كان قريبًا، قريبًا جدًا. خطواته لم تصدر صوتًا على الأرض الطينية، لكن سون كان متأكدًا مما سمع. خطوات. تنفس. وجود.
وقف ثابتًا، قبضته مشدودة، وجرح ذراعه اليسرى ينبض بألم حقيقي تحت قطعة القماش الممزقة.
الظل اقترب.
كان طويلًا، أطول من سون بدرجة. لم تكن ملامحه واضحة في الضوء الأخضر الشاحب الذي يتسرب من الأعلى. لكن سون رأى كتفين عريضين، ورأسًا منحنيًا قليلًا، ويَدين تتدليان بجانب الجسد.
تراجع سون خطوة.
— من أنت؟ — سأل، وصوته كان أكثر هدوءًا مما توقع.
الظل لم يرد.
اقترب خطوة أخرى.
سون شد قبضته أكثر. كان جسده متعبًا، ذراعه تؤلمه، ورئتاه لا تزالان تلهثان من قتال المخلوق. لكنه كان مستعدًا.
— قلت من أنت؟ — كرر، هذه المرة بصوت أقسى.
توقف الظل.
على بعد ثلاثة أمتار فقط.
ثم رفع رأسه ببطء.
ورآه سون.
لم يكن هناك وجه.
لا عينين. لا أنف. لا فم. فقط سطح أملس، رمادي، كالمرآة المعتمة، يعكس ما حوله دون أن يكشف شيئًا.
توقف قلب سون للحظة. شعر بتلك الرعشة التي لا تأتي من البرد، بل من شيء أعمق.
الظل بلا وجه رفع يده.
كانت يده طبيعية، بخمسة أصابع، لكنها كانت أيضًا رمادية، بلا تفاصيل، كأنها قفاز فارغ.
مدها نحو سون.
تراجع سون بسرعة، اصطدم ظهره بجذع شجرة. شعر باللحاء البارد يضغط على عموده الفقري. عيناه لم تفارقا ذلك الوجه الأملس.
— لا تقترب — قال، لكن صوته هذه المرة لم يكن حازمًا. كان هناك شيء في صوته… لم يعرفه. هل كان خوفًا؟ سون لا يخاف.
مد اليد أكثر.
مد سون يده اليمنى ليدفع، ليرفع حاجزًا، ليستخدم قوته التي كانت دائمًا تستجيب.
لم يأتِ شيء.
فقط يده الممدودة ترتجف في الهواء.
الظل لمس يده.
كانت لمسة باردة. ليست باردة كالثلج، بل باردة كغياب الحرارة تمامًا. كأنه لمس فراغًا.
وسون صرخ.
لم يكن يريد أن يصرخ. لم يكن يخطط لذلك. لكن الصرخة انفلتت منه، حادة، قصيرة، كمن يفيق من كابوس.
سحب يده بقوة، واندفع جانبًا، وسقط على الأرض، يتدحرج، ثم يقف مجددًا، عيناه تبحثان عن الظل.
الظل كان لا يزال هناك.
لكنه لم يكن يقترب هذه المرة. كان واقفًا في مكانه، رأسه مائل قليلًا، كأنه يتأمل سون.
ثم بدأ يذوب.
نعم، يذوب. كأنه مصنوع من ضباب. حوافه بدأت تتدلى، وتتلاشى، وتختفي في الهواء. الكتفان أولًا، ثم اليدان، ثم الجذع، وأخيرًا الرأس بلا وجه.
في الثواني الأخيرة قبل أن يختفي تمامًا، رأى سون شيئًا على ذلك السطح الأملس.
لم يكن انعكاسًا للغابة.
كان انعكاسًا لوجهه.
لكن الوجه في الانعكاس كان يبتسم
وقف سون يلهث.
جسده كله كان يرتجف. لم يكن يعرف ما إذا كان من البرد، أو من التعب، أو من شيء آخر لا يريد أن يسميه.
أغمض عينيه. تنفس. عد إلى الأربعة: شهيق، حبس، زفير.
فتح عينيه.
الظل لم يعد موجودًا. المكان كان كما كان: أشجار، طين، ضوء أخضر شاحب، صمت ثقيل.
لكن شيئًا كان مختلفًا.
نظر إلى يده اليمنى. تلك التي لمسها الظل. كانت طبيعية. لا أثر عليها. لكنه لا يزال يشعر بتلك البرودة الغريبة في كفه.
ثم نظر إلى ذراعه اليسرى.
توقف.
لم يكن هناك جرح.
رفع ذراعه أمام عينيه، قلبها، نظر إليها من كل الجهات. الجلد كان سليمًا. لا دماء. لا خدوش. لا قطعة قماش ممزقة مربوطة حوله.
لكنه كان متأكدًا. متأكدًا من أنه قاتل الحية. متأكدًا من أن المخالب مزقت جلده. متأكدًا من أنه لف الجرح بقطعة من قميصه.
نظر إلى قميصه.
كان سليمًا. لا تمزق. لا دماء.
لا شيء.
ترنح سون. شعر بدوار مفاجئ، كأن الأرض تتحرك تحت قدميه. وضع يده على جذع الشجرة ليثبت نفسه.
— هذا… — همس — هذا غير ممكن.
رفع عينيه إلى الغابة. إلى الجذع الذي كان خلفه قبل لحظات. إلى المكان الذي سقط فيه المخلوق.
لم يكن هناك مخلوق.
لا جثة. لا دماء. لا أثر للقتال.
كان كل شيء كما كان عندما هبط أول مرة.
قفزت ذاكرته إلى الوراء: الحية السوداء التي انقضت عليه، القتال، التفافها حول ذراعه، رميه بها. جثة الطفل خلف الجذع، النقطتان الحمراوان على رقبته.
ركض سون إلى حيث رأى الجثة.
لا شيء.
لا جثة. لا حذاء. لا نقش "أ" على الشجرة.
لا شيء.
وقف في منتصف فسحة صغيرة بين الأشجار، يدور حول نفسه ببطء، عيناه تمسحان المكان كمجنون.
كل شيء اختفى.
أو… لم يكن موجودًا من الأساس؟
توقف عن الدوران.
وقف ساكنًا. لم يتحرك. لم يتنفس تقريبًا.
في صدره، شيء كان ينهار. ليس جسديًا. شيء آخر. شيء كان يعتقد أنه صلب، أنه لا يمكن كسره.
بدأ يتذكر.
الحية. المخلوق. الجثة. الجرح. الدم. النقش. الظل بلا وجه.
كلها كانت… كيف؟
كانت حقيقية. شعر بالألم. رأى الدم. سمع الهدير. لمس جسد المخلوق.
لكن…
لكن ماذا لو لم تكن حقيقية؟
ماذا لو كان كل هذا… في رأسه؟
شعر بابتسامة. ابتسامة لا يريدها. ترتسم على شفتيه من تلقاء نفسها. ابتسامة طفيفة، مرتعشة، تكاد تكون هستيرية.
همس لنفسه:
— إذا كان الجرح غير موجود… إذا كان المخلوق غير موجود… إذا كان كل ما رأيته منذ هبطت…
توقف.
— …فكيف أعرف أنني هبطت أصلًا؟
نظر إلى ساعته.
الضوء الأزرق كان لا يزال ينبض. الخط الأسود الرفيع كان قد تحرك أكثر. الوقت يمضي.
لكن… هل الساعة حقيقية؟
مد يده الأخرى، لمس الساعة. شعر بملمسها المعدني البارد تحت أصابعه. كان حقيقيًا. بالتأكيد حقيقي.
لكن كيف يتأكد؟ كيف يتأكد من أي شيء في هذا المكان؟
فجأة، سمع صوتًا.
من خلفه. خفيفًا، كحفيف أوراق.
دار بسرعة.
لا شيء.
لكن الأوراق على الأرض كانت تتحرك. دوائر صغيرة، كأن شيئًا ما مشى عليها ثم اختفى.
نظر إلى الأوراق. كانت تتوقف عن الحركة ببطء.
ثم سمعها مرة أخرى.
ليس حفيفًا هذه المرة. كان صوتًا. صوتًا بشريًا.
همسًا.
لا يفهم كلماته. مجرد همس، قريب جدًا، كأنه في أذنه مباشرة.
دار مجددًا.
لا أحد.
الهمس توقف.
ثم عاد. من الجهة الأخرى.
وقف سون في منتصف الفسحة، يدور كالدمية المكسورة، عيناه واسعتان، وتنفسه بدأ يتسارع رغمًا عنه.
قال بصوت عالٍ، وكأنه يطارد شيئًا لا يستطيع رؤيته:
— من هناك؟ أجب!
صمت.
ثم سمع ضحكة.
ضحكة طفل. خفيفة، بعيدة، قادمة من بين الأشجار.
انطلق سون يركض نحوها.
— انتظر! من أنت؟
ركض بين الجذوع، قدماه تنزلقان على الطين الرطب، والأغصان المنخفضة تضرب وجهه. كان يرى فجوات ضوء بين الأشجار، يركض نحوها، يظن أنه يقترب.
توقفت الضحكة.
وقف سون. كان يلهث بشدة. جسده كله يتصبب عرقًا. جرحه — الذي لم يعد موجودًا — كان يؤلمه. كان يؤلمه بشدة.
نظر إلى ذراعه اليسرى.
الآن، كان هناك جرح.
نعم، الجرح عاد. قطعة القماش الممزقة كانت هناك، ملطخة بالدماء. والألم كان حقيقيًا، نابضًا، يصرخ.
توقف عن الركض.
وقف مكانه، ينظر إلى ذراعه، ثم إلى الغابة من حوله.
لا يعرف.
لا يعرف ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي.
لا يعرف إذا كان الجرح موجودًا أم لا. لا يعرف إذا كان المخلوق قتله أم لا. لا يعرف إذا كان الظل لمسه أم لا. لا يعرف إذا كان يركض حاليًا أم أنه لا يزال واقفًا في مكانه.
لا يعرف إذا كان هناك اختبار. لا يعرف إذا كان هناك ناجون. لا يعرف إذا كان الصوت الذي قال "ابحث عن الناجين" حقيقيًا.
لا يعرف إذا كان هو نفسه حقيقيًا.
جلس على الأرض.
جلس القرفصاء على الطين البارد، وأسند ظهره إلى جذع شجرة، وأغمض عينيه.
كان يعرف أن هذا خطأ. أن الجلوس في غابة مجهولة، وإغلاق العينين، هو أحمق ما يفعله المختبرون.
لكنه لم يستطع.
كان عقله يعوي.
كل شيء كان يختلط. الحية. المخلوق. الجثة. الظل. الجرح. الدم. الهمس. الضحكة. النقش. الحذاء.
هل رأى حقًا حذاءً؟ هل كان هناك طفل ميت؟ هل قاتل مخلوقًا بحجم الدب؟ هل سمع صوتًا يأتي من الشجرة؟
أم أن كل هذا… هو الاختبار؟
فتح عينيه.
نظر إلى ساعته.
الضوء الأزرق ينبض.
كان ثابتًا. ثابتًا كالحقيقة الوحيدة في هذا المكان.
أو هكذا أراد أن يصدق.
همس لنفسه، وصوته كان مبحوحًا، غريبًا:
— إذا كان الاختبار… أن لا تصدق عينيك… فكيف تجتازه؟
لم يأتِ جواب.
لكنه سمع شيئًا.
ليس همسًا. ليس ضحكة. ليس حفيفًا.
كان صريرًا. صرير غصن تحت وطأة وزن.
رفع بصره ببطء إلى الأعلى.
على غصن عالٍ، كان هناك ظل.
جالسًا، يحدق فيه.
ليس الظل بلا وجه. هذا الظل كان له وجه.
وجهه.
نفس عينيه. نفس أنفه. نفس شفتيه.
لكن ذلك الوجه كان يبتسم.
ابتسامة عريضة، لا تليق بوجهه. ابتسامة مجنونة، كمن يعرف سرًا لا يعرفه سون.
توقف قلب سون.
لكنه لم يصرخ هذه المرة.
ظل ينظر إلى ذلك الوجه الآخر، إلى ذلك الظل الذي يشبهه، الجالس على الغصن، يحدق فيه بابتسامة لا تنتهي.
وانتظر.
ماذا سيفعل الآن؟
لم يكن يعرف.
لكن الغابة كانت تعرف
نظر سون إلى ذلك الوجه الآخر. وجهه. عيناه، أنفه، شفتاه. لكن الابتسامة لم تكن ابتسامته. كانت ابتسامة شخص آخر ترتدي وجهه كقناع.
انتظر.
لم يجرِ. لم يصرخ. لم يهاجم. انتظر.
لأنه في تلك اللحظة، بين انهيار كل ما يعرفه وارتباك كل ما يراه، كان هناك شيء واحد فقط بدا صحيحًا: إذا كان هذا الظل يريد قتله، لكان قتله منذ لحظات. وإذا كان مجرد هلوسة أخرى، فالهروب منه لا معنى له.
الظل على الغصن تحرك.
لم يختفِ هذه المرة. لم يذوب في الهواء. قفز بخفة، واستقر على الأرض أمام سون على بعد خطوات قليلة.
وقف الاثنان في مواجهة بعضهما.
الظل رفع يده إلى وجهه. أصابعه لامست الجلد، ثم… قشر.
كالقناع، بدأ الوجه يتقشر. لا، ليس يتقشر. يتبدل. ملامح سون تلاشت، وانحسرت، وكأنها ضباب انكشف عن شيء تحتها.
ظهر وجه آخر
ابتسم الرجل. لكن ابتسامته لم تكن مجنونة مثل ابتسامة القناع. كانت ابتسامة متعبة، وكأنه رأى الكثير مما لا يستحق الابتسام.
قال الرجل بصوت هادئ، عميق:
— لم تصرخ هذه المرة. تطور جيد.
سون لم يرد. عيناه تفحصان الرجل من رأسه إلى أخمص قدميه. كان يبحث عن أي علامة تدل على أنه وهم آخر. لكن هذا الرجل كان مختلفًا. كان له وزن. كانت قدماه تغوصان قليلًا في الطين الرطب. كانت هناك رائحة خفيفة تصدر عنه—رائحة دخان ومعادن.
الرجل نظر إلى سون بعينيه الرماديتين، ثم قال:
— اسمي تاي. أنا معلمك. أو بالأحرى، سأكون معلمك إذا نجحت في اجتياز أول فرع من هذا الاختبار.
سون لم يتحرك. قال بصوت بارد:
— لقد تخيلت أشياء كثيرة منذ هبطت. ماذا لو كنتَ أنت أيضًا غير حقيقي؟
تاي نظر إليه للحظة، ثم فعل شيئًا غير متوقع.
رفع يده، وضرب سون على كتفه.
كانت ضربة خفيفة، لكنها حقيقية. شعر سون بثقل اليد، بدفء الجلد، بتأثير الضربة التي جعلته يتراجع خطوة.
تاي قال:
— هل شعرت بها؟
سون أومأ بصمت.
— إذن أنا حقيقي. — قال تاي، ثم أضاف: — لكن هذا لا يعني أن كل ما رأيته كان حقيقيًا. بعضه كان حقيقيًا. بعضه كان في عقلك. والمشكلة أنك لن تستطيع أبدًا أن تعرف الفرق بينهما. وهذا هو الاختبار نفسه.
نظر سون إلى كتفه حيث ضربه تاي. كان لا يزال يشعر بذلك الموضع. ثم رفع عينيه إلى الرجل.
— ما هذا المكان؟ ومن أنت حقًا؟
تاي تنهد. جلس على جذع شجرة قريب، ولوح لسون أن يفعل المثل. تردد سون لحظة، ثم جلس مقابل له، عيناه لا تفارقان الرجل.
بدأ تاي يتكلم، وصوته كان هادئًا، كمن يشرح درسًا لأحد تلاميذه:
— هذه الغابة… ليست غابة حقيقية. إنها مهارة سجن لأحد المشرفين. مهارة تسمى "غابة الوهم". من يُحاصر فيها، يُقذف به في عالم يتشكل من مخاوفه وأفكاره وتوقعاته. كل ما تراه هنا—الحيوانات، المخلوقات، الأصوات، حتى الجروح والدماء—بعضها حقيقي، وبعضها ليس كذلك. الفرق؟ الفرق أنت من يصنعه.
توقف لحظة ليرى إن كان سون يفهم.
سون سأل:
— المشرفين؟ من هم؟
ابتسم تاي ابتسامة جانبية:
— ستعرف لاحقًا. ما يهمك الآن هو أن تعرف: هذا هو الفرع الأول من اختبار له أربعة تفرعات. هدفه بسيط: اختيار المختبرين الذين لا يخرجون عن عقلهم. الذين لا ينهارون تحت وطأة الشك والارتباك. الذين لا يجنون.
سون نظر إلى ساعته. الضوء الأزرق كان لا يزال ينبض.
— كم نجا حتى الآن؟ — سأل.
تاي نظر إليه، ثم قال ببرود:
— من أصل أربعة آلاف طفل سقطوا في هذه الغابة… نجا قرابة ألف و خمسةمائة فقط حتى الآن.
توقف قلب سون للحظة. شعر بثقل الرقم في صدره. أربعة آلاف. ألف و خمسة مائة فقط.
— لكن — تابع تاي — الاختبار لم ينتهِ بعد. هذا مجرد الفرع الأول. هناك ثلاثة فروع أخرى. ولن يجتازها إلا من يمتلك مهارات متكاملة.
نظر تاي إلى سون نظرة مطولة، ثم قال:
— وأنت، يا سون، مثلك مثل كثيرين هنا… ليس لديك مهارات كاملة. إذا بقيت على ما أنت عليه، لن تجتاز فرعين اثنين.
صمت سون للحظة. ثم قال:
— أنت قلت أنك معلمي. ماذا ستعلمني؟
تاي وقف. نظر إلى الغابة من حوله، وكأنه يتأكد من شيء، ثم عاد ليجلس.
— سأعلمك مهارتك. ليس فقط كيف تستخدمها، بل كيف تكملها. كيف تصل بها إلى مرحلة الكمال. لكن لدينا وقت محدود.
سون نظر إلى ساعته. الخط الأسود لا يزال يتحرك.
— كم لدينا من الوقت؟
— أربعة أيام. — قال تاي — الفرع الأول يستمر يومًا واحدًا. الفرع الثاني يومًا آخر. الثالث يومًا. الرابع يومًا. أربعة أيام لأربعة فروع. وأنت لديك أربعة أيام لتتعلم ما لم تتعلمه في سنوات.
أربعة أيام.
سون شعر بضغط غير مألوف في صدره. ليس خوفًا. لكنه قريب منه.
تاي أخرج شيئًا من جيبه. كان حجرًا صغيرًا، أسود، أملس. وضعه على كفه، ونظر إلى سون.
— قبل أن أبدأ بتعليمك، يجب أن تفهم شيئًا أساسيًا. كيف تعمل المهارات في هذا العالم. لأنه بدون هذا الفهم، كل ما سأعلمك إياه سيكون بلا معنى
تاي بدأ يتكلم:
— في هذا العالم، كل إنسان يولد ومعه مهارات. بعضهم يولد بمهارة واحدة، وبعضهم يولد بعدة مهارات. هذه المهارات هي ما تحدد قدراتك، واستراتيجيتك في القتال، ومستقبلك كاملًا.
سون كان يصغي باهتمام. لم يسمع هذا من قبل. لم يشرح له أحد أي شيء عن المهارات. كان يكتشفها بنفسه، يتعلمها بمفرده.
تاي رفع إصبعين:
— نوعان من البشر بحسب المهارات.
الأول: أحادي المهارة.
يولد بمهارة واحدة فقط. لا يمكنه تعلم مهارات جديدة بسهولة. الطريقة الوحيدة لاكتساب مهارة جديدة هي ما نسميه طقس طي الروح. طقس خطير، يؤدي إلى إزالة المهارة الأصلية تمامًا. جسدك يصبح فارغًا. فراغًا تامًا. ومن ينجو من هذا الفراغ—وقليلون من ينجون—يمكنه اكتساب مهارة جديدة. لكن المخاطرة كبيرة. أكثر من لا يعودون.
سون تذكر نفسه. مهارة واحدة. دائمًا كانت واحدة. لم يستطع أبدًا أن يفعل أكثر مما يفعل.
تاي تابع:
الثاني: متعدد المهارات.
يولد بعدة مهارات. أربعة، خمسة، أحيانًا أكثر. يستطيع تعلم مهارات جديدة دون الحاجة إلى طقس طي الروح. هؤلاء هم الأقوى، الأكثر مرونة. وهم…
توقف تاي للحظة، ثم أشار إلى نفسه:
— …مثلي.
سون لم يعلق. كان يحاول استيعاب.
تاي رفع ثلاثة أصابع هذه المرة:
— والمهارات نفسها تنقسم إلى ثلاثة أنواع.
الأول: المهارات العادية.
بسيطة، تقليدية. التحكم بالنار، التحكم بالجليد، القوة العضلية، الشفاء السريع. مفيدة، لكن حدودها واضحة.
الثاني: المهارات النادرة.
معقدة وقوية. مهارة واحدة منها تساوي ثلاث مهارات عادية. أمثلة عليها: تلمس الروح، تجسيد الأشياء، التحكم بالعقل، إنشاء مجالات خاصة. نادرة، وصعبة التطوير.
الثالث: المهارات المتجانسة.
هذه فريدة. تبدو في الظاهر كأنها مهارة واحدة، لكنها في الحقيقة متعددة التأثير. مستخدمها يمكنه استنساخ مهارات الآخرين، أو حتى سرقتها.
توقف تاي، ونظر إلى سون بعينيه الرماديتين:
— وهنا يأتي السؤال الأهم. هل تعرف، يا سون، أي نوع من المهارات تمتلك؟
سون صمت لحظة. ثم قال:
— مهارتي هي التكيف.
تاي أومأ برأسه، كأنه كان يتوقع ذلك.
— أخبرني عنها.
سون جمع أفكاره. كان يتحدث عن مهارته لأول مرة مع أحد:
— عندما أواجه مهارة خصم… أتلقى ضررها. ثم أحللها. أفهم كيف تعمل. وبعد ذلك… أبتكر مهارة جديدة، تكون مجدية ضدها.
تاي حدق فيه طويلًا.
— ابتكار؟ أم تكيف؟
سون فكر.
— تكيف. أبتكر مهارة تناسب الموقف. لكن… ليس بلا حدود.
— ما هي حدودها؟
— لكل مهارة أواجهها، يمكنني ابتكار ثلاث مهارات فقط. لا أكثر. يجب أن أفهم مهارة الخصم بشكل كامل قبل أن أتمكن من ابتكار المهارة المناسبة. وإذا لم أفهمها…
— ماذا؟
— لن أبتكر شيئًا. سأبقى عاجزًا.
تاي أخرج من جيبه قطعة صغيرة من الجلد، وأخذ يكتب عليها شيئًا بقلم صغير. ثم رفع رأسه:
— أنت يا سون… أحادي المهارة. مهارة واحدة، لكنها من أندر الأنواع. مهارتك تدخل تحت تصنيف المهارات المتجانسة. لأنها تمنحك القدرة على استخدام مهارات متعددة—مؤقتًا—رغم أنك تمتلك مهارة واحدة فقط. هذا نادر. جدًا.
سون شعر بشيء في صدره. ليس فخرًا. لكنه كان… تأكيدًا. تأكيدًا أن ما فيه ليس خطأ.
تاي واصل:
— لكن هناك شيء يجب أن تعرفه عن المهارات. تنقسم إلى قسمين:
المهارة المزيفة: يمكن سرقتها أو تعلمها من شخص آخر.
المهارة الجذرية: لا يمكن لأحد سرقتها أو تعلمها. تبقى حصرية لمستخدمها الأصلي.
توقف تاي، ونظر إلى سون بنظرة ثاقبة:
— مهارتك، يا سون، هي جذرية. لا أحد يستطيع أن يأخذها منك. ولا أحد يستطيع أن يتعلمها. هي لك وحدك.
صمت سون. كان يشعر بثقل هذه الكلمات. ليس ثقل مسؤولية فقط. بل ثقل معنى.
تاي وقف. ضوء الغابة كان يتغير، يصبح أغمق قليلًا. الوقت يمضي.
قال تاي بصوت أصبح أكثر جدية:
— الآن… لدينا أربعة أيام. سأعلمك كيف تصل بمهارتك إلى الكمال. لكن الطريق صعب. لأنك لن تتعلم فقط كيف تستخدمها بشكل أفضل. ستتعلم كيف تفهم خصومك قبل أن يضربوك. ستتعلم كيف تقرأ مهاراتهم من مجرد إشارات صغيرة. ستتعلم كيف تبتكر المهارات المضادة في ثوانٍ، لا في دقائق.
وقف سون أيضًا. كان تعبه لا يزال في جسده، لكن عينيه كانتا أكثر صفاءً مما كانتا عليه منذ ساعات.
تاي نظر إليه:
— السؤال الآن… هل أنت مستعد؟
سون نظر إلى ساعته. الضوء الأزرق ينبض. الوقت يمضي.
نظر إلى الغابة من حوله. إلى الأشجار التي كانت قبل قليل عالمًا من الجنون والهلوسة. الآن بدأت تبدو… مختلفة. لم تكن أقل رعبًا. لكنها أصبحت أكثر وضوحًا.
نظر إلى تاي.
— أنا مستعد.
ابتسم تاي. ابتسامته المتعبة.
— حسنًا. لنبدأ ، أريدك أن تحلل عائلتي في ذهنك
تاي اختفى ،
و ظهر على بعد ثلاثة أمتار من سون، ذراعاه متدليتان بجانب جسده، وجهه خالٍ من أي تعبير. لم يفعل شيئًا. لم يرفع يده. لم يتخذ وضعية قتال. لم يتحدث.
لكن سون شعر به.
لم يره. لم يسمعه. شعر به.
كانت هالة ثقيلة، كثيفة، كأن الهواء نفسه تحول إلى ماء زلق يضغط على جسده من كل اتجاه. شعر بها في صدره أولًا: ثقل غريب، كأن يدًا غير مرئية تضع كفها على قلبه وتضغط ببطء. ثم في كتفيه: توتر لا إرادي، كأن عضلاته تتقلص من تلقاء نفسها. ثم في ساقيه: رغبة غريبة في الركوع، في الانحناء، في الاستسلام.
لم يستسلم.
لكن جسده خانقه للحظة. وقف ثابتًا، أسنانه مطبقة، وعيناه مثبتتان على تاي. كان يعرف أن تاي لم يفعل شيئًا بعد. هذا كان مجرد وجوده.
وهذا الوجود كان مرعبًا.
فكر سون في أبيه. في تلك الهالة التي كان يشعر بها كلما دخل الأب الغرفة. تلك الهالة التي كانت تجعل الغرفة كلها تصغر، والهواء ينحسر، وكل من فيها يحبس أنفاسه. كانت هالة أبيه ثقيلة، مسيطرة، كمن يقول: "أنا هنا، ولا أحد فوقي".
لكن هالة تاي كانت مختلفة.
لم تكن هالة من يتسلط. كانت هالة من لا يحتاج أن يتسلط. كأن جبلًا قرر فجأة أن يكون في الغرفة معك. لا يهددك. لا يتحداك. هو فقط موجود. ووجوده كافٍ ليجعلك تشعر بمدى صغرك.
وقفت شعرات ذراعي سون.
تاي لم يتحرك. كان ينظر إليه بهدوء، عيناه الرماديتان لا تعكسان شيئًا. قال بصوته العميق الهادئ:
— أنت واقف. جيد. كثيرون يسقطون على ركبهم في هذه اللحظة.
سون لم يرد. كان يركز على تنفسه. شهيق، حبس، زفير. كان يحاول أن يبقي جسده تحت السيطرة، أن يمنع ركبتيه من الاهتزاز، أن يخفي خوفه.
لكن تاي رأى كل شيء. رأى التوتر في كتفيه، والصلابة المصطنعة في عموده الفقري، والنبض السريع في عنقه. لم يعلق.
قال تاي:
— قبل أن تتعلم كيف تستخدم مهارتك، يجب أن تفهم شيئًا: مهارتك تعتمد على التحليل. والتحليل يحتاج إلى عقل هادئ. وعقل لا يخاف.
رفع تاي يده اليمنى ببطء.
لم يكن هناك وميض. لم يكن هناك صوت. لم يكن هناك أي تأثير مرئي. لكن سون شعر بشيء يتغير. الهالة ازدادت ثقلًا. ليس تدريجيًا، بل دفعة واحدة. كأن الجبل الذي كان في الغرفة قرر أن يقف على صدره.
ركبتا سون ارتجفتا. شعر بعرق بارد يتصبب على ظهره. أسنانه بدأت تصطك رغمًا عنه.
لكنه ظل واقفًا.
تاي أبقى يده مرفوعة لثوانٍ. ثم أنزلها.
اختفى الثقل فجأة. شعر سون جسده كله يرتخي، وكاد يسقط لولا أنه تمسك بجذع شجرة خلفه. كان يلهث، ووجهه شاحب، ويداه ترتجفان.
تاي قال:
— هذا ليس هجومًا. هذا مجرد جزء من وجودي. لو أردت قتلك، لما شعرت بأي شيء. كنت ستختفي قبل أن تدرك أنك مت.
سون نظر إليه. كان يريد أن يقول شيئًا، أن يظهر أنه ليس ضعيفًا، لكنه لم يستطع. كان صوته مخنوقًا، وتنفسه لا يزال غير منتظم.
تاي جلس على الأرض. جلس القرفصاء على الطين الرطب، وكأنه يجلس على عرش. نظر إلى سون من الأسفل، لكن نظرته كانت من الأعلى.
— اجلس. — قال.
تردد سون للحظة، ثم جلس مقابل له. كان لا يزال يرتجف، لكنه بدأ يستعيد السيطرة على نفسه.
تاي انتظر حتى هدأ تنفس سون قليلًا. ثم قال:
— مهارة التكيف. سأخبرك الآن كيف تعمل حقًا. ليس كما اكتشفتها بنفسك. ليس كما ظننت أنها تعمل. سأخبرك كيف تعمل في كمالها.
أخرج تاي من جيبه شيئًا. لم يكن الحجر الأسود هذه المرة. كان شيئًا صغيرًا، مستديرًا، يلمع بضوء خافت. وضعه على الأرض بينهما.
قال:
— أنت عندما تواجه مهارة خصم، تنتظر حتى تتلقى ضررها، ثم تحللها، ثم تبتكر. هذا بطيء. هذا ضعيف. هذا لا يصلح لقتال حقيقي.
رفع عينيه إلى سون:
— في القتال الحقيقي، لن تعطيك الفرصة لتتلقى الضربة أولًا. خصمك سيضربك. وستموت. ولن تبتكر شيئًا.
صمت للحظة، ثم قال:
— التكيف الحقيقي… يبدأ قبل الضربة.
سون رفع حاجبيه.
— كيف؟
— أنت لا تحلل الضربة. أنت تحلل الخصم. حركاته. أنفاسه. نبض عينيه. طريقة وقوفه. زاوية كتفيه. كل إنسان، حتى من يخفي مهارته، يترك آثارًا. خطواته. طريقة تنفسه تحت الضغط. توتر أصابعه قبل أن يهاجم. مهارتك لا تبدأ عندما تضرب. تبدأ عندما تراه.
تاي أشار إلى سون بإصبعه:
— أنت تملك مهارة نادرة. لكنك تستخدمها كآلة. يضربك، ترد. هذا ليس تكيفًا. هذا رد فعل. التكيف هو أن تكون قبل الخصم. أن تعرف ما سيفعله قبل أن يعرفه هو. أن تبتكر المهارة المضادة قبل أن يحتاج إلى استخدام مهارته.
سون كان يصغي. كان يحاول استيعاب. كان هذا مختلفًا تمامًا عما كان يعرفه.
تاي وقف.
— الآن. سأضربك.
نظر سون إليه بعينين اتسعتا للحظة.
— ماذا؟
— سأضربك. ليس بمهارتي. مجرد ضربة جسدية. سريعة. ستحللها. ستقرأها. ستفهمها. وستتجنبها.
سون تردد. ثم وقف أيضًا.
— هذا… ليس ما تفعل به مهارتي. مهارتي تبتكر مهارات مضادة. التجنب ليس…
— التجنب هو أول ابتكار. — قاطع تاي — إذا لم تستطع تجنب ضربة، كيف ستبتكر مهارة ضدها؟ تعلم أن تقرأ. ثم تعلم أن ترد.
تاي رفع يده. ببطء هذه المرة. لم تكن هناك هالة. لم يكن هناك ضغط. مجرد يد مرفوعة.
لكن عينيه تغيرتا.
لم يعد ينظر إلى سون كتلميذ. كان ينظر إليه كهدف.
وشعر سون بذلك. لم يرَ شيئًا. لكنه شعر.
قبل أن يتحرك تاي، قبل أن تنزل يده، شعر سون بشيء. كان… فراغًا. فراغًا صغيرًا في الهواء أمام وجهه. كأن الهواء نفسه كان يعرف ما سيحدث، وبدأ يبتعد قبل الضربة.
تحرك سون.
لم يفكر. لم يخطط. تحرك.
انحنى إلى اليسار، جسده كله استجاب لشيء لم يره بعد.
هوت يد تاي.
مرت بجانب أذن سون بسنتمترات.
سمع صوتها—صوت اليد وهي تشق الهواء—بعد أن كانت قد تجاوزته.
تاي خفض يده. نظر إلى سون. لم يبتسم. لكن عينيه تغيرتا قليلًا.
— رأيتَها؟
سون كان يلهث. قلبه يدق بسرعة. قال:
— لم أرَ شيئًا. لكن… شعرت. شعرت أن شيئًا سيحدث. قبل أن يحدث.
تاي أومأ برأسه.
— هذا هو التكيف. ليس أن ترى. أن تشعر. أن تقرأ. أن تعرف. قبل أن يحدث.
جلس تاي مجددًا. أشار إلى سون ليجلس.
جلس سون. كان لا يزال مرتجفًا قليلًا، لكنه لم يعد من الخوف. كان من الإدراك. كان يبدأ في فهم ما تعنيه هذه المهارة حقًا.
تاي قال:
— ما شعرت به الآن… كان مهارتك. لكنها غير واعية. تعمل من دون أن تأمرها. هذا هو أول مستوى. أنت في هذا المستوى منذ سنوات. تنتظر الخطر، ثم تستجيب.
— المستوى الثاني: أن تتحكم بها. أن تأمرها بأن تقرأ. أن تختار ما تحلل. أن توجّهها.
— المستوى الثالث: أن تبتكر. أن تأمرها بأن تخلق المهارة المضادة. بسرعة. بدقة.
— المستوى الرابع: أن تبتكر قبل الحاجة. أن تكون قد أعددت المهارة المضادة قبل أن يستخدم الخصم مهارته.
— والمستوى الخامس…
توقف تاي. نظر إلى سون نظرة طويلة.
— المستوى الخامس هو الكمال. أن تصبح مهارتك جزءًا منك. ليست أداة تستخدمها. أنت والمهارة شيء واحد. لا تفكر. لا تحلل. فقط تعرف. فقط تفعل. في تلك اللحظة، لا يوجد خصم يمكنه أن يفاجئك. لأنك كنت تعرفه قبل أن يعرف نفسه.
صمت.
سون كان يحدق في الأرض الطينية. كلمات تاي كانت تتراكم في رأسه، ثقيلة، واضحة، مرعبة.
رفع رأسه.
— كم من الوقت سيأخذني للوصول إلى المستوى الخامس؟
تاي نظر إليه. كانت نظرته باردة، واقعية، بلا مجاملة.
— أربعة أيام ليسوا كافين لأي مستوى. لكنهم كافون لتعلم المستوى الثاني. إذا كنت سريعًا. إذا كنت ذكيًا. إذا كنت تستحق.
وقف تاي.
— الآن. سنبدأ من جديد. سأضربك. مائة مرة. كل مرة، ستحاول أن تشعر بالضربة قبل أن تأتي. لن تنجح في البداية. ستتألم. ستسقط. لكنك ستتعلم.
رفع يده.
— استعد.
وقف سون. جسده كان مرهقًا، ذراعه اليسرى لا تزال تؤلمه—أو هكذا كان يعتقد—لكنه شد قبضتيه، وثبت قدميه في الطين.
نظر إلى تاي.
تاي لم يتحرك. كان واقفًا، يده مرفوعة، عيناه الرماديتان ثابتتان عليه.
وشعر سون به مرة أخرى.
لم يكن لدى سون وقت للتفكير أكثر.
هوت يد تاي
الضربة الأولى أصابته في كتفه الأيمن.
لم تكن قوية. لم تكسر عظمًا. لكنها كانت سريعة جدًا لدرجة أن سون لم يرها. شعر بها فقط بعد أن هبطت. ألم حاد، انتشر في ذراعه، جعله يتراجع خطوتين.
— شعرتَ بها قبل أن تأتي؟ — سأل تاي.
سون هز رأسه، وهو يفرك كتفه.
— لا.
— مرة أخرى.
هوت اليد الثانية. هذه المرة، حاول سون التركيز. حاول أن يشعر بذلك الفراغ الذي شعر به في المرة الأولى. لكنه لم يشعر بشيء. الضربة أصابت ضلعه الأيسر. هوى على الأرض، سقط على ركبتيه.
— مرة أخرى.
وقف سون. عض على أسنانه. ركز.
الضربة الثالثة. شعر بها قبل أن تأتي. لكنه تأخر. هربت الضربة من بين أصابعه، وأصابته في بطنه. سقط يتقيأ هواء.
— مرة أخرى.
الرابعة. شعر بها مبكرًا. تحرك. لكنه تحرك في الاتجاه الخطأ. اصطدمت به في ظهره.
— مرة أخرى.
الخامسة. شعر بها. تحرك. كاد يتجنبها. لامسته في حافة كتفه.
— أفضل. مرة أخرى.
السادسة. شعر بها. تحرك. تجنبها.
توقف تاي للحظة. نظر إلى سون.
— لقد تجنبتها.
سون كان يلهث. جسده كله يتألم. قال:
— شعرت بها. قبل أن تتحرك.
تاي أومأ برأسه.
— المستوى الأول يبدأ في الظهور. أنت الآن تشعر بالضربة قبل أن تأتي. لكنك لا تتحكم في ذلك. إنه يحدث لك، أنت لا تفعله.
رفع يده.
— الآن. سننتقل إلى المستوى الثاني. سأضربك. لكن هذه المرة، لن تنتظر أن تشعر. ستبحث. ستقرأ جسدي. ستجد الضربة قبل أن أبدأها.
هوت اليد.
سون لم ينتظر الشعور. نظر إلى تاي. إلى كتفه. إلى عينيه. إلى تنفسه.
رأى شيئًا.
لم يكن شيئًا واضحًا. كان… انزياحًا صغيرًا في كتف تاي الأيمن. جزء من مليمتر. قبل أن تبدأ اليد بالتحرك.
تحرك سون.
هربت الضربة. مرت بجانبه.
ابتسم تاي. لم تكن ابتسامة دافئة. كانت ابتسامة من يعرف أن تلميذه بدأ يفهم.
— جيد. مرة أخرى.
وهكذا بدأ التدريب.
ضربة بعد ضربة. سون يسقط، ينهض، يحلل، يتعلم. كل ضربة كانت تعلمه شيئًا جديدًا. كتف تاي يتحرك قبل يده. عيناه تضيقان قبل الهجوم. تنفسه يحبس للحظة قبل أن يضرب.
كل هذه التفاصيل الصغيرة، التي كان سون يراها ولا يراها، بدأت تتجمع في رأسه. بدأت تصبح نمطًا. بدأ يقرأ تاي ليس كخصم، بل ككتاب.
بعد الضربة الخمسين، كان سون يتجنب نصف الضربات.
بعد الضربة السبعين، كان يتجنب ثلاثة أرباعها.
بعد الضربة التسعين، كان يتجنب كل الضربات تقريبًا.
تاي توقف.
كان سون واقفًا، جسده مغطى بالكدمات والألم، لكن عينيه كانتا مختلفتين. كانتا أكثر صفاءً، أكثر تركيزًا.
تاي نظر إليه طويلًا. ثم قال:
— أنت سريع. أسرع مما توقعت.
لم يقلها كمجاملة. قالها كحقيقة.
جلس تاي على الجذع. أشار إلى سون ليجلس. جلس سون، لكنه لم يرفع عينيه عن تاي. كان لا يزال يقرأه. لا شعوريًا. جسده كان يتعلم.
تاي قال:
— الآن. أنت تعرف كيف تشعر بالهجوم قبل أن يأتي. هذا هو المستوى الأول. وأنت بدأت تتحكم بهذا الشعور، تبحث عنه، توجّهه. هذا هو المستوى الثاني. ما زلت في بدايته، لكنك في طريقه.
نظر تاي إلى السماء—أو إلى ما يشبه السماء من خلال طبقات الأوراق. الضوء كان يتغير. يصبح أغمق.
— اليوم الأول يقترب من نهايته. الفرع الأول من الاختبار لم ينتهِ بعد. الغابة لا تزال تختبرك. ما رأيته اليوم—الحيوانات، المخلوقات، الأصوات، الظلال—كلها ستعود. لكنها الآن لن تكون مجرد وهم. ستمتزج بالحقيقة. وستحتاج إلى ما تعلمته اليوم لتميز بينهما.
نظر تاي إلى سون.
— غدًا، سأعلمك المستوى الثالث. الابتكار. ستتعلم كيف تبتكر مهارات مضادة في ثوانٍ. هذا أصعب بكثير مما تعلمته اليوم.
وقف تاي.
— الآن. الراحة. ستحتاج إلى طاقتك.
سون لم يتحرك. كان جالسًا على الأرض الطينية، جسده منهك، لكن رأسه كان لا يزال يعمل. نظر إلى تاي.
— سؤال.
تاي نظر إليه.
— أنت… قلت أنك متعدد المهارات. كم مهارة لديك؟
تاي صمت للحظة. عيناه الرماديتان لم تغادرا وجه سون.
— هذا ليس وقت هذا السؤال. — قال ببرود.
ثم أدار ظهره، وبدأ يمشي بين الأشجار.
توقف بعد خطوات قليلة، دون أن يلتفت:
— نم. غدًا سيكون أصعب.
ثم اختفى بين الظلال.
بقي سون وحيدًا في الفسحة الصغيرة.
كانت الغابة حوله لا تزال صامتة. لكن الصمت لم يعد ثقيلًا كما كان. أو ربما كان ثقيلًا، لكن سون بدأ يتعلم كيف يحمله.
نظر إلى ساعته. الضوء الأزرق كان لا يزال ينبض. الخط الأسود تحرك أكثر. الوقت يمضي.
استلقى على الأرض الطينية. كان الجو باردًا، والرطوبة تلتصق بجلده، والألم في جسده كان يصرخ.
لكنه أغمض عينيه.
كان يفكر في هالة تاي. في ذلك الوجود الذي لا يُوصف. في المقارنة التي رسمها في رأسه دون أن يقصد.
فكر في كلمات تاي: المستوى الخامس هو الكمال. أن تصبح مهارتك جزءًا منك. أنت والمهارة شيء واحد.
هل وصل تاي إلى هذا المستوى؟ أم أن ما رآه اليوم كان مجرد جزء صغير مما يستطيع؟
لم يعرف.
لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا: غدًا سيتعلم المستوى الثالث.
وأغمض عينيه.