعله يشهق. لمس المكان بأطراف أصابعه، فوجد كدمة كبيرة لكن لم يكن هناك نزيف ظاهر. حرك ذراعيه، ساقيه، رقبته. كل شيء يعمل.
نظر إلى معصمه. الساعة كانت لا تزال هناك، وجهها الأسود يتوهج بضوء أزرق خافت، ينبض كقلب بطيء.
ثم تذكر.
رفع رأسه إلى الأعلى، عبر الفجوات بين الأغصان، رأى بقعة من السماء الرمادية. لم تكن هناك مظلات بعد الآن. لم تكن هناك أصوات رصاص. فقط صمت ثقيل، ثقيل لدرجة أنه يمكن أن يلمسه.
وقف.
وتلفت حوله.
لا أحد.
أدار نفسه في دائرة كاملة. الأشجار من كل جانب، متشابهة، متطابقة تقريبًا، كأنها نسخ مكررة من شجرة واحدة عملاقة امتدت إلى ما لا نهاية. الجذوع العالية التي لا ترى قممها، الجذور التي تتفشى كأصابع تحت قدميه، الرطوبة التي تلتصق بجلده كطبقة ثانية.
لا أثر لأي طفل آخر.
لكنه رأى العشرات يسقطون. رأى المظلات تتفتح. رأى الأجساد تتساقط. كانوا جميعًا في هذه المنطقة، في هذه البقعة نفسها تقريبًا من السماء.
أين هم؟
بدأ سون يتحرك، خطواته حذرة، كل خطوة تترك أثرًا في الطين الرطب. مشى نحو الشمال — أو ما اعتقد أنه الشمال — لعشرين خطوة. ثم ثلاثين. ثم خمسين.
لا أحد.
لا جثث، لا دماء، لا حقائب ظهر ممزقة، لا شيء.
لكن… رأى طفلًا يسقط. رأى الرصاصة تصيبه. رأى الدم.
أين الجثة؟
توقف سون فجأة.
وقفة منتصبة، كمن شعر بنبض خطر لا تلتقطه الحواس الخمس.
هذا الصمت… لم يكن صمت غابة.
الغابة لا تصمت أبدًا. هناك دائمًا حفيف، صرير، خرير ماء، حركة حيوانات. لكن هنا… كان الصمت مطبقًا. كأن كل شيء يمسك أنفاسه.
سون رفع يده ونظر إلى الساعة مرة أخرى. الضوء الأزرق كان لا يزال ينبض. لم يتغير.
ثم قال بصوت منخفض، يكاد يكون همسًا لنفسه:
— هل… بدأ الاختبار؟
صوته بدا غريبًا في هذا المكان. مبتلعًا، ميتًا قبل أن يقطع مسافة ذراع.
بدأ يمشي مرة أخرى. لكن هذه المرة، كان عقله يعمل بسرعة أكبر.
أربعة آلاف طفل. كلهم قفزوا من الطائرات في وقت واحد. رصاص من الغابة يستهدفهم. ثم… يختفون؟ يختفي الجميع؟
هذا لا يمكن أن يكون عشوائيًا.
هذا مصمم.
توقف مرة أخرى عندما رأى شيئًا على الأرض. انحنى ببطء، عيناه لا ترمشان.
كان حذاءً.
حذاء رياضي، مقاس صغير، ربما لطفل في الحادية عشرة. كان ملقى على جانبه، مغطى بطبقة رقيقة من الطحالب، وكأنه كان هنا منذ أيام. لكن سون كان يعرف أنه لم يمضِ على سقوطهم سوى دقائق.
لمس الحذاء بطرف إصبعه. كان رطبًا، باردًا. نظف الطحالب عن جانبه، فرأى رقمًا مطبوعًا على الكعب: 0374.
رقم مختبر.
هذا الحذاء لطفل من بينهم. لكن أين صاحبه؟
وقف سون ونظر حوله. لم تكن هناك آثار خطى تؤدي إلى الحذاء أو بعيدًا عنه. كأن الحذاء سقط من السماء وحدها.
هذا غير منطقي ، همس.
قلبه بدأ ينبض أسرع قليلاً. ليس خوفًا، بل تركيزًا. عندما لا تجد المنطق، فهذا يعني أن القواعد التي تعرفها لا تنطبق هنا. وهذا يعني أنك في خطر لا تفهمه بعد.
مد يده إلى جيبه، بحثًا عن أي شيء. لم يكن معه شيء سوى ملابسه وحقيبة الظهر التي تخلص منها في الهواء. والساعة.
الساعة.
نظر إليها مرة أخرى. الضوء الأزرق كان ينبض بإيقاع ثابت. لكنه لاحظ الآن شيئًا لم يلحظه من قبل: على حافة الساعة، كان هناك خط رفيع جدًا، لونه أسود على أسود، يكاد لا يُرى. وكان ذلك الخط يتحرك.
ببطء شديد، كان يلتف حول الساعة كما لو كان عقربًا لدقائق.
ساعة تقيس الوقت؟ لكن الوقت ليس هو ما يهم هنا.
ربما تقيس شيئًا آخر.
ربما تقيس مدة الاختبار.
لكن ما هو الاختبار؟ ومن الذي وضعه؟ وما المطلوب منه؟
وقف سون في قلب الغابة الصامتة، والضباب الخفيف بدأ يتصاعد من الأرض الباردة. كان وجهه لا يزال هادئًا، لكن عينيه كانتا تبحثان في كل زاوية، في كل فجوة بين الأشجار، في كل ظل.
لم يكن يرى أحدًا.
لكنه كان يعرف أنه ليس وحيدًا.
شيء ما كان يراقبه. شيء ما كان يقرأ تحركاته، يحسب خطواته، يسجل كل شيء.
الساعة كانت تنبض بالضوء الأزرق.
الغابة كانت صامتة.
والاختبار مهما كان كان قد بدأ بالفعل.
بعد لحظات، وجد سون نفسه واقفًا أمام شجرة اختلفت عن غيرها.
جذعها كان أعرض من البقية بثلاث مرات، وجذورها تتفشى على سطح الأرض كأذرع عملاقة. لكن ما لفت نظره كان شيئًا آخر: على لحائها، نقش خفيف، ليس طبيعيًا.
اقترب أكثر، مرر أصابعه على النقش. كانت حروفًا، لكنها ليست بلغة يعرفها. متعرجات ودوائر، ونقطة في الوسط. بدا وكأنه علامة أو رمز.
خلفه، سمع حفيفًا.
استدار بسرعة، قلبه قفز إلى حلقه، لكنه أبقى جسده ثابتًا.
لا شيء.
مجرد ورق ميت تحركه نسمة هواء.
نسمة هواء؟ في هذا الصمت المطلق؟
سون أدار رأسه ببطء، عيناه تمسحان المكان. ثم رفع بصره إلى الأعلى، عبر طبقات الأغصان.
ورأى شيئًا جمد الدم في عروقه.
على غصن عالٍ، فوقه بحوالي عشرة أمتار، كان هناك شكل. ليس غصنًا متشعبًا، وليس ظلًا عاديًا. كان شكلًا بشريًا، جالسًا في وضع القرفصاء، يحدق فيه.
لم يتحرك الشكل.
لم يرمش.
لم يتنفس.
سون لم يرفع عينيه عنه. انتظر. ثانية. ثانيتين. عشر ثوانٍ.
ثم أغمض عينيه للحظة، وعندما فتحهما، كان الغصن فارغًا.
لا شيء هناك.
لكن الأغصان كانت تهتز قليلًا، في مكان ما فوقه، كأن شيئًا ما قفز للتو إلى شجرة مجاورة.
صرير خفيف جدًا، لو كان الصمت أقل، لما سمعه.
سون لم يركض.
لم يصرخ.
لم يفعل أي شيء قد يفعله طفل خائف.
بدلًا من ذلك، جلس على الأرض. جلس القرفصاء مثل ذلك الشكل الذي رآه للحظة. أغمض عينيه. وبدأ يتنفس ببطء، بعدد معين: شهيق لأربع ثوانٍ، حبس لأربع، زفير لأربع.
كان يعيد ترتيب أفكاره.
الأول: أنا لست وحدي. الثاني: هناك من يراقبني. الثالث: الاختبار بدأ بالفعل، وأنا لا أعرف قواعده.
الرابع: الساعة. الساعة هي المفتاح.
فتح عينيه ونظر إلى معصمه. الضوء الأزرق كان لا يزال ينبض. لكن الخط الأسود الرفيع كان قد تحرك قليلًا. فقط قليلًا.
ثم سمع صوتًا.
لم يكن من فوقه. لم يكن من خلفه. كان من أمامه، ومن تحت الأرض في نفس الوقت.
صوت ناعم، مبحوح، كأنه قادم من جوف الشجرة العريضة:
"الطفل رقم 0012. سون. الوقت المتبقي: اثنتان وأربعون دقيقة وسبع عشرة ثانية."
توقف الصوت.
ثم عاد:
"ابحث عن الناجين. أو مت وحيدًا."
صمت.
سون نهض واقفًا، عيناه مثبتتان على الشجرة. مد يده، لمس اللحاء مرة أخرى. كان دافئًا. دافئًا بشكل غير طبيعي، كأن الدم يجري في عروقه.
انسحب خطوة إلى الخلف.
قال بصوت عالٍ، موجهًا كلماته إلى الشجرة، أو إلى من يراقب، أو إلى نفسه:
— ما هو الاختبار؟ وما معنى "الناجين"؟ ومن الذي يتحدث؟
لم يأتِ جواب.
لكن الساعة بدأت تنبض بسرعة أكبر.
كان الوقت يمضي.
والغابة كانت تنتظر.
بدأ سون يمشي.
لم يكن يعرف إلى أين يتجه. لم تكن هناك شمس تخترق ظلال الغابة، ولم تكن هناك نجوم ترشده. كان الاتجاه الوحيد هو الأمام، بين الجذوع العملاقة التي بدت وكأنها تراقبه بصمت.
خطواته كانت حذرة، لكنها لم تكن مترددة.
في رأسه، كان يعيد تشغيل الكلمات التي سمعها:
"ابحث عن الناجين. أو مت وحيدًا."
ناجين. إذن هناك موتى. لكنه لم يرَ جثة واحدة. لم يرَ دمًا. لم يرَ أي أثر للأطفال الذين سقطوا معه.
أين هم؟ هل نجا أحد؟ أم أن هذه الغابة تبتلع كل شيء؟
أوقفته فجأة حركة على يمينه.
توقف في مكانه، تنفسه أصبح أخف. عيناه تبحثان بين الظلال. ثم رآها.
حية.
لم يكن حجمها طبيعيًا. جسدها كان بسمك ذراع رجل بالغ، وطولها يتجاوز الثلاثة أمتار. جلدها لم يكن أخضر أو بنيًا مثل الثعابين العادية، بل كان أسود لامعًا، كأنه مصقول بالزيت. عيناها كانتا صفراوين، بشقين عموديين، تثبتان عليه دون أن ترمشا.
كانت ملتفة حول جذع شجرة قريبة، رأسها منخفض، لسانها المتشعب يخرج ويدخل ببطء، يقيس الهواء.
سون لم يتحرك.
كان يعرف أن معظم الثعابين لا تهاجم إلا إذا شعرت بالتهديد. إذا بقي هادئًا، إذا لم يجرِ، إذا...
لكن الحية تحركت.
تحركت بسرعة لا تتناسب مع حجمها. انطلقت من الجذع كسهم أسود، فمها مفتوح على مصراعيه، ونابان أبيضان يلمعان بالسم.
تحرك سون غريزيًا.
رفع ذراعه اليمنى، ليس لضربها، بل لاستدعاء ما كان يعتمد عليه دائمًا في المواجهات. تلك القوة التي كانت تنبض في صدره، تلك الطاقة التي كان يوجهها بإرادته لترفع الأجسام، لتخلق حواجز، لتقلب موازين القوى.
لم يأتِ شيء.
لا دفقة طاقة. لا حاجز. لا شيء. فقط ذراع ممدودة وضعيفة.
تغيرت عيناه للحظة. ارتباك سريع، لم يدم أكثر من طرفة عين. لكن الحية لم تنتظر.
تجنبها بسنتمترات.
جسدها الأسود مر بجانب وجهه، واحتك جلده البارد بخده، ورائحة الأرض الرطبة والسم امتزجت في أنفه. هوى بجسده إلى الأرض، تدحرج على الطين الرطب، وسمع صوت ارتطام الحية بشجرة خلفه.
وقف بسرعة.
لكن الحية كانت أسرع.
انقضت مرة أخرى، وهذه المرة لم يكن لديه وقت للمراوغة. ضربها بقبضته على رأسها أثناء انقضاضها. شعر بصلابة عظامها تحت أصابعه، وارتطام جسدها الثقيل بذراعه.
لدغته؟ لا. لكن جسدها التف حول ذراعه بسرعة مدهشة.
شعر سون بالضغط. العضلات القوية للحية بدأت تعصر ذراعه كأنها كابل فولاذي. كل ثانية كان الضغط يزداد. رفع يده الأخرى، أمسك برأس الحية خلف فكها مباشرة، حيث لا تستطيع أن تعض. كان يعرف هذا من قراءاته. أمسكها بقوة، أظافره تغوص في جلدها القاسي، وهو يحاول فك التفافها عن ذراعه.
لكنها كانت قوية. أقوى مما ينبغي.
كلما حاول سحبها، كانت تزداد إحكامًا. ذراعه بدأت تخدر، والعظام تصدر صريرًا خفيفًا تحت الضغط.
هذا ليس ثعبانًا عاديًا.
هذا… مصمم.
فكر للحظة في صوته الداخلي البارد: القوة لا تعمل هنا. المهارة لا تعمل. أنا وحدي مع جسدي فقط.
هذا أزعجه أكثر من الحية نفسها.
زم أسنانه، شد جسد الحية بقوة، وضرب رأسها بالجذع المجاور. مرة. مرتين. في الثالثة، ارتخت العضلات قليلًا. استغل الفرصة، أدخل أصابعه بين جسدها وذراعه، وفك الالتفاف بجهد عنيف.
ألقى بها بعيدًا عنه.
ارتدت الحية على الأرض، تلويت في ألم، ثم اختفت بين الجذور والأوراق الميتة بسرعة لا تصدق.
وقف سون يلهث.
نظر إلى ذراعه. كانت محمرة، وبعض الأوردة انتفخت تحت الجلد. لكن الجلد لم يتمزق. لم يُلدغ.
رفع عينيه إلى الغابة حوله.
لم تكن الحية قد انقضت عليه بالصدفة.
كانت هناك عيون أخرى تراقب.
لم يمشِ سون أكثر من خمسين خطوة عندما سمع الهدير.
لم يكن هدير نمر أو أسد. كان شيئًا آخر. أعمق، وأكثر خشونة، كأنه قادم من صدر جبل.
توقف.
على بعد عشرين مترًا منه، كان هناك مخلوق لم يره في أي كتاب حيوانات.
بحجم دب ضخم، لكنه ليس دبًا. جسده كان مغطى بقشور رمادية، لا فرو. رأسه عريض، وفكاه السفلي يبرز إلى الأمام، وأسنان طويلة صفراء تتدلى من فمه المغلق جزئيًا. عيناه كانتا صغيرتين، سوداوين، بلا بياض.
كان واقفًا على أربع، ظهره مقوس، وذيل قصير سميك يتحرك ببطء خلفه.
نظر إليه سون.
ونظر إليه المخلوق.
ثم فتح فمه وأطلق هديرًا آخر، هذه المرة أطول، ارتعدت له الأرض تحت قدمي سون.
جسد سون توتر. قبضتاه انكمشتا. تراجع خطوة إلى الخلف.
حاول مجددًا.
تلك القوة في صدره. تلك الطاقة التي كانت دائمًا تستجيب له، تنطلق بإرادته لتدفع، لترفع، لتحمي. حاول أن يوجهها، أن يشعر بها، أن...
لا شيء.
صمت مطلق في داخله. كأن شيئًا ما قد أطفأ النار التي كانت دائمًا مشتعلة في صدره.
أول مرة يشعر بهذا الفراغ.
المخلوق لم ينتظر أكثر.
انقض.
كان سريعًا بشكل لا يتناسب مع حجمه. قفزة واحدة جعلته يغطي المسافة بينهما. مخالبه الأمامية، التي كان يظنها قصيرة، امتدت فجأة، كل مخلب بحجم سكين.
تراجع سون، لكن الأرض الطينية جعلته يفقد توازنه للحظة.
سقط على ظهره، والمخلوق فوقه.
رفع ذراعيه ليتقي. المخالب هوت، وشعر بألم حاد في ساعده الأيسر عندما مزقت المخالب جلده. الدم سال فورًا، غزيرًا، دافئًا.
لكن سون لم يصرخ.
بدلًا من ذلك، رفع رجله، وركل المخلوق في بطنه بكل ما لديه. كانت الركلة قوية، لكنها بدت وكأنها ترتطم بجدار من الفولاذ. المخلوق لم يتراجع، لكنه توقف للحظة، مندهشًا من المقاومة.
استغل سون التوقف. تدحرج إلى الجانب، وقف على قدميه مرة أخرى، ويده اليسرى تلتصق بجرحها.
المخلوق التفت إليه ببطء. عيناه السوداوان كانتا تلمعان بذكاء مخيف.
هذا ليس وحشًا غبيًا. هذا يعرف كيف يصطاد.
فكر سون بسرعة. لا قوة. لا مهارات. فقط جسده.
لكن جسده كان أيضًا سلاحًا.
انتظر. ترك المخلوق يقترب. ترك مخالبه ترفع للهجوم.
وعندما انقض، لم يتراجع هذه المرة.
اندفع نحوه.
انحنى تحت المخالب، شعر بالهواء البارد يمر فوق رأسه، ثم اصطدم بجسد المخلوق بقوة. كان كمن يصطدم بجدار من اللحم والحراشف. لكنه لم يتراجع. لف ذراعيه حول رقبة المخلوق، تشبث بظهره، وبدأ يضرب.
ضرب في مؤخرة الرأس. مرة. مرتين. ثلاثًا.
المخلوق أطلق هديرًا من الألم، بدأ يتقلب بعنف، حاول أن يطرحه أرضًا. سون تمسك بقوة، أصابعه تغوص في القشور، وهو يضرب بيده الأخرى دون توقف.
ضربة. ضربة. ضربة.
لم تعد يده تشعر بشيء. كان يضرب بالعظم، بالدم، بكل ما تبقى.
فجأة، توقف المخلوق.
ترنح جانبًا، ثم سقط على جانبه ببطء، كشجرة تسقط بعد صراع طويل مع الجذور.
جسمه ارتطم بالأرض بارتجاج خفيف، ثم صمت.
سون وقف فوقه، يلهث، يده اليمنى ملطخة بالدماء — دمه ودم المخلوق. جرح ذراعه اليسرى كان ينزف بغزارة، يقطر على الطين الأسفل.
نظر إلى المخلوق.
لم يكن يتحرك. لكن عينيه كانتا لا تزالان مفتوحتين. سوداوين، بلا تعبير، تنظران إلى مكان ما خلف سون.
نظر سون خلفه.
لا شيء.
لكنه شعر بها. تلك العيون. ليست عيون المخلوق. عيون أخرى. من كل مكان. تراقب.
تراجع خطوتين عن الجثة، وعيناه تمسحان الأشجار من حوله.
كان الظلام بين الجذوع يتكاثف. والضباب بدأ يتصاعد من الأرض مجددًا، كأن الغابة تتنفس.
نظر إلى ساعته.
الضوء الأزرق كان لا يزال ينبض. الخط الأسود الرفيع كان قد تحرك أكثر. الوقت يمر.
وكان هناك سؤال واحد يطرق رأسه بلا توقف، يضرب في صدره كالمطرقة:
لماذا لم تعمل قوتي؟
لم يكن يعرف.
لكن الغابة كانت تعرف.
لف سون جرحه بقطعة من قميصه الممزق. لم يكن نظيفًا، لكنه كان أفضل من لا شيء. الدم نزف كثيرًا في البداية، ثم بدأ يتجلط ببطء. كان الألم حادًا، لكنه أدار له ظهره كما كان يفعل دائمًا.
جلس على جذع شجرة ساقطة، وأخذ نفسًا عميقًا.
كان يحاول أن يفهم.
قوته. تلك القدرة التي اكتشفها في نفسه قبل سنوات. التي نمّاها في الخفاء. التي جعلته يشعر أنه مختلف، أنه أقوى، أنه لا يمكن هزيمته.
لم تعمل.
ليس أنها ضعفت. لم تكن موجودة أصلًا. كأن المكان نفسه يمتصها، أو يكتمها، أو… ينكرها.
لكن كيف؟
هز رأسه. هذا ليس وقت التفكير. هناك وقت لاحق لذلك. الآن، كان عليه أن يجد ناجين. أو أن يموت وحيدًا. هذا ما قاله الصوت.
قفز من على الجذع.
لكن ساقه اصطدمت بشيء أثناء النزول. نظر إلى الأسفل.
كان حذاءً.
ليس الحذاء الذي وجده سابقًا. حذاء آخر. هذه المرة، كان لا يزال على قدم صاحبه.
الجثة كانت مستلقية خلف الجذع، مخبأة بشكل شبه متعمد. طفل، لا يزيد عن الثانية عشرة. كانت عيناه مفتوحتين، ووجهه متجهًا إلى الأعلى، وكأنه كان ينظر إلى شيء قبل الموت.
لم يكن هناك دماء كثيرة. لم يكن هناك أثر واضح للقتل. فقط… توقف.
مات.
كيف؟
انحنى سون، نظر إلى جسد الطفل. كان باردًا. لكنه لم يكن صلبًا بعد. مات منذ وقت ليس بالبعيد.
ثم رأى الشيء.
على رقبة الطفل، نقطتان صغيرتان حمراوان. متباعدتان. كأنهما…
الحية.
أغلق سون عينيه للحظة. فتحهما، ورفع بصره إلى الأشجار من حوله.
ربما لم يسقط جميع الأطفال من الرصاص. ربما هذه الغابة تفعل بهم شيئًا آخر.
وقف، ونظر إلى الساعة.
الخط الأسود كان قد تحرك أكثر.
تردد. ثم أخذ قرارًا.
بدأ يمشي باتجاه الشمال — أو ما ظنه شمالًا — لكن هذه المرة، لم يكن يمشي في خط مستقيم. كان يتعرج بين الأشجار، يبحث. عن أي شيء. عن جثة أخرى. عن أثر. عن حذاء. عن أي إشارة.
بعد عشر دقائق من المشي، وجد شيئًا.
على جذع شجرة، كان هناك نقش آخر. مثل الذي رأىه سابقًا. متعرجات ودوائر، ونقطة في الوسط. لكن هذه المرة، كان النقش حديثًا. لم يكن اللحاء قد بدأ بعد في التئام الجرح.
وأسفل النقش، كان هناك شيء آخر.
حرف واحد. مكتوب بخط غير متقن، كأن طفلًا كتبه على عجل:
"أ"
آلما.
ابتسم سون. لم يكن ابتسامته دافئة. بل كانت ابتسامة باردة، كمن وجد الخيط الذي يبحث عنه.
نظر إلى النقش مرة أخرى، ثم إلى الغابة.
قال بصوت منخفض:
— آلما نجت. وإذا نجت هي…
لم يكمل الجملة.
خلفه، سمع تحركًا. خفيفًا، سريعًا. ليس حيوانًا. ليس حية. كان…
خطوات.
خطوات إنسان.
دار ببطء، جسده متوتر، قبضته مشدودة.
من بين الأشجار، خرج ظل.