كان المصعد الكهربائي يصعد ببطء، يئن قليلاً تحت وطأة الحركة. وقف أكاي في داخله وحيداً، يداه مشبوكتان خلف ظهره، وعيناه الرماديتان ثابتتان على الأرقام التي تتغير ببطء فوق الباب.

3... 4... 5... 6... 7.

توقف المصعد، وفتح الباب بصوت خافت.

خرج أكاي بخطى ثابتة، واتجه نحو آخر الممر. الجدران كانت مطلية باللون البيج الدافئ، والأرضية مغطاة بسجاد فاخر بلون العنبر. كانت الرائحة هنا مختلفة عن بقية الطوابق..

وصل إلى باب ضخم، منقوش عليه شعار المنظمة، و مكتوب عليه : مكتب الرئيس .

دخل المكتب.

كان المكتب واسعاً، جدرانه مغطاة برفوف مليئة بالكتب والملفات. في الزاوية، كانت هناك طاولة ، عليها حاسوب، ومصباح، وكوب قهوة بارد. النافذة الكبيرة كانت تطل على مدينة تونس، وكان ضوء الصباح يتسلل من خلالها، يلقي بظلاله الطويلة على الأرض.

جلس أكاي على كرسيه، واستند إلى الخلف. ظل ينظر إلى الباب المغلق لعدة ثوانٍ، وكأنه ينتظر شيئاً.

طق. طق. طق.

طرق خفيف على الباب.

"تفضلوا." قال أكاي، وصوته هادئ.

دخلت مين وبيتر.

مين ، شعرها منسدلاً على كتفيها. كانت تبدو متوترة، وعيناها تبحثان عن شيء لتستقر عليه.

أما بيتر، فكان يرتدي بدلة سوداء، ووجهه جامد، وكأنه يحمل أخباراً لا يريد أن يقولها.

"تفضلا بالجلوس." قال أكاي، وأشار إلى الكرسيين أمام مكتبه.

جلسا.

حاولت مين أن تبتسم، وقالت بصوتها الخفيف:

"كيف حالك يا سيد أكاي؟"

نظر إليها أكاي بنظرة واحدة فقط.

وكأن تلك النظرة وحدها كانت كافية.

أغلقت مين فمها على الفور، وخفضت رأسها.

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم قال أكاي، وصوته أصبح أكثر برودة:

"من منكما يملك الإجابة؟"

رفعت مين يدها ببطء، وكأنها تلميذة تخشى أن تخطئ.

نظر إليها أكاي، ثم بدأ يضحك.

"هههههههه..."

كان ضحكه عميقاً، دافئاً، لكنه لم يكن ضحكة طمأنينة. كانت ضحكة من يعرف أنه على وشك سماع ما يريد.

"أخيراً..." قال، وهو يمسح عينيه. "جيد جداً يا مين."

ابتسمت مين ابتسامة متوترة، وقالت بسرعة:

"لقد حاولت كثيراً لكي أستطيع أن أحضر لك جواباً و..."

رفع أكاي يده، وأوقفها.

"سأعود إليكِ. لا تستعجلي."

ثم التفت إلى بيتر.

"وأنت..." قال، ونبرته أصبحت أكثر جدية. "لقد أخفقت."

نهض بيتر من كرسيه بسرعة، ووضع يديه على الأرض، وخفض رأسه.

"أرجو معذرة سيد أكاي..." قال، وصوته كان مرتجفاً. "لقد حاولت كثيراً، لكن الحظ كان يحالفه في كل مرة."

نظر إليه أكاي بعينين باردتين، لكنه لم يقل شيئاً.

رفع بيتر رأسه، وأضاف بسرعة:

"لكن سيدي... لم آتِ إليك بيد فارغة."

"هذا ما أنتظره." قال أكاي، ونبرته أصبحت أقل حدة. "هيا، قل لي."

وقف بيتر منتصباً، ونظر إلى أكاي بعينين تلمعان بثقة جديدة:

"أحد المجرمين يمتلك مهارة فريدة. ستعجبك بكل تأكيد."

"لقد مات، لكنني احتفظت بجثته جيداً داخل مهارتي." (يقصد مهارة الغابة)

"ماهي؟" سأل أكاي، وعيناه تضيقان.

"قراءة الأفكار."

ابتسم أكاي ابتسامة خفيفة، وأشار إليه:

"جيد."

ثم التفت إلى مين، وقال:

"تحدثي أنتِ."

تنهدت مين، وفتحت فمها لتتحدث.

لكن أكاي رفع يده مجدداً، وأوقفها.

"توقفي."

نظر إليها بعينين ماكرتين:

"لا أريد أن تقولي لي ما أريد سماعه مباشرة. فذلك سيكون حرقاً واضحاً."

"أريدك أن تحكي لي ما جرى من البداية، كي يشتعل حماسي أكثر، وأتلذذ بالمعلومة جيداً."

ابتسم ابتسامة خبيثة.

"ابدأي."

#######$$$$$$$$3

الطابق الخامس

كان المكتب هادئاً، مظلماً تقريباً. الستائر كانت مغلقة، والنور الخافت على المكتب كان كافياً فقط لرؤية الأوراق المبعثرة.

جلست بلاك داون خلف المكتب، ويداها تتحركان ببطء فوق الأوراق. كانت تفحص ملفات الممتحنين واحداً تلو الآخر، وعيناها تقرأان كل تفصيل، كل كلمة، كل رقم.

"سون..." همست، وهي تضع ملفاً جانباً.

"غاندي..."

"بيتر..."

لم تكن تنظر إلى الأسماء. كانت تنظر إلى الأرقام. إلى التصنيفات. إلى القيم التسويقية.

جيد..."

وضعت آخر ملف، وأسندت ظهرها إلى الكرسي.

كانت قد انتهت.

لكنها شعرت بشخص خلفها.

"سيدتي..." قال صوت من خلفها.

لم تلتفت.

استمرت في النظر إلى الأوراق، وكأن الصوت ليس أكثر من همس في الريح.

"سيدتي..." كرر الصوت، وهذه المرة كان أقرب.

"أنا سمعتك يا راغنا." قالت بلاك داون، وصوتها كان بارداً كالثلج. "لا حاجة لأن تكرر اسمي."

تقدم راغنا خطوة، ووقف بجانبها.

كان وجهه متعباً، وعيناه تحملان شيئاً من الندم.

"سيدتي..." قال، وصوته كان خافتاً. "أتيتُ لأطلب العفو والمغفرة منكِ."

"لقد قررت معاقبتك." قالت بلاك داون، وعيناها لا تزالان على الأوراق. "ولن أعود في قراري أبداً."

"لم آتِ لطلب المغفرة من العقاب." قال راغنا بسرعة. "لا يهمني كم سأتألم."

توقفت بلاك داون عن تقليب الأوراق.

رفعت رأسها ببطء، ونظرت إليه.

"إذاً...؟"

"أتيتُ..." قال راغنا، وصوته أصبح أكثر عمقاً. "أتيتُ لكي تسامحيني أنتِ يا سيدتي."

نظر إليها بعينين صادقتين:

"لا أستطيع أن أراكِ تنظرين إليَّ هكذا. أريد أن تعود علاقتنا إلى طبيعتها."

"أنتِ قائدتي، وأنا فرد من فرقتك."

"أرجوكِ... سامحيني."

وقفت بلاك داون ببطء.

تركت الأوراق، ونهضت من كرسيها، وتوجهت إليه بخطى هادئة.

وضعت يدها على كتفه.

"لا عليك." قالت، وصوتها أصبح أكثر دفئاً. "فأنا لم أغضب منك."

اتسعت عينا راغنا.

"بل أريد أن أكافئك." تابعت بلاك داون. "بسبب تقلص عدد الممتحنين، ونجاح 9 فقط... وهذا ما أريده."

"سيدتي..." قال راغنا، وعيناه تضيقان. "لكن ما هو هدفكِ من تقليص العدد؟"

"هذا الأمر أدى إلى فوضى عارمة في كامل العالم. مواقع التواصل الاجتماعي تهاجمكِ، ويرون أن ما جرى مجزرة بحد ذاتها."

ابتسمت بلاك داون ابتسامة باردة.

"وهذا ما أريده بالضبط."

أدارت ظهرها، وتوجهت إلى النافذة.

وقفت أمام الزجاج الكبير، تنظر إلى مدينة تونس التي تمتد أمامها ككائن حي يتنفس.

"راغنا..." قالت، وصوتها أصبح أكثر عمقاً. "ما هي تصنيفات الفرق التي أغلبية أفرادها يفشلون في المهمات؟"

"بنسبة كبيرة..." قال راغنا ببطء. "فرق تصنيف C، وتليها فرق تصنيف B."

"وما هي تصنيفات الفرق التي أغلبية أفرادها يموتون في المهام؟"

"أيضاً..." قال راغنا، وعيناه تضيقان. "فرق مستوى C وB."

"إذاً..." قالت بلاك داون، والتفتت إليه. "هذه هي المجزرة الحقيقية بحد ذاتها."

تقدمت خطوة نحوه:

"بالنسبة لي، أرى أنه يجب على المنظمة أن تزيل هذه الفرق لضعفها. فهي فقط خسائر بشرية."

"لذا، أردت الإشراف على هذا الاختبار."

"لأقلص عدد الممتحنين، وأترك فقط من يستحق، ومن أراه مناسباً."

"هدفي هو إشعال الفوضى والرعب في قلوب الناس."

"وهذا سوف يعد حساباتهم. ولن يشارك بعد الآن غير الأقوياء."

"وهذا كله..." قالت، وعيناها تلمعان. "لكي أحميهم."

"فالقوي وُلد لكي يحمي الضعيف."

"لذا، لا يستوجب على الضعيف إعاقة القوي."

نظرت إلى راغنا بعينين حادتين:

"لذا، ضحيت بكثير من الممتحنين لكي أحقق هذا الهدف."

وقف راغنا صامتاً للحظة، ثم قال بصوت منخفض:

"سيدة بلاك داون... أنا أيضاً أشارككِ الرأي."

رفع عينيه إليها:

"لكن أظن أن هدفكِ بعيد المنال."

"لن تمنع هذه المجزرة الأولياء من دفع أطفالهم إلى الموت بغية المال."

"ولن تترك الظروف وقسوة الأطفال حتى يلتحقون بالمنظمة، لأنهم يرون أنها المستقبل الوحيد الذي أمامهم."

توقف لحظة، ثم أضاف:

"العالم كله يعمل هكذا. هذه فلسفة الحياة."

"فالبشر لن يتوقف حتى يرمي بنفسه إلى التهلكة، لأنه يرى الأمل إذا تجاوزها."

نظرت إليه بلاك داون بعينين شاحبتين، ثم قالت:

"أعلم ذلك."

أدارت ظهرها نحو النافذة مجدداً.

"لكنها فرصة."

"دعنا نرى النتائج."

##############

الطابق الثالث امام مكتب السيد تاو

كان الممر هادئاً،

وقف الناجحون أمام الباب، ينتظرون دورهم واحداً تلو الآخر.

سون كان واقفاً في نهاية الصف، وعيناه تائهتان، تفكيره في مكان آخر.

على الجانب الآخر من الممر، وقف غاندي.

كان ينظر إلى سون بحقد شديد، وعيناه تحترقان بغضب مكبوت. قبضتاه تشددان، وكأنه يريد أن يندفع نحو سون في أي لحظة.

نظر سون إليه، ورد النظرة ببرود.

لم يقل أحد شيئاً.

لم تكن هناك حاجة للكلمات.

فجأة، فتح الباب.

خرجت آلما.

كان وجهها محمراً، وعيناها غاضبتان، وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة.

"عجوز منحرف..." همست وهي تخرج.

نظر إليها سيبرو بفضول، وسأل:

"ماذا حدث في الداخل؟"

نظرت إليه آلما بغضب، وقالت:

"ستكتشف بنفسك."

ثم ابتعدت.

صمت.

ثم، سمع سون صوتاً من خلفه:

"سون."

التفت سون ببطء.

وقف موريس هناك.

كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة، ووجهه كان هادئاً، لكن عينيه كانتا تلمعان بفرح لم يحاول إخفاءه.

الكل بقي ينظر إلى القائد الأعلى لإحدى الفرق الـ12. فرقة ميكا.

أما غاندي، فكان أكثر الحاقدين. كانت عيناه تشتعلان، ويداه تشتدان، وكأنه يرى شبحاً من الماضي.

توجه سون نحو والده، وابتعدا كثيراً عن الغرفة.

"تهانينا..." قال موريس، ووضع يده على كتف سون. "لقد فزت يا سون. كنت أعلم أنك قوي."

"شكراً." قال سون، وصوته كان هادئاً.

"أشعر أن قوتك ارتفعت كثيراً." قال موريس، وعيناه تفحصان سون من رأسه إلى أخمص قدميه. "سمعت أن المعلم تاي أشرف على تعليمك في الاختبار. سأشكره لاحقاً."

"لكن..." قال سون ببطء. "لم يعلمني الكثير."

نظر إلى والده بعينين جادتين:

"أريد أن يذهب معي إلى الفرقة التي ستشتريني، ويكمل تدريبي."

"هل هذا مسموح؟"

"بالطبع." قال موريس، وابتسم. "فوظيفة المعلمين الرئيسية هي تعليم وصقل مهارات أفراد الفرق."

"سأقدم طلباً للهيئة العليا للمعلمين في المنظمة. سيقبل تاي بالأمر."

"لا سيما أنه سيأتي إلى كوريا. سأرحب به."

"كوريا؟" كرر سون، وعيناه تضيقان.

"نعم." قال موريس، وابتسامته اتسعت. "سأقوم بشرائك يا سون. أنت ابني، ويجب أن تكون دائماً أمامي."

"لا." قال سون، وصوته أصبح أكثر حدة.

توقفت ابتسامة موريس.

"ماذا؟"

"لا أريدك أن تشتريني." قال سون، ونظر إلى والده بعينين ثابتتين.

"أرجوك أن تحترم رأيي يا أبي."

صمت موريس للحظة، وعيناه تضيقان.

كان على وشك أن يتكلم، لكن صوتاً قطعه.

"سيد سون ريوجي."

التفت سون، وإذا بمشرف واقف عند باب غرفة تاو.

"حان دورك للدخول."

نظر سون إلى والده، وقال:

"إلى اللقاء."

ثم أدار ظهره، ودخل الغرفة.

بقي موريس واقفاً، ينظر إلى الباب المغلق، وعيناه لا تفارقان المكان الذي اختفى فيه ابنه.

فتح سون الباب، ودخل.

توقف فجأة.

كانت الغرفة مختلفة تماماً عن كل ما تخيله. لا طاولة، لا كتب، لا أوراق. فقط غرفة فارغة، جدرانها مطلية بلون كريمي باهت.

ورائحة البخور والدخان تملأ المكان.

"أهلاً."

قفز سون من مكانه.

ظهر رجل عجوز من خلف الباب.

لم يكن سون قد رآه عند دخوله. كان الرجل خفيف الحركة، كالظل، وكأنه يطفو فوق الأرض.

كان كبيراً في السن جداً. وجهه مغطى بالتجاعيد، وعيناه شاحبتان، وشعره أبيض كالثلج. لكن حركاته كانت سريعة، خفيفة،

"سون ريوجي إذاً..." قال العجوز، وصوته كان دافئاً، كجدة تحكي حكاية قبل النوم. "أنا تاو. أظنك سمعت عن عملي."

"نعم يا سيد تاو." قال سون، وهو يحاول استعادة رباطة جأشه.

"جيد."

بدأ تاو يتحرك حول سون، كالطائر الذي يدرس فريسته. لمس يد سون، ثم قدمه، ثم رأسه، ثم بطنه ثم مأخرته

"صغيرة..." تمتم تاو.

"ما بك؟!" ابتعد سون بسرعة. "ابتعد!"

ضحك تاو ضحكة خفيفة، وتوجه نحو الحائط.

جلس على الأرض، متكئاً على الحائط، وأشار إلى سون:

"اجلس أمامي. سأبدأ."

جلس سون بتردد، وعيناه لا تفارقان العجوز.

نظر إليه تاو بنظرة جادة، وسأل:

"هل لديك صديقة؟"

"لا." قال سون، وعيناه تضيقان.

"هل تحب فتاة ما؟ جميلة؟ بيضاء؟"

"لا..." قال سون، وصوته أصبح أكثر حدة.

"هل تلك آلما لها صديق مقرب؟"

"سيد تاو!" صرخ سون. "ما هذه الأسئلة؟!"

ضحك تاو ضحكة خفيفة، ورفع يديه باستسلام:

"حسناً حسناً. أنا آسف."

"هات يدك."

مد سون يده بتردد.

"ماذا ستفعل بها؟"

"هااااات!" صاح تاو.

مد سون يده، وأمسك بها تاو

أغمض تاو عينيه.

لم تكن لحظة عادية. كانت لحظة توقف فيها الزمن، وانحنى المكان تحت وطأة هالة لا توصف.

طق.

صوت خافت، كسقوط قطرة ماء في بحر ساكن.

ثم...

انفجرت الهالة.

لم تكن هالة عادية. كانت كموجة صدمة هائلة، تتسع من جسد تاو العجوز الهزيل كدائرة تبتلع كل شيء في الغرفة. اللون الأزرق العميق اختلط بالذهبي المتوهج، وتماوجت الألوان كالشفق القطبي في ليلة قطبية.

ارتفعت الحرارة فجأة، ثم هبطت كأن شتاءً دخل الغرفة. الهواء نفسه بدأ يرتعش، وكأنه يعرف أنه على وشك رؤية شيء لا يُرى إلا مرة واحدة في العمر.

وظهر.

من خلف سون.

جسد شيطاني ضخم، مهيب، لم يكن له وجود قبل لحظة.

كان أطول من الغرفة نفسها، رأسه مقطوع من الأعلى، وكأنه يحمل جرحاً قديماً لا يلتئم. الجذع كان أسود كالفحم، وامتدت منه أربعة أذرع ضخمة، كل منها يحمل شيئاً مختلفاً. عروق نارية كانت تسري تحت جلده الأسود كأنهار من الحمم، تضيء الغرفة بوميض أحمر متقطع.

ولم تكن الأذرع الأربعة متطابقة.

الذراع اليمنى العليا كانت تحمل قلماً ضخماً، صنع من عظم ناصع البياض، وريشته من نور متوهج. كل حرف كان يكتبه القلم يحترق في الهواء قبل أن يستقر على الصفحة.

الذراع اليمنى السفلى كانت تحمل كتاباً، ليس من ورق، بل من جلد أسود، يبدو أنه مصنوع من الظلام نفسه. صفحة الكتاب كانت مفتوحة، فارغة تماماً، لكنها كانت تتوهج بانتظار ما سيُكتب.

الذراع اليسرى كانت تحمل ميزاناً ذهبياً، كفتاه تتمايلان ببطء، توزنان شيئاً لا يراه أحد.

والذراع اليسرى السفلى كانت تحمل سكيناً من جمود، حافته اللامعة تعكس الواقع المحيط كمرآة مكسورة.

"طق." صوت القلم وهو يلمس صفحة الكتاب.

كان صوتاً غريباً. لم يكن مجرد صوت قلم يكتب. كان كصدى لشيء قديم، كأن الكتاب نفسه كان يئن تحت وطأة الكلمات التي تُكتب عليه.

بدأ القلم يتحرك.

لكنه لم يكتب حروفاً عادية.

كان يرسم.

يرسم وجه سون.

كل خطوة كانت دقيقة بشكل مرعب. العينان كانتا تتشكلان بهدوء، ثم الأنف، ثم الفم. لكن التفاصيل التي كانت ترسم كانت أبعد من مجرد شكل خارجي.

كان يرسم روحه.

ضوء. أزرق.

تدفق من الكتاب إلى سون. ضوء أزرق شفاف، كالماء في نهر جليدي، بدأ يلف جسد سون من الداخل. كل خلية في جسده كانت تضيء، وتظهر عروق المانا التي تسري فيها.

لكن في وسط هذا الضوء، كان هناك شيء آخر.

بقعة مظلمة.

صغيرة في البداية، بحجم راحة اليد، في قلب سون. لكنها بدأت تنمو بسرعة، تنتشر كالحبر في الماء، تجذب الضوء الأزرق إليها كثقب أسود.

تغير لون الهالة فجأة.

تماوجت بين الأزرق والأسود، وكأن المعركة كانت تدور داخل جسد سون نفسه. الأضواء كانت تتصادم، وتنفجر، وتتلاشى.

"طق."

توقفت يد القلم.

نظر الكائن إلى الكتاب، ثم إلى سون.

ثم أغلق الكتاب بصوت عالٍ، كقفل باب سجن.

"بوووم."

اختفت الهالة كلها في لحظة.

كأنها لم تكن موجودة من الأساس.

لم يبقَ في الغرفة سوى رائحة البخور، ودخان خفيف يتصاعد من لا مكان.

فتح تاو عينيه ببطء، ونظر إلى سون.

كانت عيناه تحملان شيئاً لم يرَه سون من قبل في نظرات أي إنسان.

دهشة.

خوف خفي.

وإحساس بأنه قد رأى أكثر مما كان يجب أن يراه.

"لقد أكملت." قال تاو، وصوته أصبح أكثر خشونة.

لكن في داخله، كان يفكر:

"ما هذا...؟"

"ما هو تصنيفي؟" سأل سون بفضول.

"ليس الآن." قال تاو، وهز رأسه. "في قاعة الاختيار سيعرضون المعلومات."

"حسناً. شكراً لك."

وقف سون، وتوجه نحو الباب.

"سون." قال تاو من خلفه.

التفت سون.

"ماذا؟"

نظر إليه تاو طويلاً، ثم قال:

"لا شيء. اذهب."

خرج سون، وأغلق الباب.

بقي تاو جالساً على الأرض، وعيناه مثبتتان على الباب المغلق.

"غريب..." همس في نفسه. "أمر هذا الفتى غريب."

"أشعر أن شيئاً ما بداخله..." توقف لحظة، وعيناه تضيقان. "لكن لم استطع قراءته."

"نواة المانا متذبذبة جداً."

رفع يده، ونظر إليها.

"لم يحدث هذا من قبل."

يتبع...

2026/08/19 · 39 مشاهدة · 2258 كلمة
Foha
نادي الروايات - 2026