في قارة غايا – ممكلة غريمر (المقام الثالث)
طـرررق! طـرررق! طـرررق!
طـرررق!
ضرب ليفان مؤخرة رأسه بالجدار الحجري للمرة الرابعة، محاولاً التشويش على الألم الذي يمزق جمجمته. لم يكن ألماً عادياً، بل كأن آلاف الإبر تُغرس في قشرة دماغه من الداخل وتنهش وعيه.
'مؤلم... مؤلم! اللعنة متى ينتهي هذا؟'
صرخ في داخله، غارساً أصابعه المرتجفة في صدغيه محاولاً استيعاب هذا العذاب.
أسند ظهره إلى الجدار لتخفيف الضغط عن جسده. شاب بالكاد أتم عامه الثامن عشر، بشعر أسود فوضوي ملتصق بجبينه المتعرق، وعينين رماديتين غائمتين من شدة الوجع.
في الزاوية المقابلة من الزنزانة الضيقة، تكور رومو ذو الشعر البني الغامق على نفسه. جسده النحيل يرتجف بعنف، يعض على قطعة من القماش الخشن ليمنع نفسه من الصراخ.
بينما جلست إينا على حافة السرير الحديدي تتنفس بصعوبة. غرزت هي أيضا أصابعها بقوة يائسة بين خصلات شعرها الأحمر وكأنها تحاول اقتلاع الألم من جذوره.
لقد أتم الثلاثي عامهم الثامن عشر هذا العام، لكنهم الآن يتشاركون نفس العذاب في هذه الزنزانة الخانقة. لم يعد هناك مجال للشك. أعراض لعنة الهاوية بلغت ذروتها، وباتت تنهش أجسادهم بشراسة.
أطبق ليفان جفنيه بقوة، وخرجت الكلمات من حلقه مبحوحة ومثقلة بالوجع.
"الألم يزداد... العروق السوداء بدأت تظهر بوضوح على يدي. إنه اليوم، أليس كذلك؟"
فتحت إينا عيناً واحدة بصعوبة. راقبت الأوردة الداكنة التي برزت تحت جلدها، وردت بصوت متقطع.
"أعراض اللعنة في ذروتها... الهاوية ستسحبنا في أي لحظة."
الهاوية... الكلمة التي تبث الرعب في قلوب العالم بأكمله.
وسط هذا الألم الممزق، طافت في رأس ليفان تلك الحقيقة القاسية التي دمرت حياته. لم يكد العالم يتذوق طعم السلام بعد كوارث متعاقبة، حتى انشقت الأرض قبل قرنين من الزمان. ظهرت تلك الهاوية المجهولة، ومعها انطلقت طاقة غريبة في الهواء.. طاقة الزن.
منذ ذلك اليوم، أصبح كل بشري يولد وفي جسده تلك الطاقة، لكنها تظل خاملة.. نائمة لا تفعل شيئاً.
لم تكن الهاوية مجرد شق على الأرض، بل بدأت تُخرج وحوشاً مرعبة إلى السطح. كان الصمود أمامها شبه مستحيل، وكادت البشرية أن تنهار لولا أولئك الذين سحبتهم الهاوية واستطاعوا النجاة. عادوا بقدراتهم المستيقظة، ليصبحوا "الدروع البشرية" التي تقف اليوم بين العالم والفناء.
الهاوية تختار ضحاياها عشوائياً. تسحبك من مكانك إلى عمقها المجهول.. لا أحد يذهب إليها بإرادته، هي من تسحبك.. هي من تختارك.
والقاعدة هناك بسيطة وقاسية.
بمجرد أن تسحبك الهاوية، تتقبلك اللعنة، ويستيقظ الزن الخامل في جسدك ليمنحك قدرة استثنائية تواجه بها الموت. إن استطعت النجاة والعودة حياً، ستعود بتلك القدرة لتبقى معك.. وتصبح مسؤوليتك أن تطورها.
أما إن مت هناك.. تنتهي حياتك ببساطة، وتُسلب منك اللعنة لتنتقل إلى شخص آخر لاحقاً.
تراخت ملامح ليفان قليلاً. وسط كل هذا الخراب، تسللت ابتسامة ساخرة ومريرة إلى شفتيه الشاحبتين.
'أنا آسف يا عم أدم... يبدو أنني سأموت اليوم.'
مر شريط حياته القصير في ومضة داخل رأسه. طفل منبوذ يُلقب بـ الفتى الملعون في قريته، ثم عبد نكرة. ولأن القدر يعشق السخرية منه، بمجرد أن ظهرت عليه تلك العروق السوداء الملعونة، سحبوه إلى هذا السجن الانفرادي البارد مع مئات المراهقين المصابين مثله، بانتظار أن تبتلعهم الهاوية للأسفل.
'ياله من قدر مضحك... حسناً، ربما تكون الهاوية أرحم منهم حقاً.'
"لا أريد... الذهاب."
خرجت الكلمات من بين أسنان رومو المطبقة وهو يضغط بكفه على وجهه.
"لا أريد قدرات... أريد فقط... أن أعيش."
أدارت إينا رأسها الثقيل نحوه بصعوبة.
"الهاوية... لن تمنحك هذه الأمنية."
توقفت لتسحب أنفاسها المتسارعة، ثم التفتت لتراقب وجهيهما وتابعت بحزم رغم ضعفها.
"اسمعوا... فور أن ننتقل... يشرح كل منا قدرته للآخر. سننجو كفريق... هذه طريقتنا الوحيدة للنجاة هناك."
في الطابق العلوي للسجن، غرقت غرفة المراقبة المركزية في إضاءة زرقاء خافتة. عشرات الشاشات الرقمية تنقل بثاً مباشراً من زنزانات الجناح السفلي حيث يُحتجز المصابون باللعنة.
وقف المشرف فالير، بملامح حادة وزي عسكري أنيق، يراقب الشاشات بصرامة. خلفه وقف مساعده الشاب يمسك بلوح إلكتروني ويداه ترتجفان.
ابتلع المساعد ريقه بصعوبة، مسنداً يديه المرتجفتين على حافة لوحة التحكم.
"سيدي، الإشارات الحيوية لسبعمائة مراهق وصلت إلى الحد الأقصى. خمسمائة في الجناح السفلي، ومائتان في المبنى الشرقي. السحب الجماعي سيحدث في أي لحظة."
عقد فالير ذراعيه خلف ظهره، وعيناه تراقبان الشاشات ببرود.
"مائة وخمسون سيصمدون إذا كان الوميض أخضر، وربما خمسون فقط إذا كان أزرق أو أصفر. جهزوا فرق الاستقبال الطبي. من يعود حياً وتستيقظ طاقته سنحتاجه للمهام القادمة."
كان المجمع مقسماً بطبقية قاسية. في الطوابق السفلية الكئيبة، تكدس خمسمائة من المنسيين والعبيد القادمين من الضواحي، أولئك الذين طالتهم علامات اللعنة. بينما في مبنى آخر منفصل تماماً في الجهة الشرقية، استقر مائتان من أبناء النبلاء.
أدار فالير رأسه نحو شاشات الجناح الشرقي الفاخر، وضاقت عيناه.
"أبناء العائلات النبيلة هناك مدربون ومجهزون بقطع أثرية تضمن بقاءهم. أما هؤلاء العبيد... فليس لديهم سوى أسلحتهم الخفيفة وحظهم."
ورغم هذا التفاوت الشاسع في المكانة والتجهيزات، إلا أن الهاوية لا تميز بين ألقابهم. الجميع سيُسحب إلى نفس الجحيم، ويواجه ذات الخطر.
مسح المساعد العرق عن جبهته وأومأ موافقاً.
"نحن ننتظر تحديد لون الوميض لمعرفة مستوى الخطر الآن."
فجأة، دوى إنذار حاد في الغرفة.
أضاءت جميع الشاشات دفعة واحدة. انحنى فالير يترقب اللون المنتظر.
لكن ما رآه جعله يتجمد في مكانه. سقط اللوح الإلكتروني من يد المساعد وتحطم على الأرض.
لم يكن الوميض أخضر. ولم يكن أزرق أو أصفر.
كان وميضاً أحمر قرمزي. أحمر بلون الدم النقي يتوهج من كل زنزانة كأنه نار جهنمية.
سقطت ملامح البرود عن وجه فالير وحلّ مكانها شحوب مرعب. حدق في الوميض الذي صبغ الغرفة، واتسعت عيناه بذهول.
"أحمر؟"
خرج صوته مخنوقاً، ثم انفجر بصرخة فقدت السيطرة وهو يطيح بكل ما فوق مكتبه بجنون.
"اللعنة! تباً تباً... هذا مستحيل!"
تراجع للخلف ليتعثر بكرسيه، وأنفاسه تتسارع بحدة.
اندفع المساعد نحو لوحة التحكم وهو يصرخ بهلع.
"سيدي! الوميض الأحمر! لقد سُحبوا!"
ضرب فالير الطاولة بقبضته حتى تصدعت، وصرخ في وجه مساعده وهو يلهث.
"ألغوا فرق الاستقبال! أوقفوا كل شيء! لن يعود أحد من الهاوية أبداً إذا كان السحب بوميض أحمر."
قبض على حافة الطاولة بقوة، وعيناه مسمرتان على الشاشات الحمراء.
"أبلغ الجميع بالاستعداد. الوميض الأحمر يعني المقايضة... الهاوية سحبتهم لترسل لنا وحوشها بدلاً منهم. ستبدأ موجات المخلوقات المشوهة بالخروج إلى عالمنا الليلة!"
بمجرد أن توهجت الزنزانة باللون الأحمر، شعر ليفان أن جسده يتمزق إلى ذرات. صرخة رومو بجانبه قُطعت فجأة، واختفت إينا في ومضة قرمزية.
تحول الهواء إلى شفرات تمزق وعيه. كان يسقط في نفق من الدماء والظلام، محاطاً بصرخات مئات المراهقين الذين يُسحبون معه إلى الجحيم. طمس الرعب عقله تماماً، وفي ذروة الألم.. انقطع الصوت.
سكون مطلق ومخيف.
فتح ليفان عينيه وهو يلهث. توقف السقوط، ووجد نفسه يقف فوق سطح زجاجي لا ينتهي، يعكس سماءً رمادية ساكنة.
وسط هذا الفراغ، برز كرسي حجري قديم يجلس عليه عجوز بلحية بيضاء تنسدل حتى تلامس الزجاج، وأمامه كتاب عملاق صفحاته من غيوم ذهبية.
حاول ليفان التوازن فوق السطح الأملس، وتمتم بصوت مرتعش.
"أين أنا؟ هل هذه هي الهاوية؟"
حدق العجوز فيه بعينين غائرتين، ونطق بصوت عميق رجّ المكان.
"هذا العالم الزجاجي أصبح ملكك. هنا تستطيع استدعاء الماضي لترى المكان الذي تقف فيه في حقبة مختلفة. أما قدرتك التي اكتسبتها، فستدركها في وعيك على الفور."
رفع العجوز يده فجأة وأطلق دفعة هواء قوية. تطاير شعر ليفان الأسود للخلف وهو يندفع في الفراغ، بينما بدأ العالم الزجاجي يتلاشى كالحلم.
في تلك اللحظة، انفتحت آفاق عقله. تدفقت المعلومات في وعيه كمشاهد حية. رأى موازين الطاقة وفهم أن المسألة تعتمد على الكتلة والقرار.
تغلغلت قدرة الجاذبية بمنطق الجذب والدفع في أعصابه.
'الجذب لا يعني دائماً قدوم الشيء إليّ... إذا جذبتُ جسداً ثابتاً أو أثقل مني، فسأكون أنا من يندفع نحوه.'
كانت هذه الرؤية هي المفتاح. قدرته ليست مجرد سحب الأشياء، بل تلاعب بنقطة الارتكاز. إذا كان الهدف أخف، طار إليه. وإذا كان أثقل، تحول ليفان نفسه إلى قذيفة تندفع نحو الهدف.
رفع سقف التحدي في وعيه وتخيل ثلاثة أجسام وهمية. ركز ذهنه حتى شعر بانقسام حقيقي في انتباهه، وكأن عقله تفرع إلى مسارات منفصلة. لوّح بيديه في الهواء بحركات دقيقة محاولاً السيطرة على ثلاثة تدفقات للطاقة في وقت واحد.
شعر بضغط حاد في صدغيه، لكنه حافظ على التوازن. ثلاث عمليات في آن واحد هو الحد الأقصى الذي يحتمله عقله الآن.
بمجرد أن استقر الفهم في وعيه، انطوى الفراغ الزجاجي وغاص في أعماق بصيرته كحاسة جديدة. تلاشى العجوز، وانهار السطح تحت قدميه، ليهوي فجأة في فراغ مظلم سحق أنفاسه لثوانٍ.
ارتطمت قدماه بقوة جعلت ركبتيه تنثنيان. فتح عينيه ليجد نفسه غارقاً في بياض مطلق. أغمض جفنيه بقوة ثم فتحهما بحذر، لكن البياض ازداد ضراوة. ضربته حرارة مباغتة لفحت وجهه، وشعر بلسعات الرمل الساخن تخترق حذاءه وتلسع قدميه.
"تباً.. هذا حار!"
تمتم بها وهو يزفر بضيق. رفع كفه ليحجب الوهج الحارق، شاعراً بثقل قدراته الجديدة في عقله، لكنه لم يجد أهدافاً يوجهها نحوها وسط هذا الخواء الأبيض. عبس بغضب ونطق بصوت خشن.
"اللعنة.. ما هذا؟ ولماذا لا أرى سوى البياض؟"