منظمة مارينا تونس
الثامنة صباحاً
كان الضوء يتسلل من خلال الستائر البيضاء، خيطاً دافئاً استقر على وجه سون وهو مستلقٍ على السرير في غرفة المعالجة. الجدران كانت بيضاء، نظيفة، معقمة، ورائحة المطهرات تملأ الهواء كذكرى لمغادرة المستشفى القديم.
لكن سون لم يكن في الغرفة.
كان عقله في مكان آخر.
كان شارداً، تائهًا، يفكر في الأحداث التي مر بها في الاختبار. نهاية الاختبار كانت سريعة جداً، حتى أنه لم يتوقعها. الروح الخارج عن السيطرة، انهيار المستشفى، الخلاص في اللحظة الأخيرة...
كل شيء حدث كالحلم.
لكن كان هناك شيء واحد فقط يشغله الآن.
الكائن الأسود.
رفع سون يديه أمام عينيه، وقلبهما، ونظر إليهما طويلاً. كانتا يدين عاديتين، لا شيء يميزهما. لكنه كان يعرف أن شيئاً تغير بداخله. شيء عميق، لا يُرى، لكنه محسوس.
"ماذا يعني أنه سيأخذ جسدي؟" همس بصوت خافت، وكأنه يخاف أن يسمعه أحد. "هل كان قراري صحيحاً؟"
أغمض عينيه للحظة، وتذكر المشهد. الظلام. الكائن الأسود. يده الممدودة. الشرط.
"إذا رفضت..." فتح عينيه ونظر إلى السقف الأبيض. "كنت سأموت. لم يكن لدي خيار."
جلس على السرير، ووضع قدميه على الأرض الباردة. شعر بالبرد يتسلق ساقيه، لكنه لم يهتم.
"لكن..." توقف للحظة، وعيناه تضيقان. "هل سيتغير جسدي؟ هل سأصبح شخصاً آخر؟"
نظر إلى يديه مجدداً، كما لو كان ينتظر أن تتحول إلى شيء غريب.
"في المقابل..." قال ببطء، وكأنه يحاول إقناع نفسه. "أعطاني قوته. مانا لا نهائية. خلود."
تذكر اللحظة التي شعر فيها بتلك القوة تتدفق في عروقه. كان شعوراً لا يوصف. كأن نهراً من الطاقة يملأ كل خلية في جسده.
"في ذلك الوقت، شعرت بتدفق المانا..." وضع يده على صدره، حيث كان قلبه ينبض. "لكن الآن... أشعر أنني فارغ من الداخل. لا أملك شيئاً."
تنهد بعمق، ونظر إلى الطاولة بجانبه.
كانت هناك شوكة معدنية، ، .
مد يده إليها، وأمسكها ببطء. نظر إليها للحظة، وكأنه يتخذ قراراً.
ثم، وبدون تردد، غرس الشوكة في إصبعه.
"آه..."
أخرجها بسرعة، ونظر إلى الجرح الصغير الذي تركته. كانت قطرة دم صغيرة تتجمع على طرف إصبعه.
انتظر.
ثانية.
ثانيتان.
عشر ثوانٍ.
"لا شيء..." همس، وصوته كان خافتاً. "لم يحدث شيء. الجرح لم يلتئم."
حدق في الدم المتجمع على إصبعه، وكأنه ينتظر معجزة.
"إذاً... ماذا كان يقصد بالخلود؟"
رمى الشوكة على الطاولة بقوة، وأسند رأسه إلى الحائط.
"أظن أنني سأحترق من التفكير." أغمض عينيه، وتنفس بعمق. "أشعر أنني بعت جسدي، وأنني الآن مجرد ضيف فيه. وأن هناك أحداً ما يشاركني إياه."
فتح عينيه ونظر إلى الغرفة من حوله.
كانت الغرفة هادئة، بيضاء، نظيفة. لا شيء يوحي بأن شيئاً قد تغير.
طق. طق. طق.
طرق خفيف على الباب.
رفع سون رأسه ببطء، ونظر إلى الباب .
"تفضل." قال، وصوته كان هادئاً.
فتح الباب، ودخلت فتاة جميلة. كانت ترتدي الزي الأبيض للممرضات، وشعرها البني الطويل منسدلاً على كتفيها. عيناها كانتا زرقاوين، دافئتين، وابتسامتها كانت خفيفة.
"أهلاً وسهلاً سيد سون." قالت بصوت ناعم كالماء. "آمل أن تكون بخير الآن."
نظر إليها سون للحظة، ثم قال:
"شكراً. أنا بخير."
"أرجوك أن تلبس ثيابك." أشارت إلى الخزانة الصغيرة في زاوية الغرفة. "لقد وضعتها لك هناك."
توقفت لحظة، ثم أضافت:
"السيد أكاي، رئيس المنظمة، سيعقد اجتماعاً للممتحنين الذين اجتازوا الاختبار. أرجو أن تجهز نفسك في خمس دقائق."
ابتسمت ابتسامة خفيفة:
"سأنتظرك أمام الباب لأخذك إلى القاعة."
وقف سون ببطء، وقال:
"حسناً. لن أتأخر."
أغلقت الممرضة الباب، وبقي سون واقفاً في منتصف الغرفة.
"ها قد بدأت أتقدم خطوة بخطوة نحو هدفي." همس، ونظرة عينيه أصبحت أكثر حدة. "أخيراً، نجحت في الاختبارات. والآن سأصبح فرداً رسمياً من الفرق."
فتح الخزانة، وأخرج الثياب التي وضعتها له الممرضة. كانت بسيطة، أنيقة، تحمل شعار المنظمة.
"هذا جيد." قال، وبدأ يرتديها بسرعة
دقيقة.
دقيقتان.
ثلاث دقائق.
فتح سون الباب، وكانت الممرضة تنتظره، واقفة بجانب الحائط، ويديها مشبوكتان أمامها.
"أنت سريع جداً يا سيد سون." قالت بابتسامة. "هيا بنا. اتبعني."
"حاضر."
بدأت الممرضة تمشي بخطوات سريعة، أنيقة، وسار سون وراءها. كان يتأمل المكان من حوله بعينين فضوليتين.
المنظمة من الداخل كانت مكتظة. الكثير من المكاتب، وغرف الاجتماعات، ورجال الأعمال. الحركة لا تتوقف أبداً، وكأن المكان كائن حي يتنفس.
"ما كل هذا؟" سأل سون، وهو ينظر إلى رجلين يحملان أكواماً من الأوراق. "إنها حركة بشرية كبيرة."
سمعته الممرضة، والتفتت إليه بابتسامة خفيفة.
"المنظمة عالم حي." قالت، وكأنها تشرح درساً. "إنها تنظم وتدير شؤون كل الفرق."
أشارت إلى المكاتب من حولها:
"هنا الكثير من الأعمال. مهندسون، نظم اعلامية، اقتصاديون، محللون... إلى غيرهم."
توقفت لحظة، ثم تابعت:
"هذا اليوم هو يوم انتهاء الاختبارات. لذا، سيكون العمل أضعاف لكي يُنظم كل شيء."
وقفت فجأة أمام باب ضخم، خشبي، منقوش عليه شعار المنظمة.
"سيد سون..." قالت، وفتحت الباب. "تفضل بالدخول إلى القاعة."
دخل سون ببطء، وعيناه تمسحان المكان.
كانت القاعة كبيرة، واسعة، ذات سقف مرتفع. في منتصفها، كانت هناك منصة ، وأمامها مقاعد مرتبة في صفوف نصف دائرية.
كان الناجحون جالسين بالفعل.
نظر سون إليهم واحداً تلو الآخر، وكأنه يراهم لأول مرة.
"أين آيل؟" همس في نفسه، وعيناه تبحثان عن وجهه المألوف. "هل رسب في الاختبار؟"
لم يجبه أحد.
نظر إلى غاندي، الذي كان ينظر إليه بحقد شديد، وعيناه تحترقان بغضب مكبوت. بجانبه، كانت آلما جالسة، ويدها على ركبتيه، تحاول تهدئته.
نظر سون إلى غاندي، ثم إلى أليكس، الذي كان جالساً في زاوية، وقدماه متقاطعتان، وسيفه الفضي مستند إلى كتفه. كان لا يبالي بما يحدث، لكنه رفع عينيه للحظة ونظر إلى سون. نظرة سريعة، باردة، ثم عاد إلى لا مبالاته.
ثم نظر إلى سيبرو، الذي كان جالساً في الصف الأمامي، وعيناه الفارغتان مثبتتان على المنصة.
"إذاً... نجحوا." همس أليكس.
جلس سون بجانب سيبرو، وألقى عليه نظرة سريعة. كان سيبرو يبدو متعباً، لكنه حي.
"أنت بخير؟" سأل سون بصوت منخفض.
"أنا هنا." قال سيبرو، ونبرته كانت جافة كالعادة. "هذا يكفي."
ابتسم سون ابتسامة خفيفة، ثم أدار وجهه نحو المنصة.
دخل أكاي.
كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة، ويمشي بخطى ثابتة، واثقة.
خلفه، كان هناك ثلاثة رجال آخرين، كلهم يرتدون بدلات سوداء، ووجوههم جادة.
وقف أكاي على المنصة، ونظر إلى الحضور بعينيه الثاقبتين.
وقف الجميع احتراماً له.
أشار بيده للجلوس، وبدأ يتكلم بصوته العميق:
"أرجو أن تكونوا بخير."
"أهنئكم على نجاحكم في الاختبار." توقف لحظة، ونظر إلى وجوههم. "لقد كان اختباراً صعباً جداً. أو بالأحرى، هذا هو أصعب اختبار مر على تاريخ المنظمة."
رفع أصابعه:
"في العادة، ينجح من 200 إلى 400 شخص. لكن هذه المرة، نجح فقط 9."
"وهذا بسبب الكارثة التي حدثت لكم في الاختبار الثاني."
نظر إليهم بعينين جادتين.
"لذا، نعتذر منكم رسمياً على ما حدث."
"سوف تتم معاقبة أعضاء اللجنة. السيدة بلاك داون ستشرف على معاقبة كل من قصر في عمله."
في الصف الأمامي، زمجر غاندي في نفسه:
"كل ما حدث كان جراء تلك بلاك داون. والآن يقولون إنها ستشرف على معاقبة من قصر..." قبضتاه تشددان. "يا له من ظلم."
لكن أكاي تابع:
"أرجو المعذرة. بدأت أتكلم ولم أقدم نفسي، مع أنني قدمت في أول الاختبار."
وقف منتصباً، ووضع يده على صدره:
"أنا أكاي، رئيس المنظمة الإفريقية مارينا."
"كما تعلمون، هذه المنظمة مهمتها القضاء على المجرمين والعصابات والقتلة. أي تطهير العالم من الجريمة."
"في هذا العالم، توجد منظمتان: هذه المنظمة، والمنظمة الأمريكية."
"المنظمة الأمريكية هدفها هو تسيير وتنظيم عالم الجريمة. لأنهم يرون أن قتل العصابات والمجرمين سوف يؤدي إلى تصاعد في الجريمة والحقد."
"لذا، هذه المنظمة تنظم الفساد."
توقف لحظة، ونظر إلى وجوههم المتأملة:
"من الطبيعي أن تروا أن هناك عداوة بين المنظمتين. لكن في الحقيقة، ليس هناك أي عداوة."
"نحن منظمتان منفصلتان عن بعض. ليس لنا علاقة ببعض. لذا، لا يوجد أي التحام أو صدام بيننا."
"يوجد اختلاف آخر: المنظمة الأمريكية ليست مثل منظمتنا. ليس لديهم فرق أو اختبارات. فقط كل شيء يُحسم على الورقة."
هز رأسه قليلاً:
"حسناً... لا يهم."
"سأعود إلى منظمة مارينا."
"أقوى منظمة في العالم، تمتلك توسعاً هائلاً على الكرة الأرضية."
رفع يديه، وبدأ يشرح:
"لدينا 12 فرقة. كل فرقة لها مقر خاص. مثلاً، فرقة ميكا في كوريا. فرقة الذئب الأسود في بريطانيا. وهكذا."
"كل فرقة لها مقر كبير جداً، يترأسها قائد. هذا القائد لديه العديد من الفرق، لكن كلهم تحت اسم الفرقة الأم."
"الفرق تتكون عادةً من أفراد مستوى S، فرق مستوى A، وعشرات الفرق مستوى B، C، وD."
"يعني، القائد يترأس شبكة كاملة في تلك المنطقة."
توقف لحظة، وترك الكلمات تترسب.
"حسناً. سأعود وأفسر هذه المستويات."
"في هرم قوة المنظمة، يكون القادة الـ12 في القمة. ثم يأتي أفراد مستوى S. ثم A. ثم B. ثم C. ثم D."
"عند نجاحكم في الاختبار، نصنفكم من C إلى أعلى. لا نبدأ من D، لأنهم فرق مساعدة. لا يملكون مهارات جيدة أو قوة. فقط يأتون بعد المعركة أو المهمة لتنظيف المكان أو العثور على جرحى."
"بالنسبة للمستويات الأخرى، من C إلى A، كل فرقة منهم تكون موازية. أي يختار القادة أعضاءهم ليكونوا مكملين لبعضهم. معالج، مدافع، مهاجم... وهكذا."
"وعادةً، يكون لكل قائد عشرات من كل نوع من هذه الفرق."
"أما أفراد S، فيكونون معدودين بالأصابع. كل قائد يملك قليلاً من أفراد هذا المستوى. لنقل 7 أو 9 هكذا."
رفع إصبعه:
"أنتم الآن تتساءلون: كيف نعرف المستويات؟"
"سأفسر."
"السيد تاو هو الذي أسس هذا النظام في المنظمة منذ 100 سنة."
"لديه مهارة فريدة: عندما يلمس شخصاً ما، يستطيع قراءة نواة المانا لديه وجسده، ثم يضع التصنيف. إنه يدخل إلى أعماق قدراتك وقوتك."
نظر إليهم بعينين ثاقبتين:
"لا تخافوا. كل ما يقوله عن مستواكم فهو صحيح."
رفع جين يده، وسأل:
"أنت قلت 'منذ 100 سنة'. هل لا يزال حياً؟"
ابتسم أكاي ابتسامة خفيفة:
"نعم. إنه حي، وعمره الآن 129 سنة."
توقف لحظة، ثم أضاف:
"سأضيف شيئاً آخر."
"عندما يلمس شخصاً ما ويقرأ قوته، يبقى ذلك الشخص في سجل السيد تاو. أي أنه يستطيع أن يتنبأ بتطور الشخص في المستقبل بدون لمسه بعد."
"يعني، إذا رأى أي تطور، سيطلع المنظمة بذلك، وسيُبدل المستوى."
نظر إلى وجوههم المتعجبة:
"تعجبتم؟ نعم. إنها قدرة ومهارة جنونية حقاً. سيطرة بمعنى الكلمة."
"إلى جانب هذا، المنظمة تضع قيمة تسويقية للفرد."
"تبدأ هذه القيمة من الاختبارات. فاللجنة تعطيكم إياها بأخذ الاعتبار بمستوى الذي سيقدمه السيد تاو، وتتبدل هذه القيمة بعملكم أنتم."
"إذا كنت قد أكملت المهام بنجاح، أو أظهرت شيئاً إيجابياً أو قوياً، ترتفع القيمة التسويقية لديك. يعني حسب ما ستقدمه مع فرقتك."
رفع جين يده مجدداً:
"وما أهمية هذه القيمة التسويقية؟"
"بيع وشراء." قال أكاي ببساطة. "الفرق العليا الـ12 يشترون من بعضهم أفراداً."
"يعني، أنت تذهب إلى فرقة ميكا وتظهر إمكانيات جيدة. فرقة مانا تراك جيداً وتناسب أحد فرقها، فتقدم عرضاً لفرقة ميكا لتشتريك."
"ولكن كيف وهم تحت نفس المنظمة؟" سأل جين.
"الفرق العليا الـ12 منفصلة، والمنظمة هي التي تجمعهم. فكل فرقة تجمع مالها وحدها من خلال إكمال المهام والبيع والشراء."
"فالمنظمة لا تملك سوى 20% من عائدات الفرقة."
"أي أن كل فرقة لها نظام وقوانين خاصة. كل فرقة تترأس منطقة كبيرة وتبقى تحت سيطرتها."
"يعني، كل فرقة وحدودها الجغرافية."
توقف لحظة، ثم أضاف:
"إلا فرقة واحدة: فرقة أجنحة الحرب."
"أظن أنكم سمعتم مهمتها. ليس لها مقر، أو بالأحرى مقرها هو المنظمة. هذه الفرقة تعمل مع الفرق الـ11 الأخرى، وتقدم لهم المساعدة بالتوازي في المهمات."
"كدت أنسى..." قال، ورفع إصبعه مجدداً. "هناك فرقة من مستوى X."
"لا تُصنف مع الفرق الأخرى، لأنها لا تظهر سوى نادراً جداً في الكوارث الكبرى التي تخرج عن السيطرة. وأفرادها هم القادة الـ12."
تنهد، ونظر إلى وجوههم:
"أظن أنني شرحت كل شيء الآن."
"حسناً. ستذهبون برفقة المشرف زاكا إلى السيد تاو، ليتم تحليل تصنيفكم."
"ثم ستذهبون إلى قاعة الاختيار، ليتم شراؤكم من قبل الفرق."
التفت إليهم مجدداً، وابتسم ابتسامة خفيفة:
"أريد أن أخبركم بشيء."
"لأول مرة، سيتجمع القادة الـ12 لكي يشتروا أفراداً لفرقهم."
"من المفروض أن وكيل أعمال كل فرقة هو الذي يأتي ويشتري. لكن بما أن لجنة الاختبار وثقت بأنه من الممكن وجود ثلاثة أفراد من مستوى S..."
"أتوا بأنفسهم."
ابتسم ابتسامة أوسع:
"أنتم محظوظون حقاً."
"والآن، إلى اللقاء. يشرفني حقاً مقابلتكم."
خرج من المنصة، وترك الناجحين في صمت.
همس غاندي إلى آلما، وعيناه لا تفارقان سون:
"هذا الرئيس قوي. أشعر بذلك."
أومأت آلما برأسها:
"أنا أيضاً."
تقدم رجل طويل، نحيف، ذو شعر أسود مموج وعينان بنيتان. كان يرتدي بدلة رمادية، ويمشي بخطى واثقة.
"هيا بنا." قال، وصوته كان جافاً. "سنذهب الآن إلى السيد تاو."
يتبع...