كانت السماء تمطر جثثًا.

هذا ما رأته الطيور تلك الليلة، لو كانت هناك طيور تجرؤ على الاقتراب. كانت الهليكوبتر تحوم فوق الغابة مثل ذباب عملاق من حديد، دواراتها تشق الهواء بعنف، تصدر صوتًا يشبه دقات طبول الموت. ثم بدأت الجثث تسقط.

ليس جثثًا ميتة — بل جثثًا حية، ملفوفة بإحكام في قماش أسود سميك، مقيدة بسلاسل ضخمة تتدلى من بطن المروحيات. كانت تنزل ببطء في البداية، ثم فجأة تكتسب سرعة، تسقط نحو الأرض كالحجارة. وعندما كانت على وشك التحطم، على بعد أمتار قليلة من قمم الأشجار، كانت المضلات العملاقة تنفتح فجأة، كأجنحة شياطين تفتح في آخر لحظة، فجعلت الهبوط أشبه برقصة موت بطيئة، جثًا تتأرجح في الهواء بين الأشجار، سلاسلها تصطدم بجذوع الأشجار القديمة، تاركة ندوبًا عميقة في اللحاء.

لا أحد يعلم ما تلك الجثث.

لا أحد يعلم أن في داخل كل واحدة منها قلب ينبض بعنف، وعينان مفتوحتان على اتساعهما في الظلام، تنتظران لحظة الخروج.

نزلوا وهم لا يعلمون إن كانوا سيخرجون أحياء من هذه الغابة أم ستصبح قبورهم تحت أقدام المتنافسين.

وكانت بلاك داون، المشرفة الرئيسية على الاختبار، واقفة على قمة تل بعيد، تنظر إلى السماء الممطرة جثثًا، وشفتاها ترتسمان بابتسامة لم تكن ابتسامة بشر.

في مكان بعيد، في أقصى طرف الغابة الشرقي، حيث الأشجار أقدم وأعتم، بدأ الهواء يهتز.

اهتزاز خفيف أولاً، كرجفة خفيفة على سطح الماء. ثم اشتد، حتى صار الأكسجين نفسه يبدو كثيفًا، ثقيلاً، كأن المكان يتهيأ لاستقبال شيء ما.

وفجأة، ظهروا.

ثلاثة أشكال، كأنها نسجت من الظلام نفسه، انبثقت من فراغ ساخن. استقروا على الأرض بخطوة واحدة، كمن كانوا هناك دائمًا ولم يغادروا أبدًا.

سون كان أولهم من فتح عينيه.

سون نظر حوله، وشم الهواء، ثم أغمض عينيه للحظة. عندما فتحهما، كانت النظرة مختلفة.

سون: "أعتقد أن الفرع الثاني قد اكتمل."

صوته كان هادئًا، لكنه كان هادئًا بتلك الطريقة التي تسبق العاصفة. كصمت البحر قبل المد العاتي.

إلى جانبه، سيبرو كان لا يزال جالسًا على الأرض، لم ينهض بعد. فتح عينيه ببطء، كمن يستيقظ من حلم ثقيل.

سيبرو: "لم أفهم شيئًا. أعتقد هذا المكان مشابه لنفس المكان الذي كنا فيه، لكن هنا عتمة أكثر. لم أفهم لماذا يتم إرسالنا من مكان إلى آخر، وهو نفس المكان في النهاية."

صوته كان خفيضًا، لكنه كان يحمل نبرة حذرة. دائمًا حذرة. كمن اعتاد أن لا يثق بالظلال حتى.

أما آيل، فكان يقف منفردًا قليلًا، كأنه لا يريد أن يزعج أحدهما بوجوده.

آيل نظر إلى السماء من بين أغصان الأشجار، رأى ظلال المروحيات البعيدة، ثم قال:

آيل: "يمكن أن الغابة كبيرة، وكل جزء مخصص لاختبار ما."

نظر سون إلى آيل، ثم أغمض عينيه مرة أخرى. هذه المرة أغمضهما طويلاً، كمن يحاول أن يشعر بشيء لا يمكن رؤيته.

وعندما فتحهما، تغير كل شيء.

سون: "لا... لقد تغير كل شيء."

صوته لم يعد هادئًا. كان فيه نبرة جديدة — نبرة القلق. وهذا وحده كان كافيًا ليجعل سيبرو ينهض فجأة، وآيل يشيح بجسده إلى الخلف قليلًا، كمن يستعد لشيء ما.

سون: "في الفرع الثاني، تم تقليص الغابة. لقد شعرت بذلك. كنت أشعر أن الغابة لها حد ما. لذلك استطعنا أن نقابل الكثير من الفرق، رغم أن الوقت كان محدودًا."

توقف. نظر إلى الأشجار من حوله، إلى الظلال التي بدت أطول مما ينبغي، إلى الجذوع التي بدت أسمك، أعلى، أقدم.

سون: "أما الآن... فقد أشعر أن الغابة أصبحت بلا نهاية. لقد اتسعت. ولا أشعر بهالة أي فريق. أي فريق على الإطلاق."

صمت للحظة.

سون: "وهذا يدل على تغيير جذري في المكان. لكن لا أدري ما الذي تغير بالضبط. ولا أدري... ولا أدري إن كنا وحدنا حقًا أم أن هناك ما هو أسوأ من الفرق ينتظرنا."

ساد صمت ثقيل بين الثلاثة. صمت الغابة كان مختلفًا الآن — لم يكن صمتًا خاليًا، بل صمتًا مليئًا بآذان صاغية، بأعين لا تُرى، بأنفاس تحبس في الظل.

سيبرو كان أول من كسر الصمت:

سيبرو: "معك حق."

لم يقل أكثر من ذلك. لم يكن بحاجة إلى أكثر. فسيبرو كان دائمًا قليل الكلام، وكلماته القليلة كانت كالسهام — لا تطلق إلا عندما تصيب.

آيل تنفس بعمق. كان يعلم أن هذه اللحظة لا بد أن تأتي. كان يعلم أن ما حدث في الفرع الثاني لا يمكن أن يمر دون أن يُحسم. أدار وجهه نحو سون، ثم نحو سيبرو، ثم عاد إلى سون. كانت يداه ترتجفان قليلًا — ليس من الخوف، بل من الإدراك.

آيل: "دعنا نتفاهم الآن ونتفق."

صوته كان واضحًا، رغم الارتعاش الخفي فيه. كان آيل دائمًا هكذا — يخاف، لكنه لا يتراجع.

آيل: "بما أننا انتقلنا إلى هنا معًا، هذا يعني أن الفرع الثالث يعتمد أيضًا على الفريق. سيكون اتخاذ القرار هو قرار الأغلبية."

نظر إلى سون مباشرة في عينيه.

آيل: "سون... أرجوك أن تفهم ذلك."

توقف لحظة.

آيل: "آسف."

الكلمة كانت صغيرة، لكنها حملت وزنًا كبيرًا. آيل لم يكن يعتذر عن شيء فعله، بل كان يعتذر عن شيء سيفعله — عن كسر نمط سيطرة سون، عن المطالبة بحق التصويت،

صمت سون.

صمت طويل.

الغابة من حولهم بدأت تتحرك — حفيف أوراق، زحف حشرات، صراخ طائر بعيد. لكن بين الثلاثة، كان الصمت هو الأكثر صوتًا.

ثم، فجأة، تغير وجه سون.

لم يكن تغيرًا عنيفًا، بل كان تغيرًا بطيئًا، كذوبان الجليد في الربيع. انفرجت ملامحه القاسية قليلًا، واختفى ذلك التوتر الدائم الذي كان يعلو وجنتيه. نظر إلى آيل، ثم إلى سيبرو، ثم عاد إلى الأرض.

سون: "لا بأس. لم أعد أهتم بذلك الفتى."

رفع عينيه.

سون: "سأركز فقط على الاختبار هذه المرة. لا تعتذر... فالوحيد المخطئ هو أنا. أنا من يجب عليه أن يعتذر."

آيل فتح فاه مندهشًا. حتى سيبرو، الذي كان واقفًا كالتمثال، حرك رأسه قليلًا في علامة عدم تصديق.

سون: "اتبعت غريزتي بالبحث عن الأقوى، ونسيت الاختبار. وأيضًا كنت أنانيًا، ولم أترك لكما مجالًا للتعبير."

ابتسم ابتسامة مرة، كمن يذوق طعم الفشل لأول مرة في حياته.

سون: "كنت أظن أن القيادة تعني أن تكون الأقوى. لكن... لا يبدو أن الأمر كذلك."

صمت سيبرو للحظة. ثم، ببطء، تحرك. خطا خطوة نحو سون، ووقف أمامه. كان الفارق بينهما واضحًا — سون أطول منه بنصف رأس تقريبًا، وأوسع كتفين. لكن وقفة سيبرو لم تكن وقفة من هو أصغر، بل وقفة من لا يهاب شيئًا.

سيبرو: "لا بأس يا سون."

صوته كان خفيضًا، لكنه كان يحمل نبرة لم يسمعها سون من قبل — نبرة صدق عارٍ.

سيبرو: "كنت أثق بك وقتها. واعتقدت أنك ستنهي الفرع في الدقائق الأخيرة لأنه... لو لم تفعل، لن أخفي عليك."

توقف.

سيبرو: "كنت قد قتلتك يا سون."

الجملة سقطت كالصخرة في الماء الهادئ.

لكن سون لم ينفعل. بل على العكس، ابتسم. ابتسامة عريضة، صادقة، كمن سمع أفضل خبر في حياته.

سون: "أوه... هذا جيد."

نظر إلى سيبرو بعينين تتقدان.

سون: "أنت خصم قوي جدًا، وهذا يشرفني مواجهتك يا سيبرو. رغم أنني أعلم جيدًا أنك لم تظهر شيئًا من قوتك، وأعلم أنك تفوقني من حيث المهارة... لكن سوف نتواجه يومًا ما. أعدك."

كان هناك شيء طفولي في حماس سون، شيء يشبه الولد الصغير الذي يرى لعبة جديدة في واجهة متجر. لكن في عينيه، كان هناك أيضًا شيء آخر — شيء أعمق. تقدير حقيقي. احترام نادر.

آيل: "أنت مجنون حقًا... ومهووس بالقتال يا سون."

لكن في صوته، لم يكن هناك خوف ولا استنكار. كان هناك شيء أقرب إلى... الإعجاب.

تن تن تن...

من الساعة

"تهانينا... تهانينا للناجحين."

صوت النظام كان باردًا، آليًا، لكنه كان يحمل في طياته شيئًا من السخرية. كمن يبارك شخصًا على نجاته من حفرة سبق أن حفرها له.

"لقد انتهى الفرع الثاني من الاختبار الأول. الآن سوف ننتقل إلى الفرع الأخير — الفرع الرابع — بما أنه تم التخلي عن الفرع الثالث تحت أوامر المشرفة الرئيسية على الاختبار، السيدة بلاك داون."

عند سماع اسم "بلاك داون"، شعر الثلاثة بقشعريرة تسري في ظهورهم. ليس لأنهم سمعوا عنها شيئًا — بل لأنهم لم يسمعوا. كل ما كانوا يعرفونه هو أن هذه المرأة مخيفة .

"سوف أفسر لكم قواعد الفرع الرابع الذي سوف يدوم خمسة أيام ونصف، أي ما يعادل 135 ساعة."

خمسة أيام ونصف.

مئة وخمس وثلاثون ساعة.

"الشروط: هذه المرة هدفكم هم مجرمون من تصنيف D. لقد تم وضعهم في الغابة. كل مجرم يحمل نقطة واحدة. وشرط نجاح الفرع هو نقطتان — أي يجب على الفريق قتل مجرمين اثنين للنجاح."

"لكن هذه المرة لا يهم إن قُتل أحد أفراد الفريق، حتى لو اثنين. المهم أن الناجي يحمل نقطتين."

صمت النظام للحظة، كمن يترك الكلمات تترسب في أذهانهم.

"إذا كان فريق متكونًا من ثلاثة أفراد A وB وC: إذا قتل A مجرمًا وحده، فسيأخذ نقطة، وB وC يأخذان كل واحد منهما نقطة، حتى لو لم يشاركا في القتال."

وقف الثلاثة في صمت تام.

كانت القواعد واضحة، لكنها كانت تحمل في طياتها شيئًا مريبًا. لماذا هذا التسهيل؟ لماذا يكافئ النظام الفريق كله على عمل فرد؟ هناك شيء ما... شيء لا يقولونه.

"الرجاء تحذير: يجب التركيز على الهدف قبل الانقضاض. فكلهم خطرون. يمكن أن يقتلوكم بسهولة تامة."

ثم اختفى الصوت.

وترك خلفه صمتًا ثقيلًا كالرصاص.

سون كان أول من تحدث:

سون: "لقد ارتفع مستوى الاختبار حقًا. سوف نبدأ مباشرة بالمجرمين. هذا أمر خطير."

لكن في صوته، لم يكن هناك خوف. كان هناك... حماسة.

سيبرو تحرك قليلًا، كمن يريد أن يقول شيئًا، ثم تردد. لكنه في النهاية قال:

سيبرو: "أنا متحمس قليلًا. أريد أن أختبر مهارتي على شخص قوي. لقد شعرت بالملل في الفرع الثاني. كان سهلًا جدًا، وكل الفرق التي قابلناها كانت ضعيفة جدًا."

آيل نظر إليهما بقلق.

آيل: "يجب أن نضع خطة."

لكن سون لم يسمع. أو ربما سمع، لكنه اختار ألا يرد.

بدأ يمشي.

خطواته كانت ثقيلة على الأرض الرطبة، تاركة آثارًا عميقة. كان يمشي وكأن الغابة ملك له، وكأن الأشجار يجب أن تزيح له الطريق. تبعه سيبرو بصمت، يداه في جيوبه، عيناه تمسحان كل زاوية، كل ظل.

سون (من دون أن يستدير): "تحرك يا آيل. لا نحتاج خطة. سنقتل كل من يعترض طريقنا من مجرمين."

آيل: "ألم تسمع ما قاله النظام؟ إنهم خطرون للغاية."

توقف سون فجأة.

أدار رأسه ببطء، ونظر إلى آيل من فوق كتفه. في عينيه، كان هناك ذلك البريق — بريق الجنون الهادئ.

سون: "لا تهتم. فقط اتبعني. سأحميك."

ثم عاد إلى المشي.

آيل وقف مكانه للحظة، يتنفس بصعوبة. الكلمات التي قالها سون كانت بسيطة، لكنها حملت وزنًا. "سأحميك" — من سون، هذه الكلمات كانت أكثر من وعد. كانت تحديًا للعالم كله.

تنهد آيل، ثم تبعه.

ساعة.

ساعتان.

ثلاث ساعات.

لم يجدوا شيئًا.

لا مجرمين. لا فرق. لا أثر لأي إنسان.

الغابة كانت تمتد أمامهم بلا نهاية، أشجار متشابهة، ظلال متشابهة، صمت متشابه. كانوا يمشون في دائرة؟ كانوا يمشون إلى الأمام؟ لا أحد يعلم. لم تكن هناك شمس لتدلهم على الاتجاهات، فقط ظلام دامس، وظلال أطول من أي ظل رأوه في حياتهم.

سون توقف فجأة، وضرب بقبضته على جذع شجرة قريبة. اهتزت الشجرة بعنف، وتطاير اللحاء في كل اتجاه.

سون: "لقد تعبت منذ ساعات ونحن نبحث، لكن لا جدوى. لم نقابل أي أحد. لا فرق، ولا مجرمين."

سيبرو كان جالسًا على صخرة مسطحة، ينظر إلى الغابة بعينين نصف مغمضتين. كان هادئًا، هادئًا جدًا. هادئًا بطريقة تجعل من يراه يشعر أن هذا الطفل ليس جالسًا هنا فحسب، بل هو جزء من هذه الغابة،

سيبرو: "بالطبع سوف يجيدون الاختباء. لن يظهروا أنفسهم علنًا."

آيل: "نعم. فمن المتوقع أنهم راهنوا مع المشرفة على شيء ما. يمكن أن من ينجو عند اكتمال الفرع الرابع، أو من يقتل أكثر، يكسب حريته. هذا أمر بديهي."

سون: "هل هم أقوياء يا ترى؟"

نظر سون إلى الغابة بعينين تتقدان شوقًا.

سيبرو وقف فجأة.

لم يقف بحركة عادية — بل وقف كمن يطلق سهمًا من قوس. في لحظة، كان جالسًا، وفي اللحظة التالية، كان واقفًا، جسده متوترًا، عينيه مثبتتين على سون.

سيبرو: "سون، سأحذرك."

صوته كان مختلفًا الآن. لم يعد خفيضًا ولا هادئًا. كان صلبًا، حادًا، كحافة السكين.

سيبرو: "هم ليسوا أشخاصًا للعب معهم. إنهم خطرون جدًا. تصنيف D... أنا أعلم مدى قوة هذا الصنف."

توقف.

تنفس بعمق.

سيبرو: "لقد واجه أخي أحد أفراد عصابة بهذا التصنيف... وقد خسر يده اليمنى وعينه اليمنى."

صمت.

الغابة من حولهم بدأت تصدر أصواتًا جديدة — كأنها تتنفس، كأنها تترقب.

آيل: "أوه... أعتقد أنه تألم كثيرًا."

كان تعليق آيل بسيطًا، لكنه كان صادقًا. لم يحاول أن يخفف الموقف، ولم يحاول أن يغير الموضوع. فقط اعترف بالألم، وهذا وحده كان كافيًا.

سون نظر إلى سيبرو لفترة طويلة. ثم، وبصوت لم يكن فيه شيء من جنونه المعتاد، سأل:

سون: "سيبرو... ماذا يعمل أخوك حتى أدى به إلى مواجهة هذا الشخص؟"

تغير وجه سيبرو.

لم يكن تغيرًا واضحًا — لم يتجهم، لم يعبس، لم يصرخ. لكن شيئًا ما في عينيه انطفأ. أو ربما اشتعل. كان من الصعب تحديده.

سيبرو: "لا شيء."

سون: "أرجوك تكلم يا سيبرو. أريد أن أعرف ماضيك، وما هو هدفك من الانضمام إلى المنظمة."

سيبرو: "ليس لي هدف."

سون خطا خطوة نحو سيبرو. لم تكن خطوة تهديد، بل خطوة إصرار.

سون: "تكلم... وأرحني."

صمت سيبرو طويلاً.

كان واقفًا كالتمثال، عيناه مثبتتان على الأرض، يداه مشبوكتان خلف ظهره. الغابة من حوله بدأت تتلاشى، كأنها تذوب في ظلام ذاكرته.

وعندما بدأ يتكلم، كان صوته مختلفًا.

لم يكن صوته المعتاد — الخفيض، الحاد، المقتصد. كان صوتًا آخر. صوتًا أقدم. صوتًا كان مدفونًا تحت طبقات من الصمت والنسيان، والآن كان يصعد إلى السطح، حاملاً معه وحلًا من الذكريات.

سيبرو: "أنا من المغرب."

الجملة الأولى كانت بسيطة. لكنها كانت تحمل في طياتها رائحة البحر، رائحة الأسواق المزدحمة، رائحة الخبز الطازج الذي لا يستطيع شراءه، رائحة الحياة التي تمر من أمامك وأنت جالس على الرصيف تنظر إليها بعيون لا تملك شيئًا.

سيبرو: "فتحت عيني في إحدى شوارع الدار البيضاء الفقيرة. لا أعرف أين. لا أعرف متى بالضبط. كل ما أتذكره هو البرد. برد قارس يخترق العظام، يجعلك تتمنى الموت لكنك لا تستطيع أن تموت لأنك لا تعرف كيف."

رفع عينيه للحظة نحو السماء، لكنه لم يكن يرى السماء. كان يرى شارعًا ضيقًا، منازل متلاصقة كأنها تخاف من بعضها، أطفال حفاة يركضون بين أكوام القمامة، نساء يغطين رؤوسهن يسرن بسرعة كأن الزمن يطاردهن.

سيبرو: "لم أعرف من هو أبي. ولا أمي. كل ما أعلمه هو أخي الذي وجدته إلى جانبي في أحد الأيام. كان أكبر مني... أعتقد بخمس سنوات. لكنه كان يبدو أكبر. كان يبدو كأنه عاش مئة عام. كان ينام وأنا بين ذراعيه، كأنني الشيء الوحيد الذي يمنعه من الانكسار. وكنت أنا... كنت أنام وأنا أشعر بدقات قلبه. دقات تقول: 'أنت لست وحدك. أنت لست وحدك.'"

صوته بدأ يتغير. كان يتكلم ببطء، كمن يمشي على زجاج مكسور، حريصًا على ألا يجرح نفسه أكثر مما هو مجروح.

سيبرو: "كنا متشردين. نعمل نهارًا في السوق — نتسول، ننظف، ننقل البضائع، أي شيء يضع درهمًا في أيدينا. وفي الليل... كنا نسرق. نسرق لنأكل. نسرق لنعيش. لم نكن نسرق من الفقراء — كنا نسرق من الأغنياء الذين يمرون في شوارعنا وكأننا جزء من الأثاث. كنا نسرق من الذين ينظرون إلينا وكأننا قمامة يجب أن تُكنس."

نظر إلى سون فجأة. عيناه كانتا تحترقان.

سيبرو: "لا تنظر إليّ هكذا يا سون. أنت أردت أن تعرف الحقيقة. إذاً اسمع."

عادت عيناه إلى الأرض.

سيبرو: "كنا... أنا وأخي. عمره كان 19 سنة وأنا... لا أذكر كم كان عمري. صغير. صغير جدًا. لكن رغم صغره — رغم أنه كان بالكاد رجلاً — كان أخي يملك قوة كبيرة. ومهارة فريدة. كان كل من يتجرأ ويقف أمامنا يُسحق بسهولة. ليس لأنه كان عنيفًا — بل لأنه كان... ضروريًا. في عالمنا، الضعيف لا يعيش. الضعيف يُؤكل. وأخي رفض أن يأكلونا."

ابتسم ابتسامة مريرة.

سيبرو: "كانت لنا سمعة في الحي. كانوا يعرفون أن 'أولاد الشارع' لا يُعبث بهم. كانوا يهمسون بأسامينا في الأسواق، كأننا أشباح. كنا أشباحًا بالفعل. لا وجود لنا في سجلات الحكومة، لا أوراق ثبوتية، لا هوية. كنا ظلالاً تمشي بين الناس. لكننا كنا ظلالاً تخاف منها الظلال الأخرى."

توقف طويلاً.

الغابة من حوله عادت إلى الوجود — حفيف أوراق، صرير حشرات. لكن سيبرو كان لا يزال هناك، في شارع ضيق في الدار البيضاء، تحت مطر لا يتوقف.

سيبرو: "في أحد الأيام الممطرة... المغرب تمطر فيه السماء كأنها تبكي على حالنا. كانت أمطار غزيرة تغرق الشوارع، تحول الأزقة إلى أنهار من الطين والقمامة. كنا نجلس تحت سقف من الصفيح يتسرب منه الماء في كل مكان. كنت أرتجف من البرد، وأخي كان يلفني بسترته الوحيدة — سترة بالية لا تدفئ شيئًا لكنها كانت كل ما لديه."

رفع يده اليمنى، نظر إليها كأنه يراها لأول مرة.

سيبرو: "جاءني أخي فرحًا."

صوته تغير. أصبح أخف. كأنه يعود إلى تلك اللحظة، كأنه يرى أخاه مرة أخرى، يدخل من باب الصفيح المخلوع، ماء المطر يقطر من شعره، لكن عينيه كانتا تضيئان كأنهما وجدتا كنزًا.

سيبرو: "كان يضحك. لم أره يضحك هكذا من قبل. قال لي: 'اليوم لا مجال للسرقة ولا للتسول. لقد وجدت عملاً.'"

سكت.

تنفس بعمق.

سيبرو: "عمل... بيع المخدرات للطلاب. اتفق مع إحدى العصابات، ووظفوه عندهم."

كلمات "مخدرات" و"عصابات" خرجت من فمه كأنها سم. لكنه لم يقلها باشمئزاز. قالها بتسليم. كمن يقول: "هذه هي الحقيقة. هذه هي الطريقة الوحيدة التي وجدها أخي لينقذنا."

سيبرو: "منذ ذلك اليوم، تغيرت حياتنا. بعد عام، اشترينا شقة صغيرة. صغيرة جدًا — غرفة واحدة، مطبخ ضيق، حمام لا يسع إلا شخصًا واحدًا. لكنها كانت كبيرة في قلوبنا. كانت لنا. كنا نملك شيئًا. كنا نملك جدرانًا تحمينا من المطر، وسقفًا لا يتسرب منه الماء. كنا نملك عنوانًا. لأول مرة في حياتي، كنت أملك عنوانًا."

انكسر صوته قليلًا.

سيبرو: "لقد تغيرت حياتنا إلى الأفضل. أصبحت آكل ما أشتهيه. كنت أقف أمام الثلاجة — ثلاجة! لنا! — وأنظر إليها مذهولاً. كل هذا الطعام. كل هذه الخيارات. كنت أفتح الباب فقط لأشم الهواء البارد. فقط لأتأكد أن هذا حقيقي."

ابتسم ابتسامة طفل صغير. ابتسامة اختفت بسرعة كالبرق.

سيبرو: "حتى أنني فكرت أن أعود إلى الدراسة. كنت أرغب في أن أتعلم القراءة والكتابة بشكل جيد. كنت أرغب في أن أكون شيئًا. أن أصبح إنسانًا. ياله من حلم... ياله من حلم جميل."

صمت.

الغابة من حوله بدأت تضيق. لم تعد أشجارًا، بل جدران شقة صغيرة. لم تعد ظلالاً، بل ذكريات.

سيبرو: "في يوم ما... أتى أحد أفراد العصابة."

صوته تغير. أصبح باردًا. أصبح حجريًا.

سيبرو: "خلع الباب. لم يدق. لم يناد. خلع الباب بيديه العاريتين. كنت نائمًا في غرفتي. سمعت صوت الخشب يتكسر، وسمعت زجاج النافذة يتحطم، وسمعت صوتًا ثقيلًا يدوس على الأرض كأنه فيل. قبل أن أفتح عيني، كانت يده حول عنقي. يده... كانت كبيرة. قاسية. كأنها قطعة حديد."

رفع يده إلى رقبته، كأنه لا يزال يشعر بتلك اليد.

سيبرو: "بدأ يخنقني. كنت أرى ضبابًا أحمر أمام عيني. سمعته يسألني عن أخي: 'أين هو؟ أين الكلب؟' لم أستطع التكلم. لم أكن أعرف حتى لماذا هو غاضب. كنت أعرف فقط أن يده كانت تغلق حول حلقي، وأن العالم كان يتحول إلى أسود، وأنني كنت أموت."

توقف.

سيبرو: "لكنني لم أمت."

فتح عينيه. كانتا جافتين. جافتين كالصحراء. لكن من يعرف سيبرو يعلم أن هذه الجفاف كانت أشد من البكاء.

سيبرو: "جاء أخي. يا إلهي... جاء أخي."

ارتجف صوته.

سيبرو: "وليته لم يأت."

سكت طويلاً.

كان الصمت ثقيلًا، كأن الغابة كلها توقفت عن التنفس لتسمع ما سيقوله.

سيبرو: "لقد دارت بينهم معركة طويلة. لا أتذكر كل التفاصيل. أتذكر الضجيج فقط. ضجيجًا لا يوصف. تكسير الجدران، تحطيم الأثاث، صراخ الرجال. ثم خرجت المعركة إلى الشارع. ثم إلى الحي كله. أتذكر النار... النار في كل مكان. احترق جزء من الحي. عشرات المنازل. . كل ذلك بسببهم. بسبب أخي... وبسبب ذلك الرجل."

رفع عينيه نحو سون. كانت عيناه مبللتين. لم يبكِ، لكنه كان قريبًا.

سيبرو: "لكن أخي استطاع قتله في النهاية."

ابتسامة مريرة.

سيبرو: "انتصار كبير. قتل رجلاً من تصنيف D. لكنه خسر يده اليمنى... وعينه اليمنى."

رفع يده اليمنى أمام عينيه.

سيبرو: "هذه اليد التي كانت تحميني. هذه اليد التي كانت تمسح دموعي عندما كنت صغيرًا. هذه اليد التي كانت تعطيني الخبز الذي سرقته من السوق. خسرها. وعينه التي كانت تراقبني وأنا نائم، التي كانت تحرسني من كل شر. خسرها."

صوته انكسر. انكسر تمامًا.

سيبرو: "أتت الشرطة. قبضوا عليه. حكموا عليه بالسجن المؤبد. ولم يسمحوا لي بمقابلته. لم يسمحوا لي برؤيته ولو مرة واحدة. لم أعرف لماذا. لم أعرف ما سبب تلك المعركة. لم أعرف لماذا جاء ذلك الرجل لقتلنا. لم أعرف شيئًا. كل ما أعرفه أن أخي كان في السجن، وأنني كنت وحدي."

سكت.

لم يبكِ. لكن صمته كان يبكي.

سيبرو: "منذ ذلك اليوم، وأنا أبحث عن وسيلة لأخرجه من هناك. أي وسيلة. أي طريق. بحثت في كل مكان. عملت في كل شيء. نلت في كل باب. لكنني لم أجد شيئًا. لا مال، لا نفوذ، لا وسيلة."

نظر إلى يديه.

سيبرو: "لم أجد شيئًا سوى أن أصبح أقوى."

رفع عينيه.

سيبرو: "إذا كنت قويًا بما فيه الكفاية، إذا أصبحت مشهورًا في فرقة ما، إذا صار اسمي معروفًا في المنظمة... ربما سيسهل عليّ إخراجه. ربما سأجد من يسمعني. ربما سأجد من يفتح لي الأبواب المغلقة."

ابتسم ابتسامة لا تشبهه.

سيبرو: "كانت المنظمة هي الخيار الأنسب لي. ليس لأنني أؤمن بقضيتها. ليس لأنني أريد القوة من أجل القوة. بل لأنها... الطريق الوحيد المتبقي."

ثم، فجأة، قفز.

قفز من مكانه إلى أعلى شجرة قريبة، واختفى بين الأغصان.

وقف سون وآيل في صمت، ينظران إلى المكان الذي اختفى فيه.

سون كان صامتًا. لم يقل شيئًا. لكن في عينيه، كان هناك شيء جديد. شيء لم يكن موجودًا من قبل. كان هناك... فهم. كان هناك... تعاطف.

آيل وقف مكانه، لا يتحرك. كان يريد أن يقول شيئًا، لكنه لم يجد الكلمات. ماذا يمكنك أن تقول لرجل فقد كل شيء، وعاش في الظل، وقاتل ليعيش، ووجد أن الطريق الوحيد للمضي قدمًا هو طريق الدماء؟

الغابة من حولهما بدأت تتحرك من جديد. الحفيف عاد. الأصوات عادت. الحياة عادت.

لكن بين الثلاثة، كان هناك صمت جديد. صمت مختلف. صمت من يفهم بعضهم بعضًا لأول مرة.

سون رفع رأسه نحو الشجرة التي قفز إليها سيبرو. لم ير شيئًا — الظلام كثيف، والأغصان متشابكة. لكنه كان يعلم أن سيبرو هناك، يراقب، يحرس.

سون: "لم أكن أعلم."

همس بها لنفسه أكثر مما قالها لآيل.

آيل: "لا أحد كان يعلم. هذا ما يفعله الناس... يخفون آلامهم خلف وجوههم. كأن إظهار الألم ضعف."

سون: "لكنه ليس ضعفًا."

آيل نظر إلى سون متفاجئًا. لم يتوقع أن يسمع هذه الكلمات من فم سون.

سون: "الضعف هو أن تخاف من ألمك. أن تهرب منه. أن تدعه يتحكم بك. لكن سيبرو... سيبرو لم يهرب. إنه هنا. يقاتل. يحاول."

نظر إلى الغابة.

سون: "هذا ليس ضعفًا. هذا... هذا هو القوة الحقيقية."

صمت لحظة.

سون: "كنت أظن أن القوة هي أن تكون الأقوى في القتال. لكن ربما... ربما هناك أنواع أخرى من القوة."

آيل ابتسم ابتسامة خفيفة.

آيل: "أتعلم يا سون؟ أنت أيضًا تتغير."

سون: "ربما. أو ربما... ربما كنت أعمى ولم أكن أرى."

قفز سيبرو من الشجرة فجأة، نازلاً بهدوء كالقط. هبط على الأرض دون أن يصدر أي صوت تقريبًا.

سيبرو: "هناك شيء يتحرك. على بعد حوالي كيلومترين شمالًا. ليس إنسانًا واحدًا. ثلاثة... أربعة... لا أستطيع التأكد. لكنهم يتحركون بسرعة. بسرعة غير طبيعية."

نظر إلى سون.

سيبرو: "ربما هم المجرمون."

ابتسم سون. تلك الابتسامة التي يعرفها آيل جيدًا — ابتسامة الصياد الذي شم رائحة الفريسة.

سون: "أخيرًا."

لكن قبل أن يتحرك، توقف.

نظر إلى سيبرو.

سون: "هذه المرة... سنفعلها معًا. لا أتقدم وحدي. لا قرارات فردية. معًا."

سيبرو نظر إليه طويلاً. ثم أومأ برأسه.

سيبرو: "معًا."

آيل وقف بينهما، شعر فجأة أن شيئًا ما تغير. أن هذه اللحظة، هذه اللحظة بالذات، كانت لحظة تحول. ليس فقط في الاختبار، بل في علاقتهم. في من هم.

آيل: "إذن... ماذا نفعل؟"

سون نظر إلى الشمال، حيث الظلام كان أكثر كثافة، حيث الأشجار كانت تبدو أكثر شراسة.

سون: "نذهب لرؤية من هم. نعرف قوتهم. نخطط. ثم... نضرب."

سيبرو: "وإن كانوا أقوياء جدًا؟"

سون: "فنحن أقوى."

آيل: "وإن كانوا أكثر منا؟"

سون: "فنحن أسرع."

سيبرو: "وإن كانوا أسرع؟"

سون ابتسم.

سون: "فنحن... أكثر ذكاءً."

نظر إلى آيل.

سون: "أليس كذلك؟"

آيل ابتسم رغم نفسه.

آيل: "أجل. أجل، نحن كذلك."

وبدأ الثلاثة في التحرك.

خلال الظلام، بين الأشجار العظيمة، تحت سماء لا ترى فيها نجومًا، ساروا معًا. سون في المقدمة، خطواته واثقة. سيبرو خلفه بقليل، عيناه تمسحان كل اتجاه. وآيل في الخلف، يحمل حقيبته، يعرف أن دوره لم يأتِ بعد — لكنه سياتي. سياتي حتمًا.

الغابة من حولهم كانت تتسع، تبتلعهم، تغمرهم.

لكنهم لم يكونوا خائفين.

لأول مرة، لم يكونوا وحدهم.

2026/03/24 · 92 مشاهدة · 3775 كلمة
Foha
نادي الروايات - 2026