قبل أن يتحرك أحد، قبل أن تندلع المواجهة التي انتظرها سون طوال هذا الاختبار، وقف الثلاثة في مواجهة الثلاثة، والغابة صامتة كقبر.
سون كان ينظر إلى غاندي. عيناه لا ترمشان. كان يقرأه. كل حركة. كل تنفس. كل نبضة في عنقه. كان يحلل. يستعد. ينتظر اللحظة المناسبة.
غاندي كان ينظر إليه بالمثل. خلف نظارته، كانت عيناه باردة، محسوبة. لم يكن غاندي من يندفع. كان من يخطط. من يحسب الخطوات قبل أن يخطوها.
آلما كانت واقفة بجانبه، ذراعاها متقاطعتان، ابتسامتها المرحة لا تفارق وجهها. كانت تنظر إلى سون وكأنها تقول: "أخيرًا، بعض المتعة."
آيل كان واقفًا بينهم. لم يكن يعرف أين يقف. جسده كان متجهًا نحو غاندي وآلما، لكن عينيه كانتا على سون. كان هناك ذنب في عينيه. وخوف. وتردد.
سيبرو كان خلف سون بقليل. لم يقل شيئًا. لم يتحرك. فقط كان هناك. كالظل. كالرائحة الثقيلة التي تنتظر أن تنطلق.
سون كسر الصمت.
نظر إلى غاندي، ثم إلى آلما، ثم خلفهما. قال بصوته البارد:
— أنتما اثنان فقط. أين الثالث؟
غاندي لم يرد. آلما ابتسمت.
— الثالث؟ — قالت — باكس. في مكان آخر. يضع الفخاخ. ذلك الأحمق. قال إنه سينصب كمينًا للفرق الأخرى. تركته يفعل ما يريد. لا يهم.
نظر غاندي إلى سون. كانت عيناه تضيقان.
— المهم هو أنت.
سون شعر بارتياح غريب. ليس ارتياح الخوف. كان ارتياح المواجهة. أخيرًا. أخيرًا سيواجه من يريد. أخيرًا سيعرف من الأقوى.
خطا خطوة إلى الأمام.
غاندي فعل المثل.
كان الهواء بينهما يتكاثف. كأن الغابة نفسها تحبس أنفاسها.
آلما ابتسمت ابتسامة أوسع. قالت:
— الآن… هذا ما أتيت لأراه.
آيل كان يرتجف. نظر إلى سون. نظر إلى غاندي. كان يعرف أن ما سيحدث سيكون عنيفًا. كان يعرف أن أحدًا قد يموت.
سيبرو لم يتحرك. لكن عينيه الفارغتين توقف عن التجوال. استقرتا على المشهد أمامه. كان ينتظر. مثل سون. مثل غاندي. مثل الجميع.
سون رفع قبضته.
غاندي خفض جسده قليلًا، استعدادًا.
كانت الثانية التي تسبق الانفجار.
ثم…
"دودودودودودودودودودودودوووووووووووووووووووووووووووووو"
صوت من معصم غاندي.
صوت الساعة.
توقف الجميع.
غاندي نظر إلى ساعته. عيناه اتسعتا للحظة. ثم ضاقتا. ثم أصبحتا باردتين كالجليد.
الساعة تتحدث:
"الطفل رقم 0023. فريق غاندي. تهانينا. لقد اكتسبتم نقطة. سيتم نقلكم إلى موقع الفرع الثالث. الرجاء الانتظار حتى انتهاء الوقت المتبقي."
صمت.
غاندي لم يتحرك. كان ينظر إلى ساعته كأنها خنته. كأنها سرقت منه شيئًا.
آلما أيضًا نظرت إلى ساعتها. ابتسامتها اختفت. لأول مرة منذ أن رآها سون، لم تكن تبتسم.
قالت بصوت لم يعد مرحة:
— النقطة… باكس.
التفتت إلى غاندي. كان وجهها شاحبًا فجأة.
— باكس قتل أحدًا. ذلك الأحمق. تركته يضع الفخاخ وقتل أحدهم.
غاندي لم يرد. كان لا يزال ينظر إلى ساعته. ثم رفع عينيه إلى سون. في عينيه كان هناك غضب لم يره سون في أي شخص من قبل. ليس غضبًا من سون. غضبًا من القدر. من التوقيت. من باكس الأحمق الذي سرق منه هذه اللحظة.
قال غاندي، وصوته كان حارًا بالغضب:
— باكس… ذلك الأحمق…
نظر إلى سون. كانت عيناه تحترقان خلف نظارته.
— كنت سأقاتلك. كنت سأري من الأقوى. والآن…
أغلقت ساعته. الضوء الأزرق بدأ ينبض بسرعة. جسده بدأ يتحول إلى ضوء.
في الثانية الأخيرة قبل أن يختفي، نظر إلى سون. قال بصوت بارد، بارد كالموت:
— سأقتلك في الفرع الثالث. أو الرابع. أو بعد الاختبار. سأقتلك يا سون. هذا وعد.
ثم اختفى.
آلما نظرت إلى سون. كانت ابتسامتها عادت، لكنها كانت ابتسامة حزينة تقريبًا.
— إلى اللقاء، يا فتى البارد. أتمنى أن نلتقي مرة أخرى. عندما لا يسرق أحد فرصتنا.
ثم اختفت هي أيضًا.
بقي سون واقفًا في الفسحة.
آيل كان لا يزال على الأرض حيث سقط. كان يبكي. كانت دموعه حقيقية. كانت دموع طفل خائف. طفل لا يعرف ماذا يفعل.
سيبرو كان واقفًا خلفهما، لم يتحرك. عيناه الفارغتان كانتا تنظران إلى المكان الذي اختفى فيه غاندي وآلما.
الغابة كانت صامتة. حتى الأصوات توقفت.
سون وقف مكانه. لم يتحرك. لم يتكلم. كان وجهه كما هو دائمًا: باردًا، ثابتًا، لا يعكس شيئًا.
لكن في داخله، كان هناك شيء يغلي.
خيبة أمل.
ليست خيبة أمل عادية. كانت خيبة أمل عميقة، ثقيلة، كأن شخصًا وعدك بالسماء ثم أعطاك حفنة تراب.
كان ينتظر هذه المواجهة منذ أن سمع اسم غاندي على الطائرة. منذ أن رأى تلك النظرة في عينيه. كان يريد أن يعرف. كان يريد أن يثبت. كان يريد أن يرى من الأقوى.
وسرقها منه باكس. باكس الأحمق الذي لم يعرف حتى أنه سرق شيئًا.
التفت سون إلى آيل.
آيل كان لا يزال على الأرض. رفع عينيه إلى سون. كانت عيناه حمراء من البكاء. كان وجهه مغطى بالدموع والطين.
— سون… أنا… أنا آسف…
سون نظر إليه. نظر إلى سيبرو. ثم نظر إلى الأرض.
قال بصوت بارد، بارد لدرجة أن آيل شعر بالبرد يخترق جلده:
— أنت. أريتهم أين أنا.
آيل لم ينكر. كان يبكي.
— أنا… كنت خائفًا. كنت خائفًا من الموت. كنت خائفًا من أن أكون وحيدًا. أنت… أنت رفضت أن تقتل من أجلنا. كنت خائفًا أن نموت جميعًا. أنا… أنا كنت جبانًا.
سون نظر إليه. في عينيه، كان هناك شيء لم يظهر من قبل.
لم يكن غضبًا. لم يكن خيبة أمل.
كان… فراغًا.
— أنت خنتنا. — قال سون — لو لم يقتل باكس ذلك الطفل، كنت ستموت. كنت ستموت أنت. وكنت سأخسر أنا. كلنا كنا سنخسر. لأنك كنت جبانًا.
آيل سكت. لم يستطع أن يقول شيئًا. كان يعرف أن سون على حق. كان يعرف أنه خانهم. كان يعرف أنه جبان.
لكنه كان حيًا.
وهذا كان كل ما يهمه في تلك اللحظة.
سيبرو كان لا يزال واقفًا. لم يتدخل. كان ينظر إليهما بعينيه الفارغتين. نظر إلى سون.
— الآن. الفرع الثاني لم ينتهِ بعد. الوقت لا يزال يمضي. نحن لم نكسب نقطة. إذا انتهى الوقت ولم نكسب…
لم يكمل. لم يحتاج.
سون عرف. إذا انتهى الوقت وفريقهم بلا نقطة، سيفشلون. لن يتأهلوا للفرع الثالث. كل ما فعلوه سيكون بلا معنى.
نظر إلى سيبرو.
— ماذا تقترح؟
سيبرو نظر إلى الغابة. عيناه الفارغتان كانتا تبحثان في الظلال. ثم قال:
— هناك فريق. على بعد خمس دقائق. رأيته عندما كنت أبحث عن آيل. ثلاثة أطفال. ضعفاء. متعبون. لا يعرفون أننا هنا.
سون نظر إليه.
قال سون:
— إذن. لنذهب.
أدار ظهره. بدأ يمشي.
آيل كان لا يزال على الأرض. نظر إليهما.
— سون… أنا…
سون توقف. لم يلتفت.
قال بصوت بارد:
— إذا أردت أن تأتي، تعال. إذا أردت أن تبقى، ابق. لكن إذا جئت… لا تهرب هذه المرة.
ثم مشى.
آيل نظر إلى سيبرو. سيبرو نظر إليه بعينيه الفارغتين. لم يقل شيئًا. ثم تبعه.
آيل تردد للحظة. ثم مسح دموعه. وقف. وركض ليلحق بهما.
مشوا خمس دقائق. سيبرو في المقدمة، يتحرك كالظل بين الأشجار. سون خلفه، عيناه تمسحان المكان. آيل في الخلف، خطواته لا تزال مرتجفة، لكنه كان يتبع.
توقف سيبرو. رفع يده.
— هناك. — همس.
من بين الأشجار، على بعد عشرين مترًا، كان هناك ثلاثة أطفال. كانوا جالسين في فسحة صغيرة، ظهورهم إلى بعضهم. كانوا متعبين. وجوههم شاحبة. أحدهم كان يبكي بصمت.
سيبرو نظر إلى سون.
— أقتلهم؟
سون صمت. كان ينظر إلى الفريق الآخر. كانوا ضعفاء. متعبين. خائفين. لم يكونوا خطرًا على أحد.
لكن هذا كان الاختبار. اقتل أو مت.
قال سون:
— لا.
سيبرو نظر إليه. آيل أيضًا.
سون قال:
— أنا لا أقتل الضعفاء.
سيبرو صمت للحظة. ثم قال:
— أنا لا أمانع.
قبل أن يرد سون، كان سيبرو قد اختفى.
سون تمدد ليمسكه، لكنه كان قد فات الأوان.
رأى سيبرو يظهر بين الفريق الآخر. لم يره أحد. كانوا لا يزالون جالسين، لا يعرفون أن الموت يقف بينهم.
سيبرو وقف خلف الفتى الذي كان يبكي. لم يلمسه. فقط وقف.
لكنه بدأ يترك رائحته.
رائحة الاختناق.
الفتى الذي كان يبكي توقف فجأة. عيناه اتسعتا. يداه ارتفعتا إلى رقبته. كان يحاول التنفس، لكن الهواء لم يعد يصل.
الاثنان الآخران نظرا إليه. لم يفهموا ما يحدث. ظنوا أنه يختنق من البكاء. حاول أحدهم مساعدته.
لكن سيبرو كان قد تحرك بالفعل. ظهر خلف الفتاة التي حاولت المساعدة. ترك رائحة أخرى. رائحة الظلام. رائحة أن تكون وحيدًا في مكان لا ترى فيه شيئًا، وتسمع خطوات تقترب.
الفتاة تجمدت. عيناها أصبحتا واسعتين. بدأت ترتجف. لم تستطع الحركة.
الطفل الثالث—كان صغيرًا، خائفًا—حاول الهرب. ركض بين الأشجار.
سيبرو نظر إليه. لم يركض خلفه. فقط وقف. وترك رائحة ثالثة.
رائحة الألم. رائحة الذكرى التي لا تموت. رائحة كل ضربة تلقاها. كل خيانة عاشها. كل جرح لم يلتئم.
الطفل توقف عن الركض. سقط على ركبتيه. بدأ يبكي. يصرخ. لا يستطيع التحرك. لا يستطيع التنفس. لا يستطيع أن يفعل أي شيء.
في أقل من دقيقة، كان الثلاثة على الأرض. مشلولين. مخنوقين. مجمدين من الرعب.
سيبرو وقف بينهم. نظر إليهم. كان وجهه كما هو دائمًا: فارغًا. لا غضب. لا شفقة. لا شيء.
رفع يده. نظر إلى سون.
سون كان واقفًا على بعد عشرة أمتار. كان يراقب. كان وجهه باردًا. لكن في عينيه كان هناك شيء. لم يكن غضبًا. لم يكن اشمئزازًا. كان… اعترافًا.
سيبرو لم يقتلهم بعد. كان ينتظر إذن سون.
سون نظر إلى الأطفال الثلاثة على الأرض. كانوا يعانون. كانوا يموتون ببطء. كان بإمكانه أن يقول "توقف" وينقذهم. كان بإمكانه أن يقول "اقتل" وينهي الأمر.
قال:
— افعلها.
سيبرو نظر إليه للحظة. ثم أنزل يده.
لم يلمسهم. لم يحتاج.
الرائحة التي تركها حولهم اشتدت. اختنق الأول. سقط. توقف عن الحركة.
تجمدت الفتاة. سقطت.
الطفل الثالث كان لا يزال يبكي. كان صوته يعلو. ثم خفت. ثم توقف.
صمت.
سيبرو وقف بين الجثث الثلاث. كان وجهه لا يزال فارغًا. لكن يديه كانتا ترتجفان. ارتجافًا خفيفًا، لا يكاد يُرى.
نظر إلى سون.
— الآن. لقد فزنا.
سون لم يرد. كان ينظر إلى الجثث. ثلاثة أطفال. لم يعرف أسماءهم. لم يعرف وجوههم. كانوا أحياء قبل دقيقة. الآن لم يكونوا كذلك.
نظر إلى ساعته.
"الطفل رقم 0012. فريق سون. تهانينا. لقد اكتسبتم نقطة. سيتم نقلكم إلى موقع الفرع الثالث. الرجاء الانتظار حتى انتهاء الوقت المتبقي."
فازوا.
نجحوا.
لكن سون لم يشعر بأي فرح.
نظر إلى سيبرو. كان سيبرو لا يزال واقفًا بين الجثث. يداه لا ترتجفان بعد الآن. عيناه فارغتان. لكن في أعماقهما، كان هناك شيء. شيء يشبه الفراغ الذي يؤلم.
قال سون:
— لماذا فعلتها بهذه الطريقة؟ لماذا لم تخبرني؟
سيبرو نظر إليه. قال بصوت أجش:
— لأنك كنت ستقول لا. لأنك كنت ستتركهم. لأنك لا تقتل الضعفاء.
نظر إلى الجثث.
— أنا أقتل. لا يهمني أقوياء أم ضعفاء. أنا أقتل من يجب أن أقتل. لأنني إذا لم أقتل… أنا أموت.
رفع عينيه إلى سون.
نظر إلى يديه.
— أنا لا أمانع أن أكون القاتل. لا أمانع أن تكون يداي ملطختين بالدماء. طالما أنا حي. طالما أنت حي. طالما… نحن ناجون.
صمت.
سون نظر إليه طويلًا. ثم قال:
— في المرة القادمة. أخبرني. قبل أن تقتل. أنا قائد الفريق. أنا من يقرر.
سيبرو نظر إليه. للحظة، ظهر شيء في عينيه. ليس فراغًا. كان شيئًا يشبه الاحترام.
— حسنًا. — قال.
آيل كان واقفًا خلفهما. كان شاحبًا. شاحبًا كالموت. كان ينظر إلى الجثث. إلى سيبرو. إلى سون.
كان يرتجف. ليس من البرد. من الرعب.
لكنه لم يهرب.
قال بصوت مرتجف:
— أنت… أنت قتلتهم. بدون رحمة.
سيبرو نظر إليه. قال:
— نعم.
آيل نظر إلى سون.
— وأنت… أنت سمحت له.
سون نظر إليه. قال:
— نعم.
آيل صمت. كان يريد أن يشعر بالغضب. كان يريد أن يشعر بالاشمئزاز. لكنه لم يشعر بأي شيء. فقط خوف. وخلف الخوف… فهم.
لأنه عرف. لو كان مكانهم. لو كان هو القائد. هل كان سيفعل شيئًا مختلفًا؟ هل كان سيترك الفريق يخسر لأنه لا يريد أن يقتل؟ هل كان سيختار مبادئه على حياة فريقه؟
لم يعرف.
لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا: لقد خانهم. وأخذوه مجددًا. وسمحوا له بالعودة. وقتلوا من أجلهم. من أجله.
قال آيل بصوت مبحوح:
— أنا… أنا آسف. ليس لأنهم ماتوا. أنا آسف لأنني… لأنني خنتكم. لأنني كنت جبانًا. لأنني كنت خائفًا.
نظر إلى سون.
— أنت قلت لي: إذا أردت أن تأتي، تعال. وإذا أردت أن تبقى، ابق. لكن إذا جئت… لا تهرب.
مسح دموعه.
— أنا لا أهرب. ليس بعد الآن.
سون نظر إليه. في عينيه الباردتين، كان هناك شيء. لم يكن غضبًا. لم يكن خيبة أمل. كان… قبولًا.
قال:
— جيد.
آيل نظر إليه. ابتسم ابتسامة صغيرة، مرتعشة. كانت أول ابتسامة له منذ ساعات.
سيبرو كان لا يزال واقفًا بين الجثث. نظر إليهما. قال بصوته الأجش:
— الآن. الفرع الثالث. لا نعرف ما ينتظرنا. لكننا سنذهب معًا.
نظر إلى سون.
— أنت القائد.
نظر إلى آيل.
— وأنت… لا تهرب هذه المرة.
آيل هز رأسه.
— لن أهرب.
بدأت الساعات تنبض بضوء أزرق أقوى. جسد سون بدأ يتحول إلى ضوء. ثم سيبرو. ثم آيل.
في الثانية الأخيرة قبل أن يختفوا تمامًا، نظر سون إلى الغابة من حوله. إلى الجثث الثلاث التي تركها وراءه. إلى الظلال التي بدأت تبتلعها.
كان يعرف أن هذه الجثث ستتبعه. ليس كأشباح. كذكريات. كأوزار.
لكنه كان مستعدًا لحملها.
همس لنفسه:
— غاندي. سألقاك. ليس اليوم. لكنني سألقاك. وسأري من الأقوى.
ثم اختفى
على ارتفاع اثني عشر ألف متر، كانت الطائرة تحلق في صمت تام. لا أضواء تحذير، لا صفارات إنذار. فقط همهمة المحركات الخافتة التي تخترق طبقات الجليد.
في المقصورة الخلفية، وقفت بلاك داون أمام النافذة البانورامية. كانت ترتدي زياً أسود بالكامل، وشعرها الأسود الطويل منسدلاً على كتفيها كالشلال. وجهها كان شاحباً، ملامحه حادة كالسكين، وعيناها سوداوان بلا بياض—عينان تنتميان إلى عالم آخر.
خلفها، على بعد خطوتين، وقف راغنا. كان أطول منها بدرجة، ذراعاه متقاطعتان خلف ظهره، ونظاراته السوداء تخفي عينيه. كان يرتدي بدلة رمادية أنيقة، متناقضة مع وحشة المكان.
بلاك داون لم تلتفت. كانت تنظر إلى الأسفل، إلى السحب التي تخفي ما تحتها. إلى الغابة التي لا تزال تبتلع الأطفال الأحياء.
قالت بصوت بارد، جاف:
— ما الأخبار؟
راغنا لم يتردد. أجاب بصوت احترافي، كمن يقرأ تقريراً:
— كل شيء على ما يرام. يتم تقليص العدد والتخلص من الضعفاء حسب الخطة. لقد أكمل معظم الفرق الفرع الثاني. لم تبقَ سوى بضع دقائق، ثم يبدأ الفرع الثالث.
بلاك داون أومأت برأسها ببطء. لم تظهر أي رضا. لم تظهر أي شيء.
ثم قالت، وكأنها تفكر بصوت عالٍ:
— هذا العام… يوجد الكثير من الأقوياء. هذا ما أخبرني به المعلمون.
راغنا أومأ:
— نعم. وأنا أيضاً شعرت بذلك. إنهم يمتلكون مهارات نادرة.
صمتت للحظة، ثم أضافت بحذر:
— كم حسب رأيك سينجح هذا العام؟
. قال:
— حوالي عشرون مختبراً. أو أكثر.
توقفت. ثم التفتت إلى راغنا. نظرتها لم تكن غاضبة. كانت أسوأ: كانت فضولية.
— ماذا؟ — قالت — هذا كثير.
ابتسمت. لكن الابتسامة لم تصل إلى عينيها.
— إذا كنت أنت تظن هكذا… إذاً الفرع الثاني من الاختبار كان سهلاً.
رفعت ذقنها قليلاً، ونظرت إلى السقف المعدني للطائرة، كأنها ترى شيئاً لا يراه غيره.
— يجب أن أرفع شدة الصعوبة.
راغنا توقف. كان يعرف هذه النبرة. كان يعرف ما يليها.
قال بسرعة، لكن صوته كان لا يزال محترماً:
— ماذا تريدين أن تفعلي؟
بلاك داون أدارت ظهرها للنافذة. عيناها السوداوان التقتا بنظارتي راغنا السوداوان. للحظة، كانا يبدوان كمرآتين تواجهان بعضهما.
قالت:
— ألغي الفرع الثالث.
صمت راغنا. لم يتوقع هذا.
— سننتقل مباشرة إلى الفرع الرابع. — تابت بلاك داون — وألغي الخطة A. سنمر مباشرة إلى الخطة B.
راغنا تراجع خطوة. لم يكن خوفاً. كان احتجاجاً.
— سيدة بلاك داون… هذا خطير جداً. أعتقد أننا سنتسرع قليلاً.
بلاك داون لم تغير تعبيرها. قالت بهدوء:
— نفذ الأوامر.
ثم أضافت، وكأنها تذكر بشيء ثانوي:
— أيضاً، قل للمعلمين أن مهمتهم انتهت. يجب أن يعودوا إلى المنظمة.
راغنا لم يتحرك. كان يعرف أن الجدال معها مستحيل. لكنه حاول مرة أخرى، بصوت أكثر احتراماً، لكنه أكثر إلحاحاً:
— بلاك داون… معظم المختبرين لم يتقنوا مهارتهم بعد. يحتاجون إلى التدريب أكثر. أعتقد أنه يجب…
لم يكمل.
لأن بلاك داون نظرت إليه.
نظرة واحدة.
وخرجت هالة من جسدها.
كانت هالة قتل.
شعر راغنا بها قبل أن يراها. شعور غريزي، قديم، يعود إلى عصور كان فيها البشر مجرد فريسة. شعور يقول: اهرب. الآن.
لكن جسده لم يتحرك. لم يستطع. كان الهواء من حوله قد تحول إلى جليد، أو إلى أسمنت، أو إلى شيء لا يسمح بالحركة.
وقفت بلاك داون أمامه، لم ترفع يدها، لم تهدده، فقط وقفت. لكنها كانت كمن يقف على قبر.
قالت بصوت منخفض، كل كلمة فيه تزن جبلاً:
— راغنا. نفذ الأوامر. ولا تتدخل في ما لا يعنيك.
راغنا كان يريد أن يقول شيئاً. أن يقول إن سيد أكاي أوصى بأن يدربوهم على مهارتهم قبل بدء الاختبارات. أن هذا سيكون مخالفاً لأوامر الرئيس. أن هذه قد تكون كارثة.
لكن الكلمات ماتت في حلقه.
لأن هالة بلاك داون ازدادت.
شعر كأن ألف سكين تلامس جلده. ليس تؤلمه. فقط تذكره بأنها تستطيع أن تؤلمه. في أي لحظة. بأي طريقة.
تراجع راغنا خطوة. لم يكن خائفاً. راغنا لا يخاف. لكن جسده كان يعرف ما لا يعرفه عقله: أن هذه المرأة ليست إنساناً عادياً.
أحنى رأسه.
— أنا آسف. سأنفذ الأوامر.
اختفى الهالة فجأة. كأنها لم تكن موجودة.
بلاك داون أدارت ظهرها، وعادت لتقف أمام النافذة. نظرت إلى السحب مجدداً.
قالت بصوتها البارد:
— أبلغني عندما ينتهي الفرع الثاني.
راغنا لم يرد. انصرف بصمت، تاركاً إياها وحدها مع السحب والوحدة التي تناسبها.