ناغانو / نوزاوا أونسن

قمة الجبل — قصر اليوكشين

كان الثلج يتساقط بهدوء فوق قمة الجبل، كأن السماء تزف أرواحاً بيضاء إلى الأرض. حبات الثلج كانت ترقص في الهواء، تتمايل مع الرياح الباردة التي تعصف بين قمم الأشجار العارية. الجبال من حول القصر كانت كعمالقة نيام، مغطاة بطبقات سميكة من الثلج المتجمد الذي لم يذوب منذ قرون.

في ساحة القصر الواسعة، كان الطبول تدق.

دوم. دوم. دوم.

صوتها كان كنبضات قلب وحش نائم، يتردد بين الجدران الحجرية القديمة، ويهز الثلج المتساقط على الأرض. كل ضربة كانت تثير اهتزازات خفيفة في الهواء البارد، وكأنها تنبئ بقدوم شيء عظيم... أو مروع.

كان الخدم واقفين في صفين طويلين، وجوههم جامدة كالحجر، وأيديهم مشبوطة خلف ظهورهم. كانوا يرتدون أردية سوداء بسيطة، وأقدامهم العارية تغوص في الثلج البارد دون أن يرتجفوا.

في وسط الساحة، كان هناك رجل مربوط إلى عمود خشبي ضخم.

كان يرتجف، ووجهه شاحب كالثلج الذي يتساقط عليه، وعيناه تتسعان برعب لا يمكن وصفه.

"أرجوكم..." صرخ بصوت مبحوح، ودموعه تتجمد على خديه قبل أن تسقط. "اتركوني... أرجوكم..."

لكن أحد الخدم تقدم إليه، ورفع سيفاً طويلاً، لامعاً، كالمرآة التي تعكس الضوء البارد.

"اصمت." قال الخادم، وصوته كان جافاً كالحجر.

"لدي عائلة..." واصل الرجل الصراخ، وجسده يرتجف بعنف. "أرجوكم... لا تفعلوا بي شيئاً..."

"السيدة الغيشا قادمة إلى القصر." قال الخادم، ونبرته لم تتغير. "يجب أن نُسيل الدماء بمناسبة قدومها. "

"أرجوكم... لا... لا... لا..."

طق.

صوت قطع السيف.

لم يكن صوتاً عالياً، لم يكن صرخة. كان مجرد صوت حاد، كتمزيق الحرير، ثم سقط الرأس على الثلج، وبدأ الدم يسيل ببطء، يشكل بقعة حمراء على البياض النقي.

سقط الجسد إلى الأمام، وارتطم بالأرض بثقل، والدماء بدأت تتدفق كالنهر الصغير، تذوب الثلج تحتها، وتخلق خليطاً أحمر اللون يتسلل بين الحجارة.

ساد الصمت.

ثم عادت الطبول للدق مجدداً.

دوم. دوم. دوم.

كان القصر من الداخل مختلفاً تماماً عن البرد القارس في الخارج.

الجدران كانت مغطاة بخشب البلوط الداكن، المنقوش عليه رسوم تنانين وزهور الكرز. الأضواء الخافتة للفوانيس الورقية كانت تخلق ظلالاً متماوجة على الجدران، كأشباح ترقص ببطء. الستائر الحريرية كانت تتدلى من السقف، تتحرك برفق مع هواء دافئ يملأ المكان.

في وسط القاعة الرئيسية، كان هناك رجلان يجلسان على كراسي مصنوعة من الخيزران الأسود.

الأول كان رجلاً ضخماً، عملاقاً، يبلغ ارتفاعه خمسة أمتار تقريباً. كان جالساً على كرسي ضخم صُنع خصيصاً له، ويداه الضخمتان تستندان إلى ركبتيه. وجهه كان خشنًا، مغطى بندبات قديمة، وعيناه الصغيرتان كانتا تلمعان كجمرتين في ليلة مظلمة.

الثاني كان رجلاً نحيفاً، يرتدي كيمونو أزرق داكن، وشعره الطويل مربوط إلى الخلف. كان يجلس بهدوء، ويداه مشبوكتان أمامه، وعيناه السوداوان تلمعان بذكاء حاد.

كان المكان بارداً، يملأه ضباب خفيف يتصاعد من وعاء بخور موضوع في الزاوية. الرائحة كانت مزيجاً من خشب الصندل والثلج والدماء البعيدة.

"أتعرف ما أكثر ما أكرهه في الرجال الذين يظنون أنفسهم أذكياء؟" قال الرجل النحيف، وصوته كان هادئاً، ناعماً، كالحرير المبلل.

"أنهم يكثرون الكلام حين يجب أن يصمتوا."

توقف لحظة، وأخذ نفساً عميقاً، ثم تابع:

"في عالمنا، الصمت ليس ضعفاً... الصمت مساحة تترك للآخرين كي يكشفوا أنفسهم."

"راقب فقط، وستعرف من الخائف، ومن الطماع، ومن الذي جاء وهو يظن أنه يستطيع خداعك."

"أما نحن، فلا حاجة لنا بإثبات شيء."

"الرجل الواثق من قوته لا يرفع صوته... لأنه يعرف أن السكين لا تحتاج إلى الصراخ كي تكون حادة."

نظر إلى العملاق بعينيه الثاقبتين:

"لهذا، حين تجلس أمام رجل لا تعرفه، لا تسأل نفسك إن كان صديقاً أو عدوّاً."

"اسأل سؤالاً أبسط."

"ما الشيء الذي يخاف أن أخذه منه؟"

"حين تعرف الإجابة... تعرف الرجل."

فُتح باب القصر.

دخلت قدماً يمنى، بيضاء، مغطاة بجورب أبيض تقليدي.

ثم قدم يسرى.

ثم أخرى، وأخرى.

كانت الغيشا.

اللباس التقليدي كان يغطي جسدها بالكامل، كيمونو أحمر غامق، منقوش عليه زهور الكرز الذهبية والطيور الأسطورية. الأقمشة الحريرية كانت تنسدل كالماء، وتتحرك مع كل خطوة كأنها جزء من جسدها.

وجهها كان مغطى بطبقات من المساحيق البيضاء، وشفتاها الحمراوان تبرزان كقطرة دم على ثلج. عيناها كانتا سوداوين، عميقتين، كبئرين لا قاع لهما.

فوق رأسها، كانت هناك مظلة من الحرير الأحمر، يحملها خادم يسير خلفها بخطوات صغيرة منحنية.

وخلفه، كان هناك خادم آخر يحمل إينيه صغيرة من الذهب الخالص، فيها ماء يتلألأ كالمرآة.

تحرك الموكب ببطء شديد.

كل خطوة كانت محسوبة، كرقصة مقدسة. الأقدام كانت تتحرك كالأمواج، تنساب على الأرض الخشبية دون أن تصدر صوتاً.

وصلت الغيشا إلى وسط القاعة، وأغلقت المظلة ببطء، ثم رفعت رأسها ونظرت إلى الرجلين.

"أهلاً وسهلاً بالسيدة ماوتيهاو." قال الرجل النحيف، ووقف من كرسيه باحترام. "يشرفني دخولكِ قصر اليوكشين."

"سيد مونيان..." قالت الغيشا، وصوتها كان ناعماً، كالحرير المبلل بالندى. "في العادة، لا أقبل من يتكلم قبلي. لكن سأعد هذا نوعاً من الاحترام، وجزءاً من الصفقة."

ابتسم مونيان ابتسامة خفيفة:

"أرجو أن تنال الصفقة إعجابكِ يا سيدتي."

"العكس صحيح يا سيد مونيان." قالت ماوتيهاو، وعيناها لم تفارقاه. "أرجو أن تنال أنت إعجاب الصفقة."

"لقد سمعت أن كل من تشاركتَ معهم..." توقفت للحظة، وتركت الكلمات تترسب. "لم يكملوا الشهر أو الاثنين حتى تقوم أنت بإلغاء الصفقة."

ضحك مونيان ضحكة خفيفة، كصوت الحصى في ماء راكد:

"الطمع والغرور وحب المزيد..." قال، ورفع يديه باستسلام. "هي من صفاتي يا سيدتي."

"هات شروطك." قالت ماوتيهاو، ونبرتها أصبحت أكثر جدية. "لكن اعلم أنني لا أقبل بصفقة إلا وأن تكون الميزة الأكبر لي."

"سيعجبك ما سأقوله." قال مونيان، وابتسامته اتسعت.

فُتح الباب مجدداً.

"سيدي..." قال خادم من خارج الباب. "الطعام جاهز."

أومأ مونيان برأسه، ودخل الخدم الواحد تلو الآخر، كل منهم يحمل فوق رأسه صينية خشبية كبيرة، ممتلئة بالطعام.

كان اللحم ساخناً، يخرج منه بخار كثيف كالضباب، ورائحته تملأ القاعة. الأرز كان أبيض كالثلج، والخضار كانت ملونة كالبستان في الربيع.

وضع الخدم الصواني في شكل دائري على الأرض، ثم تراجعوا وخرجوا.

جلست الغيشا أمام مونيان، وبجانبهم جلس العملاق.

أكلت ماوتيهاو قليلاً من اللحم، ومضغته ببطء. مونيان كان يراقبها، وعيناه لا تفارقان حركاتها. أما العملاق، فكان الأكثر شرهاً، يأكل كأنه لم يرَ طعاماً منذ أيام.

"لم يعجبكِ الطعام يا سيدتي؟" سأل مونيان، ونبرته كانت مهذبة. "إنه لحم أضحية طازجة. لم يطل على ذبحها سوى بضع دقائق."

أشار إلى الأرز:

"وذلك الأرز... إنه..."

"لا أريده." قالت ماوتيهاو، ونبرتها كانت باردة. "من رائحته، كل الطعام ينقصه الملح."

صفق مونيان بيديه، ودخل الخدم بسرعة.

"خذوا الطعام." قال مونيان، وأشار إلى الصواني.

كان العملاق أكثرهم صدمة. توقف عن الأكل، ونظر إلى الصواني التي تُرفع من أمامه بعينين حزينتين، كطفل يُسحب منه لعبته المفضلة.

"الشروط واضحة." قال مونيان، وهو يعيد تركيزه على ماوتيهاو. "نحن نريد السلعة النادرة من البشر."

"سيد مونيان..." قالت ماوتيهاو، ونبرتها أصبحت أكثر حدة. "أنا زعيمة عصابة التجارة بالبشر. في العادة، أقدم العدد للحلفاء، وليس الندرة."

توقفت، ونظرت إليه بعينين ثاقبتين:

"وأيضاً... ماذا تقصد بالسلعة النادرة؟"

"الأقوى..." قال مونيان ببطء. "والأكثر صقلاً للمانا."

"سأفسر."

"أنا لا أريد أن تبيعي لي الكثير من الجثث الهامدة. لا حاجة لي بذلك."

"أريد أن تختاريهم جيداً."

"هذه صفقة خاسرة." قالت ماوتيهاو، وهزت رأسها. "فأنا أعمل على الكم لأضمن أكثر مالا."

"لم أكمل كلامي يا سيدتي." قال مونيان، ونظر إليها بعينين ثاقبتين.

"كل شخص تأتي به إليّ..." توقف لحظة، وترك الكلمات تترسب في الهواء. "سيتم شراؤه بقيمة 50 شخصاً."

تعجبت ماوتيهاو، وعيناها اتسعتا قليلاً:

"هذا جيد. قل هذا من البداية."

"لكن..." قال مونيان، ورفع إصبعه. "أريده حياً."

"حسناً..." قالت ماوتيهاو، ونبرتها أصبحت أكثر تفكيراً. "هذا أمر صعب. لكن سأقبل، بما أن المال بوفرة."

توقفت لحظة، ثم أضافت:

"لكن لم تقل لي كيف سأعثر على سلعتك النادرة؟"

"الكثير من حلفائي السابقين أخفقوا في هذا." قال مونيان، وبدا أنه يستمتع بشرح الأمر. "سأفسر."

"السلعة النادرة هي أفراد العصابات، والقتلة..."

"وأفراد فرق المنظمة."

"بما أنه من الصعب العثور على العصابات والقتلة..." توقف، ونظر إليها بعينين حادتين. "فالحل الأخير هو أفراد الفرق الذين يتوزعون على كافة هذه القارة."

"هذا أمر خطير." قالت ماوتيهاو، ونبرتها أصبحت أكثر جدية. "أن أتدخل في الفرق. سيكون ضرباً من الجنون أن نصادم أعضاء فرق مستوى S أو القادة."

"وهذا ما دفعني لأعطيكِ ميزة أفضل." قال مونيان، وابتسامته أصبحت أكثر اتساعاً.

"كل فرد من فرقة عادية... ستأخذين قيمته 50 رجلاً."

"لكن كلما ارتفع مستوى الفرد، لكِ ثلاثة أضعاف قيمة الشخص."

توقف، ونظر إليها بعينين تلمعان:

"وإذا أطحتِ بأفراد مستوى S، أو أحد القادة..."

"فلكِ خمسة أضعاف قيمة الشخص."

"هل أنت جاد؟" سألت ماوتيهاو، وعيناها اتسعتا. "هذه ميزانية ضخمة جداً."

"لكن ليس الكثير من يجيدون إكمال العمل." قال مونيان، ونبرته أصبحت أكثر هدوءاً. "لأنه أمر صعب للغاية."

"لذا، اخترتكِ أنتِ يا سيدتي."

صمتت ماوتيهاو للحظة، ثم قالت، وصوتها كان حازماً:

"أنا موافقة بالطبع. هذه الصفقة لن أتركها أبداً."

"إنها تخدم مصلحتي بإمتياز."

"لكن..." قال مونيان، ورفع إصبعه مجدداً. "هناك زمن محدد."

"شهران فقط."

"وكمية محدودة أيضاً."

"مئة شخص."

"موافقة." قالت ماوتيهاو، ثم توقفت لحظة. "لكن لدي سؤال يحيرني..."

"ماذا ستفعل بهذه السلع النادرة؟ وأيضاً تريدهم أحياء. غريب."

"سيدة ماوتيهاو..." قال مونيان، ونبرته أصبحت أكثر برودة. "عملكِ ينتهي هنا."

"لنتم الصفقة إذاً."

صفق.

دخل الخادم وهو يحمل صندوقاً خشبياً صغيراً، منقوشاً عليه رسوم تنانين تتشابك. وضعه بينهما، وفتحه ببطء.

كان الصندوق فارغاً.

خلعت ماوتيهاو خاتماً من إصبعها، كان مصنوعاً من الذهب الأسود، ومرصعاً بجوهرة حمراء كالدم.

خلع مونيان حلقة من إصبعه، كانت من الفضة البيضاء، منقوشاً عليها حرف غامض.

وضعوا الخاتم والحلقة في الصندوق.

أغلق الخادم الصندوق، وأخذه، وخرج.

"الصفقة اكتملت." قال مونيان، وابتسم ابتسامة باردة. "آمل أن نتشارك معاً تجارب ممتعة."

في الخارج، كان صوت الطبول يرتفع مجدداً، والرقص يبدأ، ويهز كل المكان.

دوم. دوم. دوم.

يتبع...

2026/08/20 · 30 مشاهدة · 1463 كلمة
Foha
نادي الروايات - 2026