مرت أربعون دقيقة.
سون كان لا يزال يقود الفريق بين الأشجار، عيناه لا تفارقان الأفق، وأذناه تلتقطان كل صوت. كان يتجنب المواجهات المباشرة. كان ينتظر. يخطط. يخبث.
آيل كان يمشي خلفه، خطواته حذرة. كان لا يزال خائفًا، لكنه بدأ يتأقلم. بدأ يفهم أن سون ليس مجرد مقاتل. سون كان صيادًا. لكنه كان صيادًا غريبًا. كان يصطاد دون أن يقتل.
سيبرو كان كالظل. يختفي. يعود. يختفي. يعود. كل مرة يعود فيها، كان يحمل معه رائحة. ليست رائحة عادية. كانت رائحة الخوف. كان سون قد لاحظ ذلك منذ البداية. سيبرو لم يكن يتحرك بسرعة فقط. كان يترك شيئًا خلفه. شيئًا لا يراه العين، لكنه يشم.
في إحدى المرات، سأل سون:
— ماذا تفعل عندما تختفي؟
سيبرو نظر إليه بعينيه الفارغتين. قال:
— أترك رائحة. كل مكان أذهب إليه، أترك رائحة. لا تشمها أنت. لكن خصمي يشمها. تخيفه. تشلّه. أسميها… روائح الذعر.
آيل نظر إليه برعب:
— تستطيع أن تفعل ذلك؟ أن تخلق رائحة تخيف الناس؟
سيبرو هز كتفيه.
— ليست مجرد رائحة. هي… ذكرى. كل رائحة أحملها هي ذكرى لشيء رأيته. شيء أخاف منه. عندما أتركها في مكان، من يدخلها يشعر بنفس الخوف. لثوانٍ. لكنها كافية.
سون نظر إليه. في عينيه الفارغتين، رأى شيئًا لم يره من قبل. ليس فراغًا. كان تراكمًا. كل تلك الروائح التي جمعها. كل تلك الذكريات. كانت تثقله. كانت تجعل عينيه فارغتين لأن داخله كان ممتلئًا جدًا.
قال سون:
— صياد الرائحة.
سيبرو نظر إليه. للحظة، ظهر شيء في عينيه. ليس فراغًا. كان… اعترافًا.
— هكذا يلقبوني. — قال بصوت منخفض.
توقف الثلاثة في فسحة صغيرة. كان الوقت يمضي. ساعة وثلاثون دقيقة متبقية.
جلس آيل على الأرض، يتنفس بصعوبة. كان تعبه ليس جسديًا فقط. كان تعبًا آخر. تعب الخوف المستمر.
قال آيل بصوت مرتجف:
— سون… كم من الوقت سنستمر هكذا؟ نحن لم نقتل أحدًا. إذا انتهى الوقت ولم نقتل…
سون جلس مقابله. نظر إليه. ثم قال:
— ماذا حدث لك عندما سقطت من الطائرة؟
آيل نظر إليه متفاجئًا. لم يتوقع السؤال.
— أنا…
توقف. نظر إلى الأرض. ثم قال بصوت منخفض:
— عندما سقطت… فقدت الوعي. لا أتذكر الهبوط. استيقظت وأنا معلق على شجرة. كانت الأغصان قد التفت حول ساقي. لم أستطع التحرك. كنت خائفًا. كنت أظن أنني سأموت هناك.
رفع عينيه إلى سون.
— ثم جاء معلم. لم يقل اسمه. كان رجلًا عجوزًا، صوته خشن. قال لي: "مهارتك هي الشلل. أنت تشل حركة من تلمسه. لكنك لا تعرف كيف تتحكم بها. سأعلمك."
نظر إلى يديه. كان يمسكهما معًا، كما لو كان يخاف منهما.
— لم أكن أعرف. لم أكن أعرف أن لدي مهارة. كنت أظن أنني… كنت أظن أنني ضعيف. لا شيء.
رفع رأسه. في عينيه كانت هناك دموع لم تسقط.
— علمني كيف أستخدمها. كيف أشل حركة أي شيء ألمسه. لكنه قال لي إنها ضعيفة. إنها لا تدوم طويلًا. إنني بحاجة إلى أن أكون قريبًا جدًا لأستخدمها. قريبًا جدًا…
صمت.
سون نظر إليه. قال:
— أنت لست ضعيفًا.
آيل نظر إليه. لم يقل شيئًا. لكن الدموع التي كانت تتراكم بدأت تسقط.
ثم نظر سون إلى سيبرو.
— وأنت؟ ماذا حدث لك؟
سيبرو كان جالسًا على الأرض، ظهره مستند إلى جذع شجرة. نظر إلى سون بعينيه الفارغتين. صمت طويلًا. ثم قال:
— سقطت في مستنقع.
توقف. وكأن هذه الكلمات وحدها كانت كافية.
ثم تابع:
— كنت غارقًا. لم أستطع التنفس. كان الطين يدخل في فمي. في أنفي. كنت أموت. ثم جاءت معلمتي. امرأة. لم أرَ وجهها. سمعت صوتها فقط. قالت: "أنت اتقن مهارتك بإتقان لكن لا بأس في القليل من التدريب
صمت للحظة. ثم قال:
— بقيت في ذلك المستنقع ثلاث ساعات. كلما حاولت الخروج، كانت تدفعني إلى الداخل. كنت أختنق. كنت أستغيث. كانت تقول: "استخدم رائحتك. اخلق خوفًا. أخيفني."
توقف. عيناه كانتا لا تزالان فارغتين، لكن صوته أصبح أجش:
— لم أستطع. لم أستطع أن أخيفها. كانت أقوى مني. كانت لا تخاف من شيء. في النهاية، سئمت مني. أخرجتني. قالت: "أنت ضعيف. لكن لديك موهبة. سأعلمك."
نظر إلى سون.
— علمتني كيف أجمع الروائح. كيف أحفظها. كيف أطلقها. كل رائحة هي ذكرى خوف. خوفي. أو خوف غيري. كلما جمعت أكثر، أصبحت أقوى.
رفع عينيه إلى سون.
— وأنت؟ ماذا حدث لك؟ من علمك؟
سون صمت.
نظر إلى الغابة من حوله. تذكر تاي. تلك الهالة الثقيلة. تلك العينين . ذلك التدريب الذي كاد يكسره.
قال:
— كان هناك رجل. اسمه تاي. لم يرحم. ضربني مائة مرة. علمني كيف أقرأ الخصم قبل أن يهاجم. كيف أبتكر مهارات مضادة في ثوانٍ.
— هذا كل شيء.
صمت الثلاثة للحظة. في وسط الغابة المعادية، في وسط اللعبة التي تنتظرهم، جلسوا معًا. كل واحد يحمل جرحه. كل واحد يحمل خوفه. كل واحد يحمل مهارته التي تعلمها في الألم.
آيل مسح دموعه. قال بصوت أقوى قليلًا:
— سون… لماذا اخترتني؟ لم تكن تعرفني.
سون نظر إليه. قال ببرود:
— لأنك كنت جالسًا بجانبي على الطائرة. لأن وجهك كان الوحيد الذي تذكرته.
آيل نظر إليه. ابتسم ابتسامة صغيرة. لم تكن ابتسامة سعادة. كانت ابتسامة شخص وجد مكانًا.
سيبرو قال من ظله:
— وأنا؟
سون نظر إليه. قال:
— لأنهم قالوا إنك قوي. أردت أن أراك عن قرب.
سيبرو نظر إليه. للحظة، ظهر شيء في عينيه. ليس فراغًا. كان… فضولًا.
— والآن؟ بعد أن رأيتني؟
سون نظر إليه طويلًا. ثم قال:
— أنت لست قويًا فقط. أنت خطير. هذا أفضل.
سيبرو لم يقل شيئًا. لكن شفتيه تحركت قليلًا. لم تكن ابتسامة. كانت… شيئًا قريبًا منها
بعد ساعة، تغير كل شيء.
كانوا قد وجدوا فريقًا قويًا. ثلاثة أطفال، منظمين، هادئين. لم يكونوا يختبئون. كانوا يمشون في وضوح، كأنهم يتحدون anyone لمواجهتهم.
سون قرأهم من بعيد. كانوا مختلفين. لم يكونوا خائفين. لم يكونوا مترددين. كانوا واثقين. خطواتهم ثابتة. أعينهم تمسح المكان ببرود.
همس سون:
— هذا هو الهدف.
آيل نظر إليه برعب:
— لكنهم… يبدون أقوياء. لماذا لا نختار فريقًا أضعف؟
سون هز رأسه.
— لأن الفرق الضعيفة لن تعطينا النقطة التي نريدها. إذا قتلنا فريقًا ضعيفًا، سنكسب نقطة. لكننا سنخسر فرصة. فرصة لمواجهة الأقوياء.
نظر إلى سيبرو.
— سيبرو. استخدم رائحتك. لكن لا تهاجم. فقط… شتتهم.
سيبرو أومأ. اختفى.
بعد ثوانٍ، بدأ الفريق القوي يتغير. خطواتهم أصبحت أبطأ. أعينهم بدأت تبحث في كل اتجاه. أحدهم بدأ يتنفس بصعوبة.
سيبرو كان يترك روائحه حولهم. كل رائحة كانت تحمل ذكرى خوف. واحد منهم كان خائفًا من الظلام. شعر فجأة بأن الظلام يقترب. آخر كان خائفًا من الاختناق. شعر فجأة بأن الهواء ينحسر.
الفتى القائد—كان طويلًا، ذو شعر أشقر—حاول أن يهدئهم. قال بصوت منخفض:
— اهدأوا. إنها مجرد مهارة. لا تستسلموا.
لكن الخوف كان قد بدأ يتملكهم.
سون رأى الفرصة.
همس لآيل:
— الآن. اقترب من الفتاة. المسها.
آيل نظر إليه برعب:
— لكن… لكنهم سيرونني…
— لن يرونك. — قال سون — سيبرو يشغلهم. تحرك.
تردد آيل. ثم عض على شفته. وبدأ يتحرك.
كان يزحف بين الأشجار، خطواته خفيفة كالقط. كان خائفًا. كان قلبه يدق كالطبول. لكنه كان يتحرك.
اقترب من الفتاة—كانت تقف في مؤخرة الفريق، عيناها مغمضتان، تحاول مقاومة رائحة سيبرو.
آيل وصل إليها. مد يده المرتجفة. لمس كتفها.
توقفت الفتاة فجأة.
جسدها تجمد. لم تستطع التحرك. لم تستطع الكلام. لم تستطع حتى التنفس. كانت مشلولة تمامًا.
آيل تراجع بسرعة. كان يلهث. وجهه شاحب. لكنه فعلها.
الفتى الأشقر لاحظ ما حدث. نظر إلى آيل. عيناه اشتعلتا غضبًا.
— أنت!
رفع يده. ونار اندلعت من كفه.
لكن سون كان قد تحرك بالفعل.
شعر بالنار قبل أن تشتعل. قرأ حركة الفتى. قرأ تنفسه. قرأ توتر كتفه. كان يعرف أين ستضرب قبل أن تبدأ.
تجنب النار بسهولة. اقترب من الفتى. كان الفتى يحاول توجيه ضربة أخرى، لكن سون كان أسرع. ضربه في معصمه، أوقف النار قبل أن تبدأ. ثم ضربة أخرى في بطنه. سقط الفتى على ركبتيه.
الطفل الثالث—كان صغيرًا، خائفًا—حاول الهرب. لكن سيبرو كان هناك. ظهر أمامه فجأة. لم يفعل شيئًا. فقط وقف. لكن الرائحة التي تركها حوله كانت كافية. توقف الطفل. تجمد. عيناه اتسعتا. ثم سقط مغشيًا عليه.
في أقل من دقيقة، انتهى كل شيء.
الثلاثة كانوا مغمى عليهم أو مشلولين. لم يقتلهم أحد.
آيل كان يلهث. سيبرو كان واقفًا بجانبه، عيناه الفارغتان تنظران إلى الجثث. سون كان واقفًا فوق الفتى الأشقر، ينظر إليه.
آيل قال:
— نحن… نحن فزنا. الآن يمكننا قتلهم. نكسب النقطة.
سون لم يتحرك.
نظر إلى الفتى الأشقر. كان مغمى عليه. لا يقاوم. لا يشكل خطرًا.
قال سون:
— لا.
آيل توقف.
— ماذا؟
— لن نقتلهم.
آيل نظر إليه. كانت عيناه تتسعان.
— لكن… سون… هذه هي الفرصة. إذا لم نقتل أحدًا…
— سأقتل من أريد مواجهته. — قال سون ببرود — ليس هؤلاء. هؤلاء ضعفاء. كانوا يبدون أقوياء، لكنهم انهاروا بسرعة. لا يستحقون.
آيل نظر إليه كأنه مجنون.
— سون… هذا ليس وقت الفخر. هذا اختبار. إذا لم نقتل…
— سأقتل. — قال سون — لكن ليس الآن. ليس هم.
أدار ظهره وبدأ يمشي.
آيل نظر إلى سيبرو. كان يبحث عن تأييد. عن أي شخص يقول لسون إنه مجنون.
سيبرو لم يقل شيئًا. نظر إلى سون. ثم نظر إلى الفريق المهزوم. ثم قال بصوته الأجش:
— هو قائد الفريق. له الحق في القرار.
آيل شعر بالغضب يتصاعد في صدره. لأول مرة منذ بدأ هذا الاختبار، شعر بالغضب. ليس من الأعداء. من فريقه.
صرخ بصوت منخفض:
— هذا جنون! أنت تخاطر بنا جميعًا! لماذا؟ لماذا لا تقتلهم؟ ما الذي تنتظره؟
سون توقف. لم يلتفت.
قال بصوت بارد:
— هناك شخص أريد مواجهته. شخصان. غاندي وآلما. هما من أريدهما. ليس هؤلاء.
التفت إلى آيل. كانت عيناه باردة كالجليد.
— إذا قتلت هؤلاء، سأخسر فرصة مواجهتهما. سأخسر فرصة لمعرفة من الأقوى.
آيل كان يرتجف. ليس من الخوف. من الغضب.
— وأنت؟ — قال — ماذا عنا؟ ماذا عن سيبرو؟ ماذا عني؟ نحن هنا أيضًا. نحن نخاطر. إذا متنا بسبب رغبتك في مواجهة شخص معين…
سون نظر إليه. قال ببرود:
— لن تموت.
— كيف تعرف؟! — صرخ آيل — كيف تعرف أنهم لن يقتلونا؟ كيف تعرف أن غاندي وآلما ليسا أقوى منا؟ أنت لا تعرفهما! أنت لا تعرف أحدًا!
سون صمت.
آيل استمر:
— أنا… أنا خائف. خائف منذ سقطت من تلك الطائرة. خائف منذ استيقظت في هذه الغابة. خائف من كل شيء. كنت أظن أنني إذا بقيت معك… إذا بقيت مع شخص قوي… سأكون آمنًا. لكنك… أنت لست قويًا فقط. أنت مجنون.
توقفت دموعه عن السقوط. كانت عيناه جافتين الآن. لكنهما كانتا تحترقان.
— أنا لا أريد أن أموت من أجل رغبتك في إثبات نفسك. أنا لا أريد أن أكون مجرد أداة في لعبتك.
أدار ظهره. بدأ يمشي بعيدًا.
سيبرو نظر إلى سون. نظر إلى آيل. لم يتحرك.
سون قال:
— آيل. توقف.
لم يتوقف آيل. استمر في المشي.
— آيل. — كرر سون — إذا ذهبت وحدك، سيموتونك.
توقف آيل. لكنه لم يلتفت.
قال بصوت مبحوح:
— ربما. لكنني أفضل أن أموت وحدي على أن أموت لأجل غرور شخص لا يهمه إن كنت حيًا أم ميتًا.
ثم بدأ يمشي مجددًا.
سيبرو نظر إلى سون. قال:
— ألاحقه؟
سون صمت. كان ينظر إلى ظهر آيل وهو يبتعد بين الأشجار. في صدره، كان القفل الذي صنعه بالأمس يهتز قليلًا.
قال أخيرًا:
— لا. دعه يذهب.
سيبرو نظر إليه. قال:
— سيموت.
سون نظر إلى الأرض.
— أعرف.
لكنه لم يتحرك.
سيبرو انتظر لحظة. ثم قال:
— أنا سأبقى معك.
سون رفع عينيه إليه.
— لماذا؟
سيبرو نظر إليه بعينيه الفارغتين. قال:
— لأنني أريد أن أرى. أريد أن أرى من هو الأقوى. وأنت… أنت تريد نفس الشيء.
ابتسم سون. ابتسامة باردة. لكنها كانت صادقة.
— إذن. لنذهب.
آيل كان يمشي وحده.
لم يكن يعرف أين يتجه. كان يمشي فقط. بعيدًا عن سون. بعيدًا عن ذلك الجنون.
كانت الغابة حوله كثيفة. الظلال تتحرك في زوايا عينيه. الأصوات تهمس في أذنيه. لكنه لم يعد خائفًا. كان غاضبًا. والغضب كان أقوى من الخوف.
مشى لعشر دقائق. ثم خمس عشرة. ثم عشرين.
ثم توقف.
كان هناك شخصان يقفان أمامه.
عرفتهما. رآهما على الطائرة. آلما وغاندي.
آلما ابتسمت. ابتسامة واسعة، مرحة تقريبًا.
— انظر، غاندي. وجدنا واحدًا.
غاندي لم يبتسم. نظر إلى آيل . كان ينظر إليه كحشرة تحت مجهر.
— وحيد. — قال غاندي بصوت بارد — أين فريقك؟
آيل لم يرد. كان قلبه يدق بسرعة. لكنه لم يهرب.
آلما اقتربت منه. كانت أطول منه بقليل. نظرت إلى عينيه.
— أنت خائف. — قالت — لا بأس. كلنا خائفون.
مدت يدها. لمسة خفيفة على كتفه.
— ما اسمك؟
— آ… آيل.
— آيل. — كررت آلما — اسم جميل.
غاندي قال من خلفها:
— آلما. نحن لا نملك وقتًا للصداقات. لنقتله
آيل نظر إليها. نظر إلى غاندي. كان يعرف أنه لا يملك يجب أن بفضح صديقه لكي يعيش
قال بصوت منخفض:
— كنت مع سون.
تغيرت عينا غاندي. ضاقتا.
— سون؟
آلما أيضًا. ابتسامتها اختفت للحظة.
— سون؟ الفتى الذي كان معنا في الطائرة؟
آيل أومأ.
— كان قائد فريقي. لكننا… اختلفنا. هو يريد مواجهتكما. يريد أن يثبت أنه الأقوى. رفض أن يقتل أحدًا لأنه يريد أن يواجهكما أنتما.
صمت للحظة. ثم قال:
— تركته. لا أريد أن أموت من أجل جنونه.
ابتسمت آلما. لكن ابتسامتها هذه المرة لم تكن مرحة. كانت ابتسامة شخص يعرف شيئًا لا يعرفه الآخرون.
— سون… — قالت — ذلك الفتى البارد. رأيته في الطائرة. كان ينظر إلى غاندي وكأنه يريد أن يأكل قلبه.
نظرت إلى غاندي.
— يبدو أنك وجدت منافسًا، يا صديقي.
غاندي لم يرد. كان يفكر. ثم قال:
— أين هو الآن؟
آيل أشار بيده إلى الخلف.
— هناك. على بعد عشرين دقيقة. مع سيبرو.
غاندي نظر في الاتجاه الذي أشار إليه. ثم نظر إلى آلما.
— هذا هو هدفنا.
آلما رفعت حاجبها.
— أنت تريد مواجهته؟
— هو يريد مواجهتي. — قال غاندي — وسأعطيه ما يريد.
نظر إلى آيل. قال:
— أنت. ستبقى معنا. إذا كنت صادقًا، ستحيا. إذا كنت تخدعنا…
لم يكمل. لم يحتاج.
آيل ابتلع ريقه. أومأ برأسه.
آلما ضربت كتفه برفق.
— لا تخف. غاندي يخيفك أكثر مما يؤذي. عادةً.
ابتسمت. ثم نظرت إلى الغابة.
— إذن. لنذهب لنجد هذا الفتى المجنون.
وبدأ الثلاثة يمشون. غاندي في المقدمة. آلما بجانب آيل. وآيل بينهما، قلبه يدق كالطبول.
كان يعرف أنه خان سون. كان يعرف أنه أخبر عدوه بمكانه.
لكنه كان خائفًا. وكان الغضب الذي شعر به قبل قليل قد تلاشى. بقي الخوف فقط.
كان يمشي معهم، وعيناه على الأرض. كان يفكر في سون. في وجهه البارد. في عينيه اللتين لا ترمشان.
فجأة، توقف غاندي.
رفع يده. أشار إليهما بالتوقف.
— هناك. — همس — أمامنا.
من بين الأشجار، على بعد عشرين مترًا، كان هناك شخصان قادمان .
سون. وسيبرو يبحثان عن آيل.
توقفوا
كان سون واقفًا في منتصف فسحة صغيرة، ذراعاه متدليتان، وعيناه مثبتتان على غاندي. لم يكن متفاجئًا. لم يكن غاضبًا. كان كما هو دائمًا: باردًا، ثابتًا، كالحجر.
عندما رأى آيل معهما، لم يتغير وجهه. لكن عينيه بقيتا على آيل لثانية أطول من اللازم.
ثم نظر إلى غاندي.
قال بصوت هادئ يقطع الصمت:
— لقد جئت إليّ. وفرت عليّ عناء البحث.
غاندي نظر إليه من خلف نظارته. قال ببرود:
— سمعت أنك تبحث عني. ها أنا ذا.
وقفت الفرقاء الثلاثة في مواجهة بعضها. آلما وغاندي وآيل في جهة. وسون وسيبرو في الجهة الأخرى.
كان الهواء ثقيلًا. الغابة صامتة. حتى الأصوات التي كانت تهمس طوال الوقت توقفت.
اللعبة كانت على وشك الانتهاء.
لكن هذه المواجهة… لم تكن مجرد لعبة.
كانت شيء آخر.
كانت مواجهة بين من يريد أن يثبت نفسه. وبين من يريد أن يرى من الأقوى.
وفي المنتصف، كان آيل واقفًا. خائفًا. مترددًا. لا يعرف إلى أي جهة ينتمي.
سيبرو نظر إلى سون. قال بصوت منخفض لا يسمعه الآخرون:
— هل هذا ما أردته؟
سون لم يرد. كان لا يزال ينظر إلى غاندي.
لم يكن يعرف ما إذا كان يهتز من الخوف… أو من شيء آخر.